تعيش فرنسا أجواء توتر وعنف منذ مقتل المراهق الفرنسي من أصل جزائري نائل علي، يد ضابط شرطة برصاصة في صدره، وانتشر مقطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي عن الحادث أشعل فتيل الأزمة بين المحتجين وقوات الأمن، الذين ينتشرون في عدد كبير من المدن للسيطرة على حالة الفوضى التي تعم البلاد، في حالة شرسة من التعبير عن الغضب والرفض للعنصرية والاضطهاد الذي يقابله ذوي الأعراق المختلفة من جهاز الشرطة الفرنسية. ونشرت فرنسا 45 ألفا من قوات الشرطة في جميع أنحاء البلاد، تحسبا لموجة جديدة من الاضطرابات بسبب الاحتجاجات التي بدأت في الأيام القليلة الماضية بعد مقتل مراهق يدعى نائل، 17 عاما، على يد شرطي مرور، يبلغ من العمر 38 عاماً، وقد أودع في الحبس الاحتياطي بعدما وُجّهت إليه تهمة القتل العمد. وانتشرت صورًا ومقاطع مصورة مختلفة من أحياء مدن فرنسية شعبية وعلى حد وصف وسائل إعلام عالمية أن أغلب الأحياء المحتجة من الأماكن التي يسكنها العمال والفقراء في فرنسا، مما جعل مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي يصنعون مقارنات عبر الصور بين ما يحدث على أرض الواقع وفيلم "أثينا" الذي عرض عام 2022 على منصة "نتفلكس" ومن إنتاجها، من تأليف لادج لي وإخراج رومان جافراس، وبطولة دالي بن صلاح وأليكسيس مانينتي وأنتوني باجون وكريم لاسمي، واسيني مبارك. وتدور أحداث في ضواحي باريس، ويحاول المخرج من اللحظات الأولى لظهور المنطقة السكنية التي يعيش فيها المحتجين للكشف عن كونها مكان للفقراء والعمال والمحتاجين في المدينة، وتروي الدراما قصة 4 أشقاء من أصل جزائري يعيشون في نفس المنطقة -أثينا- السكنية الصعبة، قُتل إدير على يد مجموعة من رجال الشرطة، الذين لم يكشف هويتهم للجمهور مما يتسبب في تأجيج الغضب، وبينما يحاول عبدل السيطرة على نفسه والدعوة لمسيرة صامتة سلمية وهو بطل في الجيس، يقود الأخ كريم احتجاجاً فوضوضياً شرساً ضد القوات الفيدرالية، بينما الأخ الثالث ينخرط في تجارته غير المشروعة ويغضب من تصرفه شقيقه الذي يتسبب في هجوم الشرطة بشراسة على حيهم السكني. وقال جاستن تشاتغ، ناقداً سينمائياً لصحيفة Los Angeles Times: "كقطعة من الرقص المستمر إن أثينا غالبًا تعبر عن دراما مذهلة، دراما عن عنف الشرطة وويلات الطبقة الدنيا التي تم تجاهلها منذ فترة طويلة وتعقيدات الهوية الفرنسية الحديثة، يبدو الفيلم نحيفًا ومفرطًا في التحديد قام جافراس بتأليف القصة على أنها سيمفونية واحدة للاضطرابات المدنية مدفوعة ببعض التصاعدات الدرامية القاتمة من خلال المشاهد القوية، والنظرة الثابتة للكاميرا، التي تتبع الشخصيات في حركة توحي أنها لقطة واحدة". بينما انتقد بيتر برادشو، ناقد سينمائي بالجارديان، سطحية الشخصيات المقدمة: "بعد الانقلاب السريع الذي تطرحه البداية، يفقد الفيلم شكله الدرامي حيث تم عرض الموقف بين الإخوة الثلاثة، وهذه الحبكة الفرعية صنعت سياجاً حول قضية العنصرية الرئيسية في الفيلم، بالإضافة إلى شخصية سيباستيان الإرهابي، وهي خيط فرعي آخر للتمييز بين العنف كرد فعل للعنصرية والتعصب غير المبرر، ولكن لا يمكن أن ننكر أن الفيلم قدم تسلسل افتتاحي قوي، لكن لا يوجد الكثير من التعقيد البشري للشخصيات أو الأصالة الإنسانية في الدراما اللاحقة خلال الأحداث"، في مقاله بالجارديان. وقال "أ.