الرئيس السيسي يستقبل مصطفى مدبولي لإجراء تعديل على تشكيل الحكومة    تفاصيل الجولة المفاجئة لوزير التعليم بمدارس البحيرة    وظيفة ملحق دبلوماسي بالخارجية.. الموعد والأوراق المطلوبة    باستثمارات 800 مليون جنيه.. وضع حجر الأساس ل"كمباوند لايف سيتي" بمدينة قنا الجديدة    «العشري»: معرض أهلاً رمضان منصة سنوية لتوفير السلع بأسعار مخفضة    البورصة تواصل ارتفاعها بمنتصف التعاملات والتداولات تلامس 4 مليارات جنيه خلال ساعتين    «إي اف چي هيرميس» تنجح في إتمام الطرح العام الأولي لشركة «جورميه إيجيبت»    وزير خارجية السنغال: نتفق مع مصر في جميع القضايا    وزير الخارجية: اتصالات يومية مع واشنطن وإيران لمنع التصعيد وانزلاق المنطقة إلى الحرب    كييف تعلن إسقاط 110 طائرات مسيرة روسية خلال الليل    ترتيب هدافي الدوري المصري قبل مؤجلات الأهلي والزمالك    هل يتم إلغاء الدوري بسبب ضغط المباريات.. اتحاد الكرة يوضح    ضبط 4 متهمين بتبييض 85 مليون جنيه من تجارة المخدرات    النيابة تنتدب المعمل الجنائى لمعاينة موقع حريق شقة سكنية فى بنها    تحول جذري في حالة الطقس خلال الأيام القادمة| عودة قوية لفصل الشتاء    السودان يستأنف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم    ضبط 118 ألف مخالفة وسقوط 64 سائقاً فى فخ المخدرات    مكتبة مصر العامة بأسوان تحصد المركز الأول فى ماراثون "أقرأ"    في ذكرى ميلادها.. نعيمة وصفي فنانة صنعت مجدًا بين المسرح والسينما    «الصحة» تعلن تنفيذ البرنامج التدريبي المتقدم في أمراض الكُلى    العامل الرئيسي لسرطان المعدة وطريقة تشخيصه    تراجع سعر الريال السعودي في بداية تعاملات اليوم 10 فبراير    موعد مباراة اتحاد جدة والغرافة القطري في دوري أبطال آسيا والقناة الناقلة    كابيلو: صلاح لا يزال يصنع الفارق.. وهذا هو الفريق الأقرب لقلبي    رفع 2040 طن من القمامة وتحرير 100محضر تمونى متنوع بكفر الشيخ    لنشر الوعي وتوفير فرصة عمل.. محافظ أسيوط يسلم مشروع مكتبة متنقلة لأحد شباب الخريجين    استعدادا لرمضان، تخصيص 36 مسجدا للاعتكاف و309 مساجد لصلاة التهجد بأسيوط    بقاء "السيادية" واستقرار "الخدمية".. مصادر ل"أهل مصر" تكشف قائمة الوزراء المستمرين في التشكيل الجديد    "عاتبه على رفع صوت الأغاني"، إحالة عاطل للجنايات بتهمة إشعال النار في جاره بعين شمس    مصرع 2 وإصابة 3 آخرين فى انقلاب سوزوكى بالشرقية    عاجل| خروج الدفعة السابعة من العائدين الفلسطينيين من مصر إلى قطاع غزة    المكتب الإعلامي الحكومي بغزة: الاحتلال خرق اتفاق وقف إطلاق النار 1620 مرة    مؤسسة فاروق حسني للفنون تمنح جائزة الاستحقاق الكبرى للفنان يحيى الفخراني    الإفتاء توضح حكم الإفطار أول أيام رمضان بسبب السفر    تعزيز التعاون الاقتصادي والتضامن العربي يتصدران نتائج زيارة السيسي للإمارات (فيديو وصور)    بعد مفاوضات جماعية ناجحة.. وزير العمل ينهي إضراب عمال شركة جيد تكستايل إيجيبت بالعاشر من رمضان    جامعة قناة السويس تطلق قافلة للإصحاح البيئي بقرية أبو سلطان بفايد    الصحة تعلن تنفيذ البرنامج التدريبى المتقدم فى أمراض الكُلى    اسكواش - أمينة عرفي وكريم عبد الجواد يتأهلان لنصف نهائي ويندي سيتي    بعثة المصري تصل مطار القاهرة الدولي    بتوقيت المنيا.... اعرف مواعيد صلاتك بدقه اليوم الثلاثاء 10فبراير 2026    الإفتاء: يجوز شرعًا تقاضي عمولة على نقل الأموال باتفاق الطرفين    خلافات