متهمان بقتل نقاش في الزاوية الحمراء يمثلون الجريمة    حسن عبد الله يكشف جهود البنك المركزي لإجهاض عمليات الاحتيال المالي    بكام البلطى النهارده.... اسعار السمك اليوم الخميس 29يناير 2026 فى اسواق المنيا    صعود مؤشرات الأسهم الروسية في بداية تعاملات بورصة موسكو    جايل الهندية تقيم عروضا لعطاءات الاستحواذ على حصة في مشروع إسالة الغاز في أمريكا    استجابة ل الشروق.. حملة مكبرة لرفع مخلفات أرض ستوديو مصر بالعروبة    «التخطيط» تتعاون مع «شنايدر إلكتريك» لدفع العمل المناخي وتعزيز الأمن الغذائي    ألبان أطفال وملابس، الهلال الأحمر المصري يرسل قافلة المساعدات ال127 إلى غزة    انطلاق الفوج الثاني من قافلة المساعدات 127 إلى غزة    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الفرنسي مستجدات الأوضاع الإقليمية    رئيس الوزراء البريطاني من بكين: عقدت اجتماعا مثمرا مع الرئيس الصيني وأحدثنا تقدما في الملفات الاقتصادية    حصاد مرحلة الدوري، 3 أندية تفشل في تحقيق الانتصار بالشامبيونز ليج    4 مباريات في افتتاح الجولة ال 21 بدوري المحترفين    تجديد حبس تشكيل عصابي تخصص في النصب على بائعي الموبايلات بالقاهرة    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 29 يناير 2026    بعد نفيها للواقعة.. براءة زوج اتهمته زوجته بإلقائها من شرفة منزلهما ببورسعيد    فيديو.. أسباب نفاد باقة الإنترنت بسرعة وطرق الحماية من اختراق الراوتر    استكمالا لاحتفالات عيد الشرطة، دار الكتب والوثائق تكشف عن 7 أسطوانات نادرة لموسيقى "مدرسة البوليس"    اليوم.. استراحة معرفة تناقش ضرورة الشعر في زمن السرعة بمعرض القاهرة للكتاب    نائب وزير الصحة: خطة عاجلة لضبط المؤشرات السكانية وخفض القيصريات غير المبررة    طريقة عمل فطائر الهوت دون بالجبن للتدفئة في ليالي الشتاء الباردة    حماس: جاهزون لتسليم الحكم إلى لجنة التكنوقراط    مروة عبد المنعم تكشف تفاصيل تعرصها لسرقة مالية    تعطل حركة قطار "طنطا_منوف" بالمنوفية لمده 20 دقيقة    تنفيذ 24 قرار إزالة في 5 مراكز وحي فى أسيوط    وزير التعليم العالي يشهد احتفالية تكريم أوائل الثانوية العامة والأزهرية    وزير الخارجية يلتقي الدفعة 58 من الملحقين الدبلوماسيين المعينين حديثًا    بشير التابعي: خبرة الأهلي تقوده للقب الدوري وعلامات استفهام على الزمالك    الاتحاد الأوروبي يدرس تصنّف الحرس الثوري الإيراني «منظمة إرهابية»    عين لا تنام.. كاميرات المراقبة سلاح الداخلية فى كشف الجرائم    صحة الوادى الجديد: اعتماد مخازن التطعيمات بقطاع الصحة بالمحافظة    كم ساعة من النوم يحتاجها جسمك لتعافي العضلات فعليًا؟ العلم يجيب    مصرع شابين وإصابة 2 آخرين إثر تصادم درجتين بسيارة نقل فى الشرقية    الحرب قادمة| الرئيس الأمريكي يحذر إيران: أصابعنا علي الزناد    رحل وهو معتمر.. وفاة معلم من قنا بالأراضي المقدسة    متوسط العمر المتوقع في أمريكا يصل لأعلى مستوى على الإطلاق في عام 2024    بعثة الأهلى تصل مطار القاهرة استعدادا للسفر إلى تنزانيا    قرارات نارية| رسميًا.. «كاف» يعلن عقوبات السنغال والمغرب في نهائي «كأس أفريقيا»    الشرطة الداعم لسيدات مصر في حملة ال 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة    عيد الشرطة بطولات ماسية.. 