تحتفل مصر ومجموعة من الدول العربية اليوم 21 يونيو، بيوم الأب العالمي، ويعد هذا اليوم فرصة للأبناء لتكريم آبائهم والاحتفال بهم. ويمثل الأب ركنا راسخا في حياة كل منا، ويظل أثره الطيب لا يغيب، وقد عبّر المبدعون والمفكرون عن ذلك الأثر من خلال كتاباتهم وأحاديثهم، ومنهم كان الأديب الكبير نجيب محفوظ، والذي تحدث عن والده بأحد فصول كتاب "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ"، والذي يضم حواراته المطولّة مع الكاتب الصحفي رجاء النقاش. - عائلة الباشا يقول محفوظ: "والدي اسمه عبدالعزيز إبراهيم أحمد الباشا، من مواليد عام 1870 وتوفي عام 1937، وجدتي لأبي من عائلة عفيفي، وهي من العائلات الإقطاعية بالفيوم، أما جدي فمن رشيد ثم هاجر بعد ذلك إلى الإسكندرية، وعندما ذهبت ذات مرة إلى رشيد سألت عن عائلة الباشا ووجدت أن لها بقايا ما زالت موجودة في منطقة البرج، ولا أستطيع أن أدلي بشيء له قيمة عن حياة أبي وشخصيته عندما كان موظفًا في الحكومة، لأنني كنت حينئذ طفلاً رضيعًا، ولكن عندما أحيل إلى المعاش كنت قد كبرت وبدأت أفهم". - سميع للأغاني وتحدث محفوظ عن بعض من جوانب شخصية أبيه، قائلا:"أبي كان سميع للأغاني، ويحب المنيلاوي وصالح عبدالحي، وضربني علقة واحدة بسبب الإنجليز، وورثت عنه حبه للوفد ولسعد باشا زغلول، والكتاب الوحيد الذي قرأه بعد القرآن هو (حديث عيسى بن هشام)، كان يتمنى أن أصبح وكيل نيابة أو طبيبًا ولكني خيب أمله، وكان متفتحًا جدًا وليس فيه طباع (سي السيد)، وتوفي عام 1937 قبل أن يقرأ روايتي الأولى (عبث الأقدار)". - شديد الالتزام ويكمل، كما كان والدي شديد الالتزام والتنظيم، حيث يعود إلى البيت كل يوم بعد انتهاء العمل ويظل جالسًا في البيت، ويمضي وقته بين الصلاة وقراءة القرآن والجلوس في صمت، وكانت له قدرة غريبة على الجلوس في حالة صمت تام لساعات طويلة، وبعد أن يتناول طعام العشاء ينام، ولم يكن أبي من هواة القراءة، والكتاب الوحيد الذي قرأه بعد القرآن الكريم هو "حديث عيسى بن هشام"، لأن مؤلفه محمد المويلحي كان صديقًا له ويسكن في نفس المنطقة. - العلقة الأولى والأخيرة ويروي محفوظ ذكرياته معه بسنوات الطفولة، قائلا: "كان والدي يعاملني بحنان ولطف ولم يضربني في حياته إلا مرة واحدة، ولهذه العلقة قصة، كانت عساكر الإنجليز تحتل ميدان بيت القاضي حيث نسكن، وكانت تعليمات أبي تمنع فتح النوافذ المطلة على الميدان مطلقًا، لأن الإنجليز كانوا يعتبرون النوافذ المفتوحة بمثابة تهديد لهم، فقد يكون هناك من يحاول إطلاق الرصاص عليهم من النافذة المفتوحة". ويواصل، "وذات يوم انتهزت فرصة انشغال أمي في المطبخ وفتحت النافذة، وجلست أشاهد العساكر الإنجليز وأقلد حركاتهم وأصواتهم عند تغيير الطابور العسكري، وفجأة وجدت أبي واقفًا فوق رأسي، وهو ينظر لي بغضب شديد، ثم أحضر عصاه وهوى بها عليّ وجاءت أمي تساعده، وطرحاني أرضًا، وأمسكت أمي بساقي ورفعتهما إلى أعلى؛ ليتمكن أبي من ضربي بالعصا على باطن قدمي، وتركاني وأنا أعرج، وكانت المرة الأولى والأخيرة التي يضربني".