مالية تشعل اجتماع الوفد، مشادة حادة بين قياديين وقرارات حاسمة لإعادة الانضباط    النيابة العامة تأمر باحتجاز متهم بالتحرش داخل أتوبيس نقل عام بالمقطم    مباحثات مصرية - فرنسية لتعزيز العلاقات الاقتصادية المشتركة بين البلدين    تعرف على مباريات الجولة الثانية بالدور قبل النهائي لدوري السوبر الممتاز للطائرة    وزارة الصحة تستعرض "المرصد الوطني للإدمان" أمام وفد دولي رفيع    أحمد جمال : ذهبت لطلب يد فرح الموجي.. ووالدها قال لي «بنتي لسه صغيرة على الجواز»    ممدوح عيد يشكر وزير الشباب والرياضة واتحاد الكرة بعد حادث لاعبي بيراميدز    «رأس الأفعى» يشعل سباق رمضان 2026.. دراما واقعية تكشف أخطر الصراعات في الظل    شيري عادل: شخصيتي مختلفة تمامًا في «فن الحرب»    إيثان هوك يحوّل لحظة تكريمه إلى احتفال عائلي نادر على السجادة الحمراء    أدعية الفجر المأثورة.. كنوز من القرآن والسنة لبداية يوم مبارك    مصرع 5 أشخاص في تحطم مروحية جنوب ليبيا    ترامب: سنبدأ مفاوضات فورية مع كندا حول القضايا الثنائية    حين تلتقي القلوب بالخير.. رمضان موسم الصفاء والمودة    دخول الفتيات مجانًا.. ضبط المتهم بالاستعداد لحفل تحت مسمى «جزيرة إبستن»    برلماني يحذر: الألعاب الإلكترونية والمراهنات الرقمية تهدد سلوك النشء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصهاينة من غير اليهود في المجتمعات الغربية

«ليس من الضرورى أن تكون يهوديا لكى تكون صهيونيا». اعتاد الرئيس الأمريكى الحالى على تكرار تصريحات مثل الجملة السابقة، تعبيرا عن دعمه لدولة الاحتلال وإيمانا منه بالمشروع الصهيونى. والمثير فى تصريح جو بايدن أنه يتجاوز الدعم والانحياز التاريخى لمعظم قادة ونخب الغرب لإسرائيل، ليعلن عن نفسه بكل فخر واعتزاز وثقة بأنه صهيونى. والمعروف أن السيد بايدن ثانى رئيس مسيحى كاثوليكى بعد جون كينيدى.
لا يعد الصهيونى «جو» استثناء فى الثقافة الغربية التى تبنت أفكارا ورؤى صهيونية حتى قبل نشأة الحركة الصهيونية نفسها، فقد نظر البعض إلى مؤسس المذهب البروتستانتى والإصلاحى الشهير، مارتن لوثر، بوصفه صهيونيا، عندما كتب مؤلفه «المسيح ولد يهوديا» عام 1523، حيث أكد فيه على مبدأين؛ فضل اليهود على المسيح والمسيحيين وضرورة احترامهم، وأن العهد الجديد ما هو إلا امتداد للعهد القديم والتراث اليهودى، مستشهدا بمقولات بولس الرسول وتعاليمه فى الإنجيل.
وقد تأثر لوثر فى شبابه بشخصية أحد أصدقاء عمه وأفكاره، هو المفكر المسيحى الألمانى، يوهان روخلين، وكان روخلين دارسا للغة العبرية، ومتعاطفا مع اليهود، ومولعا بالتصوف اليهودى المعروف باسم «كابالا»، وهو الشخص ذاته الذى عارض عام 1510 أمام الإمبراطور الرومانى فكرة حرق الكتب والتراث اليهودى فى أوروبا، وطالبه بتأسيس كراسى فى الجامعات لتدريس اللغة العبرية. وينظر إليه اليهود بوصفه أحد أبطالهم التاريخيين.
وباقتباس تعبير المفكر والقس، إكرام لمعى، فى كتابه الرصين «اختراق الصهيونية للمسيحية»، فإن جهود روخلين ولوثر وآخرين قد أحدثت تحولا واختراقا للموقف المسيحى التقليدى من اليهود وكراهيتهم فى الأوساط المسيحية. وربما كان لوثر أحد الملهمين التاريخيين لتيار المسيحية الاسترجاعية أو المسيحية الصهيونية، والتى ظهرت أولا فى إنجلترا البروتستانتية فى القرن السابع عشر مشترطة عودة اليهود ل «أرض الميعاد». وتعتبر الطائفة الإنجيلية البروتستانتية فى الولايات المتحدة امتدادا وتمثيلا حرفيا لهذه الأفكار.