74 عاما في خدمة الوطن    مصطفى عسل يتأهل إلى نهائى بطولة الأبطال للاسكواش بأمريكا    تروبين حارس بنفيكا عن هدفه ضد ريال مدريد: طلبوا منى التقدم ولا أعرف السبب    صناعة القارئ عبر بوابة معرض الكتاب    ذكرى (جمعة الغضب).. الشارع ومعه الإخوان في مواجهة مبارك وداخليته    فضل دعاء صلاة الفجر وأهميته في حياة المسلم    دعاء الرزق.. باب الفرج وتوسعة الأرزاق باليقين والعمل    سداسية ليفربول ورباعية برشلونة.. تعرف على أهم نتائج الجولة الختامية من مرحلة الدوري بأبطال أوروربا    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الخميس 29 يناير    إصابة شخصين إثر اندلع حريق داخل عقار بإحدى قرى المنيا    الدكتور مصطفى حجازي يوقع كتابه الجديد «قبض الريح» في معرض الكتاب    الباحثة شيماء سعيد بعد إطلاق كتابها «المهمشون في سينما إبراهيم أصلان»: أتمنى تحويل رواية «وردية ليل» إلى فيلم سينمائي    د.حماد عبدالله يكتب: سمات المدن الجميلة (الحب ) !!    تشيلسي لثمن النهائي.. ونابولي يودع دوري الأبطال    ندوة مناقشة رواية «ثمرة طه إلياس».. حمدي النورج: التنوّع سمة أصيلة لدى كبار المبدعين    مجلس القضاء الأعلى يحتوي أزمة التعيينات.. إجراءات تعيين دفعات جديدة من أعضاء النيابة العامة وزيادة أعداد المقبولين الأبرز    الأكاديمية الوطنية للتدريب تختتم برنامج تأهيل أعضاء مجلس النواب الجدد    وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان تضحيات لا تنسى    موعد صلاة العصر اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الخارجية.. ذلك الباب الذى تهب منه الرياح
نشر في الشروق الجديد يوم 27 - 02 - 2010

هل تذكرون إسماعيل فهمى ومحمد رياض ومحمد إبراهيم كامل.. ثلاثة وزراء عظماء من وزراء خارجية مصر.. والذى يجمع بينهم هو أمر نادر الحصول فى مصر.. لقد استقالوا الواحد تلو الآخر فى فترة زمنية لا تتجاوز السنة الواحدة.
استقالات مسببة مما حدا بالرئيس السادات إلى أن يعهد بوزارة الخارجية إلى رئيس مجلس الوزراء د.مصطفى خليل، ثم إلى مدير المخابرات العامة فى ذلك الوقت الفريق أول كمال حسن على الذى قاد وفد التفاوض مع إسرائيل عام 1978.
أما إسماعيل فهمى فقد استقال لأنه فوجئ بإعلان السادات عزمه على زيارة القدس لمخاطبة الشعب الإسرائيلى مباشرة من فوق منبر الكنيست (البرلمان الإسرائيلى).. بينما كان إسماعيل فهمى فى اللحظة التى أعلن فيها السادات هذا التغير الهائل فى مسار السياسة المصرية كان يجتمع فى تونس مع الوزراء العرب للتحضير للذهاب إلى مؤتمر جنيف للسلام. ويقول إسماعيل فهمى رحمه الله، إنه ما كان يستطيع البقاء كوزير خارجية لينفذ سياسة مختلفة تماما عما كان يسعى إليه منذ أيام قلائل.. خاصة أنها سياسة جديدة مزلزلة ولم يستشر بشأنها.. وهو غير مقتنع بها.. فإن زيارة القدس هى الورقة الكبرى التى كان من الممكن أن نعد بها، ولكن لا ننفذها إلا بعد إتمام الصفقة.
