في الأيام الأخيرة، صرتُ أتابع ما يُثار حول فيلم الست بنفس القدر من الدهشة الذي يتملكني كلما شاهدت كيف يتعامل الجمهور مع أى محاولة للاقتراب من رموزنا الفنية الكبرى. موجة من الأحكام، تعليقات حادة، مواقف قاطعة… وكل هذا قبل أن تُعرض لقطة واحدة من الفيلم. وكأننا نعيش في زمن باتت فيه الصورة المتداولة أهم من العمل نفسه، والانطباع أسرع من الرؤية. ورغم أنني لست ممن يوزّعون صكوك البراءة الفنية لأحد، فإنني أؤمن بشيء واحد: لا يجوز أن نحكم على فيلم لم نره بعد. بل إن التجربة علّمتني أن كثيرًا من الأعمال التي سبقها هجوم، خرجت لتثبت أن الحكم المسبق لم يكن أكثر من ضجيج مؤقت. منى زكي… ولماذا الهجوم قبل المشاهدة؟ وسط كل ما قيل وما كُتب، شعرتُ أن الهجوم الذي طال الفنانة منى زكي ليس فقط مبكرًا، بل ينقصه قدر من الإنصاف. منى ليست ممثلة طارئة على الساحة، بل صاحبة تجربة طويلة واشتباك دائم مع الأدوار المركّبة، وقد اختارت أصعب الفنون: تجسيد شخصية يعرفها كل عربي عن ظهر قلب. مهمة ليست سهلة، وليس من الضروري أن تكون النسخة المطابقة لأم كلثوم، فالفن ليس بحثًا عن "شبه" بقدر ما هو بحث عن روح. نعم، قد نختلف بعد مشاهدة الفيلم، وقد نرى أن الأداء لم يكن على قدر التوقعات؛ هذا حقنا تمامًا. لكن ما ليس حقًا لنا هو أن نُطلق الحكم قبل أن نرى. مروان حامد… وهل يخشى على رمزية أم كلثوم؟ وفي المقابل، فإن تجربة المخرج مروان حامد لا تسمح لي —ولا لغيري— بأن أتعامل مع الفيلم بخفة. هذا مخرج يعرف طريقه جيدًا، من حيث الصنعة، والخيال، والقدرة على بناء عالم بصري له نبرة خاصة. كل من تابع أعماله يدرك أنه لا يضع اسمه على مشروع لا يؤمن به. فكيف إذا كان العمل عن أم كلثوم، أيقونة الفن العربي وصوت القرن؟ أثق أن مروان يُدرك حساسية الاقتراب من هذه القامة الفنية، ويعرف أن تقديم فيلم عنها ليس مجرد مغامرة سينمائية، بل مسؤولية ثقافية تجاه تاريخ فنّي لا نملك الترف في أن نفقده أو نتركه للصدفة. لماذا نحتاج فيلمًا عن أم كلثوم؟ ربما ننسى أحيانًا أن الأجيال الجديدة لم تَعِش زمن أم كلثوم. تعرف الأغاني، نعم، لكن لا تعرف المرأة، ولا الرحلة، ولا الوجع والعمل والصبر خلف هذا المجد. لذلك فإن فيلمًا سينمائيًا عنها ليس ترفًا فنيًا، بل محاولة لإعادة تقديم رمزٍ يستحق أن يُروى، وأن يُعاد اكتشافه من جديد. تجارب عالمية تكشف حجم التسرع وتجربتنا ليست استثناءً. في العالم كله، تعرضت ممثلات عالميات لهجوم قاسٍ لمجرّد الإعلان عن تجسيدهن شخصيات أسطورية: ماريون كوتيار قبل لعب دور إديث بياف، ليست ظاهرة الحكم المسبق حكرًا على العالم العربي؛ بل هي جزء طبيعي من استقبال أي عمل لسيرة ذاتية. وفي السينما العالمية، لدينا الكثير من الأمثلة التي هوجمت قبل العرض، ثم تحولت إلى علامات فنية: عند الإعلان عن اختيار ماريون كوتيار لتجسيد إديث بياف،فى فيلم La Vie en Rose اعتبر البعض أنها لا تمتلك أي شبه جسدي أو صوتي مع الأسطورة الفرنسية، لكن النتيجة كانت أداءً استثنائيًا منحها جائزة الأوسكار وأعاد بياف إلى الواجهة العالمية. ميشيل ويليامز قبل تجسيد مارلين مونرو، فى فيلم My Week with Marilyn تعرضت ويليامز لانتقادات واسعة قبل العرض بسبب اختلاف الملامح والبنية الجسدية عن مارلين مونرو، لكن بعد عرض الفيلم، أثنى النقاد على الأداء النفسي العميق الذي قدمته، ورُشحت للأوسكار ورامي مالك قبل أداء فريدي ميركوري فى فيلم Bohemian Rhapsody واجه الإعلان عن اختيار رامي مالك اعتراضات بسبب شكله ونبرة صوته، ومع ذلك أصبح الفيلم أحد أكثر أفلام السير الذاتية نجاحًا، وفاز مالك بجائزة الأوسكار آنا دي أرماس – Blonde (مارلين مونرو مرة أخرى) قبل عرض الفيلم، شكك كثيرون في قدرتها على تجسيد مارلين، خصوصًا بسبب لهجتها، لكن بعد عرض الفيلم، اعتُبر أداؤها من أكثر الأداءات إثارة للجدل والقوة في نفس الوقت. هذه الأمثلة توضح أن الحكم الحقيقي يبدأ بعد المشاهدة، لا قبلها. وفي كل مرّة، تراجع الجمهور ليعترف: الحكم كان سابقًا لأوانه. أخيرًا… دعوا الفيلم يُعرض ثم احكموا أقولها بوضوح: لستُ في موقع المدافع عن فيلم لم أشاهده بعد، ولا يهمني إن انتهيت إلى الإعجاب أو النقد أو الرفض. لكن ما يهمني حقًا هو أن نتحرر من ثقافة إصدار الأحكام المسبقة، وأن نعطي العمل حقه من المشاهدة قبل أن نضعه في خانة النجاح أو الفشل. إن الجدل حول فيلم الست طبيعي ومفهوم، لكنه لا يجب أن يتحول إلى عائق أمام الإبداع. فالأعمال العظيمة كثيرًا ما وُلدت وسط ضجيج، لكن التاريخ لا يتذكر الضجيج… بل يتذكر الإبداع أم كلثوم تستحق مشاهدة عادلة.. منى زكي تستحق فرصة… ومروان حامد يعرف جيدًا ماذا يفعل. فلننتظر الست… ثم نتكلم.