والغريب أن موقف لوثر قد تغير إلى النقيض تماما فى مرحلة متقدمة من حياته عندما كتب رسالة مشهورة بعنوان «عن اليهود وأكاذيبهم» عام 1543، وصفهم فى هذه الرسالة بأبشع الصفات، داعيا فيها الأمراء الألمان إلى حرق كتبهم ومعابدهم، وإيقاف حاخاماتهم، بل وقتلهم. وهى النصائح التى نفذتها لاحقا ألمانيا النازية. لقد كتب الكثيرون عن الدوافع التى ربما تكون قد أثرت على فكر لوثر وتسببت فى هذا التحول، ومع ذلك لا أحد يعرف على وجه اليقين أسباب تغير موقف لوثر من اليهود.
• • •
يسرد الراحل الرائع الدكتور، عبدالوهاب المسيرى، فى كتابه «الصهيونية والحضارة الغربية» نماذج وأمثلة للعديد من القادة والسياسيين والمفكرين الغربيين الذين كانوا صهاينة أو داعمين للفكر الصهيونى، حتى وإن لم يعلنوا عن ذلك بوضوح مثل الصهيونى جو بايدن ووقاحته. فعلى سبيل المثال اعتبر المسيرى الداهية الاستعمارى نابليون بونابرت صهيونيا، وكذلك فعل المؤرخ الفرنسى باتريس جينيفى صاحب كتاب «بونابرت 17691802». فبالإضافة إلى دوره فى تحرير واندماج اليهود فى فرنسا وغيرها من البلاد التى احتلها فى أوروبا خلال القرن التاسع عشر، دعا بونابرت عام 1799 وأثناء حصاره لعكا يهود العالم إلى الهجرة إلى فلسطين «أرض أجدادهم» وتأسيس وطن قومى. ويختلف الدارسون على أى حال فى دوافع نابليون الصهيونية لدرجة أن البعض ادعى أن له أصولا يهودية.
وفى مرحلة مبكرة، وقبل نابليون كان هنرى فتش (15581625) عضو البرلمان البريطانى، يدعو اليهود للتمسك ب «حقهم فى الأرض الموعودة»، وطرح مفهوما عرقيا لإسرائيل بدلا من المفهوم الروحى التقليدى. وكان الجنرال الفرنسى فيليب لانجلرى (16561717) مهووسا بتوطين القبائل اليهودية المبعثرة والتائهة فى العالم. ويعد واردر كريسون (17981860) شخصية محورية فى تاريخ الصهيونية، وهو أمريكى من طائفة المرمون، وعين أول قنصل للولايات المتحدة فى فلسطين.
أما اللورد البريطانى بالمرستون (1784 1865) فهو صهيونى آخر غير يهودى، وكان يشغل منصب وزير خارجية بريطانيا أثناء أزمة الباب العالى فى إسطنبول مع محمد على باشا، والى مصر، وقد دعا فى رسالة إلى السلطان العثمانى إنه «إذا عاد أفراد الشعب اليهودى إلى فلسطين» فى حماية السلطنة العثمانية، فإن بريطانيا ستقوم بكبح جماح أى مخططات شريرة قد يقوم بها محمد على أو من سيخلفه فى المستقبل. وكذلك كان اللورد البريطانى أشلى كوبر لورد شافتسبرى السابع (18011885) صهيونيا مسيحيا عاش فى القرن التاسع عشر نذر حياته لدعم الفكر الصهيونى لأسباب دينية. بينما كان صديقه الدبلوماسى البريطانى لورانس أوليفانت أكثر حماسا وولعا بالصهيونية، فقد سافر إلى فلسطين وشرق الأردن بهدف إنشاء شركة استيطانية لتوطين اليهود. وفى أثناء استيطانيه فلسطين مع زوجته، كان سكرتيره الخاص، نفتالى هرتس إيمبر، مؤلف النشيد الوطنى لدولة إسرائيل.