أما محمد رياض فقد فوجئ بتعينه وزيرا للخارجية وطلب منه الاستعداد لمرافقة الرئيس إلى القدس، فقدم استقالته بعد 24 ساعة من صدور قرار تعيينه.. كانتا لطمتين متتاليتين آتيتين من نفس المصدر.. وزارة الخارجية. فقرر السادات أن يكون حريصا فى هذه المرة عند اختيار الشخصية التى سيعهد إليها بهذا المنصب المهم خاصة فى مثل تلك الظروف الدقيقة للغاية. فوجد ضآلته فى شخص السفير محمد إبراهيم كامل سفيرنا فى ألمانيا فى ذلك الوقت.
فمن أفضل من زميله السابق فى الكفاح ضد الإنجليز ورفيقه فى السجن فى قضية اغتيال أمين عثمان وزير مالية الوفد الذى كان معروفا بولائه للإنجليز (بالرغم من أنه هناك فارقا كبيرا فى السن بينها، فمحمد إبراهيم كامل لم يكن يتجاوز العشرين من عمره فى ذلك الوقت ومع ذلك فهو زميله فى قفص الاتهام وهى رابطة لا شك فى متانتها).
لذلك أعتقد أن استقالة محمد إبراهيم كامل كانت أشد وطئا على السادات.. ففضلا عن أنها الثالثة فى أقل من عام فإنها أتت من حيث لا يحتسب.
***
ظل منصب وزارة الخارجية شاغرا بعد ذلك. حيث عهد به شكليا إلى د.مصطفى خليل رئيس الوزراء، وتولى الدكتور بطرس غالى تسيير الأعمال كوزير دولة للشئون الخارجية إلى أن بدأت مفاوضات السلام بين مصر وإسرائيل فى قصر بلير هاوس بواشنطن فى نوفمبر 1978.
فعهد السادات إلى الفريق أول كمال حسن على مدير المخابرات العامة برئاسة وفد التفاوض.. إلا أن معظم أعضاء وفد التفاوض كانوا بالطبع من أعضاء وزارة الخارجية.. ويبدو أن السادات قد حذر كمال حسن على من مناكفات أعضاء الخارجية وسفسطتهم.. فكان رده دائما على ما يثار من مشاكل واحدا.. وهو «إحنا عاوزين سلام ولا مش عاوزين سلام!» منهيا بذلك النقاش باعتبار أن ذلك هو فصل الخطاب.
وكثير منا يتذكر نقاط الاعتراض الكثيرة والجوانب القانونية التى كان يثيرها أعضاء الوفد المصرى والتى كان الرئيس السادات لا ينظر إليها بنفس الاهتمام.. وقد عرف الإسرائيليون ذلك جيدا، فكانوا يذهبون إلى الرئيس مباشرة عند حدوث أى مشكلة فى التفاوض ويحصلون على موافقته قبل الجلوس إلى مائدة التفاوض.
ويذكر المتابعون لسير المفاوضات فى كامب ديفيد كيف تصدى أعضاء وفد التفاوض المصرى من أبناء الخارجية للكثير من المقترحات الضارة بالموقف المصرى وحققوا بعض النجاحات الضئيلة.. وكيف ذهب السفير الدكتور نبيل العربى أكثر من مرة للرئيس السادات شارحا وموضحا ومبصرا بالعواقب، وكيف كان الرئيس السادات يستمع فى صبر ثم يقول «إنكم لا ترون إلا الشجرة بينما أنا أرى الغابة بأكملها».
كان تفكير الرئيس السادات بسيطا وواضحا فهو يريد استعادة الأرض.. وكل ما عدا ذلك فهى أوراق.. وكان يقول إننا نأخذ الأرض ونعطيهم ورقا!! بالطبع هذا الورق كان يتعلق بأشياء ملموسة تتصل بالمياه الإقليمية، والمناطق المنزوعة السلاح، وإقامة العلاقات، وأولوية الالتزامات الدولية لمصر، وماذا يحدث فى حالة تعارض ما جاء بمعاهدة السلام مع التزامات مصر الأخرى (العربية)، والموقف من القدس... إلخ.
ويقول الرئيس الأمريكى السابق جيمى كارتر فى مذكراته والذى كان على علم بالمعارضة القوية التى يجدها الرئيس السادات من أعضاء وفده من الدبلوماسيين.. إنه «فى ليلة التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد مر أمام «البنجالو» الذى يقيم فيه الرئيس السادات ، فسمع أصوات نقاش حاد وعالى النبرة يدور فى الداخل، فشعر بقلق شديد وأمر بتشديد الحراسة على الرئيس السادات خوفا على حياته!!»