و.سكوت"، ناقد بصحيفة نيويورك تايمز: "توفر الميلودراما الأخوية والاضطرابات الاجتماعية أثينا وقودًا للعمل الفني الدؤوب من حيث المبدأ، وهذه ليست صيغة سيئة، ومخرج الفيلم لا يخجل من استحضار أفلام العصابات، والمأساة الكلاسيكية مستثمرًا قصته المعاصرة بوحشية المعارك القديمة، وصناعة أفلام جافراس مثيرة للإعجاب من الناحية الفنية، فهو يسحب الكاميرا من خلال لوحة حركية معقدة في لقطات طويلة تحبس الأنفاس، وبعض هذه التسلسلات مثيرة لكنها تصبح مكررة بعد فترة، وتصبح أثينا بخلفية لعبة فيديو أكثر من كونها مكاناً حقيقياً، ومن السلبيات الأخرى أن كل مشهد تقريباً ينتهي إما بصراخ أو انفجار، وفي حين أنه من الصحيح أن هناك قضايا حقيقية مطروحة في الفيلم -عنف الشرطة والعنصرية واستياء الطبقة الدنيا- ولكن لا يستكشف صانعو الفيلم كثيرًا عن هذه القضايا بقدر ما يستغلونها مما يعطي نوعًا صاخبًا من العرض السطحي". ومن الواضح من الآراء السابقة حول الفيلم وجود اختلاف في الآراء التي تناقشه، ولكن إجماع على طرحه لقضية عنصرية الشرطة الفرنسية والتداخل العرقي للمواطنين الفرنسيين، وغضب الطبقات الدنيا، وهي نفسها الأسباب التي ترفع بها لافتات الاحتجاجات الحالية التي تضرب فرنسا، والمقالات التي تنتقد الوضع الحالي. ففي صحيفة الجارديان، نشر مقالاً بعنوان "فرنسا تجاهلت عنف الشرطة العنصري منذ عقود، والآن تدفع ثمن ذلك بالتظاهرات"، للناشطة الفرنسية المناهضة للعنصرية رقية ديالو، قالت فيه: "لسان حال وسائل الإعلام الدولية ربما يشير إلى أن فرنسا تواجه لحظة مشابهة بجورج فلويد وكأننا استيقظنا فجأة على قضية عنف الشرطة العنصري، وتعكس هذه المقارنة الساذجة في حد ذاتها إنكارا للعنف العنصري المنهجي الذي كان ملازما لعقود من الزمن للشرطة الفرنسية". وقد شجبت لجنة الأممالمتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، في ديسمبر 2022، الخطاب العنصري لبعض السياسيين الفرنسيين وعمليات التحقق من الهوية التي تمارسها الشرطة، التي تستهدف بشكل غير متناسب أقليات معينة، بحسب بي بي سي. وتعبر ديالي عن اندهاشها من كون الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يرفض استخدام مصطلح "عنف الشرطة"، وعلى الرغم من أنه هذه المرة أدان بشكل قاطع حادث مقتل نائل ووصفه بأنه "غير مقبول"، فهي تخشى وصف الأمر أنه عملاً فردياً، بدلاً من التشكيك في المواقف والهياكل الراسخة داخل الشرطة الفرنسية التي تكرس العنصرية. لذلك كان فيلم أثينا الذي يصور الأوضاع كما ذكرنا في ضواحي فرنسا الفقيرة نتاجاً طبيعياً لهذه الانتقادات الواسعة الموجهة للشرطة الفرنسية وتوقع تطبيعي لما سوف تصل إليه الأحداث من عنف وحرق وفوضى في حال ظل الوضع القائم كما هو.