• • •
من الصهاينة غير اليهود الذين ذكرهم المسيرى (جيمس فن) (18061872) الذى عمل قنصلا بريطانيا فى القدس. وكان من رواد الدعوة لتوطين اليهود فى فلسطين، وصديقا حميما لليهود، ومتحمسا هو وزوجته للمشروع الصهيونى. ولم يكن السياسى الإيطالى بنديتو مسوولينو (18091885)، أقل حماسا، حيث اعتاد زيارة فلسطين، وحرر كتابا بعنوان «القدس والشعب العبرانى». ومن أسرة تشرشل الشهيرة، كان الضابط الإنجليزى تشارلز تشرشل (18071869) صهيونيا حتى النخاع. ومن الأقوال التى تنسب إليه عند لقائه فى مالطا بالسير مونتفيورى الدبلوماسى البريطانى «إنه فى غاية السعادة بأن الأقدار قد رتبت هذا اللقاء فى هذا المكان بالذات» فى إشارة إلى فرسان الحملات الصليبية الذين توجهوا إلى فلسطين انطلاقا من مالطا. وهناك أيضا سى. آر. كوندر (18841910) المؤرخ ومؤسس صندوق استكشاف فلسطين الذى تبنى الفكر الصهيونى لأهداف صليبية استعمارية، فقد أشار فى كتابه عن تاريخ المملكة اللاتينية فى القدس إن الإمبريالية الغربية قد نجحت فيما أخفقت فيه الحملات الصليبية. وهو موقف مشابه لصهيونى غير يهودى آخر وهو لويد جورج (18631945) رئيس الوزراء البريطانى عندما صرح بأن الجنرال اللنبى شن وربح آخر الحملات الصليبية.
وتطول قائمة الصهاينة غير اليهود فى المجتمعات الغربية التى أوردها الراحل الدكتور المسيرى فى موسوعته الشهيرة الصادرة عن دار الشروق، ناهينا عن المؤسسات والكنائس الداعمة خاصة فى الولايات المتحدة، حيث ولدت المسيحية الصهيونية من رحم البروتستانتية عامة، ومن رحم الفكر الإنجيلى الاسترجاعى تحديدا. ويكفى أن تشاهد برامج الإنجيليين لتدرك حجم تأثير الفكر الصهيونى على عقائدهم وأفكارهم. ومن أهم رموز هذا الاتجاه فى الولايات المتحدة بات روبرتسون وجيرى فالويل.
• • •
بالتأكيد يمكن تفهم رؤية المسيرى بأن بعض مؤيدى الفكر الصهيونى فى أوروبا كانوا من كارهى اليهود، ويهدفون من خلال مساعدتهم لإنشاء وطن قومى للتخلص منهم. فعلى سبيل المثال يذكر أن أشهر شخصية فى تاريخ الصهيونية هو اللورد بلفور الذى ارتبط اسمه بالوعد المشئوم كان يمقت اليهود ويكرههم، وكذلك كان مارك سايكس أحد صانعى اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة. وبعض الصهاينة من غير اليهود فى المجتمعات الغربية أدركوهم بوصفهم جماعات وظيفية ووسيلة يمكن استغلالها. ولكن ليس من المنطق استبعاد الدوافع الأخرى التى تجعل من بعض الأشخاص صهاينة أو مؤمنين بالفكر الصهيونى.
ويمكننا بالتأكيد الاتفاق مع الدكتور المسيرى فى أن الصهيونية نتاج الثقافة الغربية الاستعمارية الاستيطانية، وأنها قد استغلت الدين لأسباب سياسية وقومية وأن بها تيارا علمانيا وتيارا روحيا. ولكن لا يمكننا ادعاء أنها فى مجملها حركة علمانية لا دينية، فهذا تعميم غير دقيق فى ظنى، فأصول الصهيونية واضحة فى اليهودية وفى العهد القديم والتلمود وغيرها من المصادر المؤسسة للفكر الصهيونى. وربما يكون فى الكتاب المرجعى للدكتور اسماعيل راجى الفاروقى عن هذا الموضوع، وكتاب «أيديولوجيا تفسير العهد القديم» للدكتور أحمد عبدالمقصود الجندى، إجابات واضحة وشافية عن علاقة الصهيونية بالدين اليهودى.
• • •
خلاصة القول، إن انتشار الفكر الصهيونى بين غير اليهود فى المجتمعات الغربية ظاهرة قديمة ترجع على الأقل إلى عصر الإصلاح الدينى وظهور المذهب البروتستانتى فى القرن السادس عشر. وتتفاوت دوافع مؤيدى وداعمى الفكر والمشروع الصهيونى بين الدوافع الاستعمارية والاستراتيجية. ولا يمكن إغفال الدوافع الدينية والثقافية خاصة فى صفوف الأصولية المسيحية البروتستانتية. وربما كان التعاطف مع معاناة اليهود فى أوروبا والشعور بالذنب لدى بعض الغربيين جعل منهم صهاينة أكثر من بعض الصهاينة اليهود. وفى ظنى أن دور اللوبيات الصهيونية فى شراء السياسيين وصناع القرار بشكل ممنهج قد ساهم فى تفشى الظاهرة. وفى النهاية لا أدعى أن ظاهرة الصهاينة غير اليهود مقصورة على الثقافة الغربية فقط، فيمكن أن نجدهم فى الشرق والغرب، بل إن بعضهم عاشوا ومازالوا يعيشون بيننا فى بلاد العرب والمسلمين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.