وفى صباح يوم التوقيع، رفض أعضاء الوفد من الدبلوماسيين الذهاب إلى البيت الأبيض لحضور حفل التوقيع، ولم يحضر من الخارجية سوى الوزير محمد إبراهيم كامل الذى كان قد عزم على الاستقالة وآثر تأجيل إعلانها لحين العودة إلى القاهرة.
***
وحتى بعد إبرام معاهدة السلام.. ظلت الخارجية هى العقبة الكئود أمام التطبيع.. وكثيرا ما حاولت إسرائيل الوقيعة بين الرئيس السادات وزارة الخارجية لتذليل عقبات التطبيع. ففى أسلوب ماكر، كتب محافظ حيفا إلى الرئيس السادات رسالة يطلب فيها أن «يتوسط» الرئيس لدى وزير الخارجية لكى يقوم بتنفيذ ما وعد به الرئيس السادات مواطنى حيفا عند زيارته لهم من دعوتهم جميعا لزيارة مصر..
وللقارئ أن يتصور مقدار الغضب الذى ألم بالرئيس السادات، وهو يرى أنه مطلوب منه أن يتوسط لدى وزير الخارجية «ليرجوه» تنفيذ التعليمات.
***
وقد هدأت كل الأمور مع تولى د.عصمت عبدالمجيد مهام وزارة الخارجية، الذى ركز على دبلوماسية التنمية مبتعدا قدر المستطاع عن كل ما قد يثير الجدل..
إلى أن تولى عمرو موسى المهمة فعلم بذكائه الوقاد أن هناك مساحة لا بأس بها يمكنه التحرك خلالها، دون تجاوز الخطوط الحمراء. فاستثمر ذلك إلى حدوده القصوى معيدا للسياسة الخارجية المصرية حيويتها وهيبتها.. حتى قالت عنه مادلين أولبرايت «أنا لا أدرى ما الذى يدعونا لتحمله».. حيث كان وزراء دول الخليج العربى يشتكونه سرا إلى أمريكا بأنه يدفعهم إلى اتخاذ مواقف متشددة فى كثير من القضايا.. لذلك كان ترشيحه للجامعة العربية هو الحل المرضى لكثير من الأطراف.. وبعد حقبة صغيرة تولى فيها الدبلوماسى القدير أحمد ماهر مهام الوزارة عادت الخارجية إلى حقبة ما قبل عمرو موسى.
***
ثم هبت أخيرا رياح عاتيه من أعلى أبواب الخارجية ارتفاعا.. رياح لا تقتصر على جدل بين دواوين الحكومة. أو تتعلق ببند من بنود السياسة الخارجية.. بل تنفض الغبار الذى اكتسى الوجوه والعقول وتثير الحماس والأمل.. فها هو ابن آخر من أبناء الخارجية يعود إلى بلده مسلحا بالعلم والخبرة والتقدير العالمى فى أعلى صورة.. وقد علم أن المرض العضال الذى تعانى منه بلاده والذى أوصلها إلى ما وصلت إليه.. هو غياب الديمقراطية.
فترك رغد العيش وجاء مؤثرا بلده على نفسه. وقد بدأت نسمات رياح التغيير التى أطلقها محمد البرادعى تظهر بصورة جلية.. لقد كنت فى المطار عند وصوله وإن لم أتمكن من مقابلته وشاهدت الآلاف وليس المئات كما قيل فى الصحف وقد تجشموا عناء الذهاب والانتظار غير مبالين بحملات التخويف المقصودة التى سبقت وصوله. لقد نفضت هذه النسمات التى أطلقها محمد البرادعى الغبار عن وجه مصر..
وجه مصر الذى رأيته فى مطار القاهرة وقد ازداد إشراقا وشبابا وحيوية.. لن يعود إلى الذل والانكسار والاستكانة مرة أخرى.. وإن شاء الله.. «مفيش رجوع يا برادعى» كما دوت بذلك الهتافات فى مطار القاهرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.