رحلت عن عالمنا الفنانة التشكيلية الرائدة جاذبية سري، إحدى الأسماء المهمة في الفن المصري، عن عمر ناهز 96 عاما، تاركة إرثا فنيا وتاريخا لا يُنسى. عُرضت أعمال "سري" في كثير من المتاحف العالمية والمصرية والعربية، وحصدت العديد من الجوائز، منها جائزة روما عام 1952، والجائزة الكبرى الرابعة للفن العالمي المعاصر موناكو عام 1968، وجائزة الدولة التشجيعية، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وجائزة الدولة التقديرية عام 1993 وغيرها. عرف فن جاذبية سري باتباع الأسلوب التعبيري الغربي، بالإضافة إلى ظهور الروح القومية فيه، وهذا ما ناقشه كثير من النقاد، وكُتبت كثير من المقالات التحليلية المتخصصة في ذلك، ومن بين أهم ما كتب عنها، ما ذكره الناقد نبيل فرج في مجلة "الأقلام" بعنوان "الفنانة المصرية جاذبية سري الهوية القومية في المحيط العالمي"، أثناء احتفال الراحلة بمرور 60 عاما على أول معرض لها. قال فرج: "جاذبية سري وجه لامع في حياتنا التشكيلية واسم يحظى بتقدير أجيال الفنانين، بدأت تجربتها الفنية في نهاية الأربعينات في هذه المرحلة الحافلة بالأحداث السياسية الممهدة لصورة يوليو 1952، التي كان الفن المصري يبحث فيها عن الهوية القومية من أجل التعبير عن الطموح الوطني مستفيدا من كل التيارات المحدثة التي تساعد على خلق فن عصري ينبض بالروح والهموم المحلية". ركز فرج، في مقاله، على عدم انغماس سري في الفنون الغربية والتأثر بها تأثر كامل، التي تعرفت عليها من أوائل الخمسينيات في باريسوروما ولندن، وإنما كان فنها يتشكل ويتطور دائما عبر اللقاء والتفاعل بين الذات والعالم، أو بين الهاجس الشخصي النابع من التراث الفني لأمتها وتقنيات الغرب ومؤثراته الحضارية في المحيط العالمي، بما حقق لها إبداعا عصريا ينتمي إلى الزمان والمكان اللذين تعيشهما بوعيها ووجدانها، ومن أجل هذا الإبداع ارتبطت جاذبية بالقضايا الاجتماعية والسياسية المباشرة ولم تتخل أبداً عن التزامها. وهو ما تؤكده سري نفسها، كما ورد في المقال، حيث قالت: "أعمالي محاولة لإيجاد فن مصري معاصر بدأتها منذ 33 سنة وجاءت بشكل طبيعي غير مباشر لأن الأربعينيات والخمسينيات كانت تمثل في مصر الشع والمثقفين في كل الاتجاهات الأدبية والفنية حاجة ملحة لإيجاد الشخصية المصرية والبحث عن قسماتها، هذه المحاولة بدأتها من أبسط الأشياء وأهم الأشياء في نفس الوقت وهي أسلوب الف الشعبي، والفن الشعبي تراث عريق منذ الفرعوني مروراً بالقبطي والإسلامي حتى الآن، أسلوب وشكل واحد وإن اختلفت الرموز". وأضافت: "سافرت وتعلمت تقنيات أجنبية كثيرة بجانب التراث ومواجهة باستمرار مع الواقع ومعايشة معه ومع نفسي تفتح على الفلسفات والثقافات رحلة دائمة للأعمال الفنية في الخارج وفي الداخل تشبع ينتج عنه هضم كل هذا أزداد به وعيا ويتطور أسلوبي تدريجياً على مر السنين، حتى أصبح معاصراً له طعمه المصري والشرقي". قالت سري إن المعاصرة في أعمالها تتمثل في العلاقات الجمالية وفي مزيد من الحرية في التعبير والانطلاق، وهناك تمرد وعنف وثورة في التعبير وجرأة في الألوان والتكوينات بلا حدود، لكن في نفس الوقت مصرية عربية تنتمي إلى هذه المنطقة من العالم، و"منذ نعومة أظافري، الروح الشرقية العربية المصرية، ممثلة في النقوش والمنمات والرسوم الحائطية والتماثيل والمعابد والمعمار بشكل عام، ونشأت في الريف، وأعتبر إنتاجي حصيلة معايشتي للناس وللهموم الإنسانية الخاصة بالشعب". في حوار آخر أجرى في مجلة الحياة الثقافية مع الأديبة حياة الرايس عام 1987، قالت سري: "إن التركيز على الرسومات الشعبية يعود لجذوري المصرية، كما أني أحببت لوحاتي عن الأمومة وتعدد الزوجات والمرأة المكافحة والعاملة من أجل لقمة العيش، وأعتقد أن جذوري الممتدة في أرض مصر، لأني أعيش في خضم المجتمع، ساعدتني على امتصاص كل التيارات، فارتباطي بالأرض وبالتراث وهضمي لهما بشكل طبيعي واختلاطي بالناس واطلاعي على الأعمال الفنية في مختلف أطوار عمري كل هذا منحني قدرة على امتصاص كل التيارات وانصهار الفنون، بالإضافة إلى استعدادي الشخصي وقابليتي للتعمق في فنون العالم الثالث، وقد أخذت من التراث واستفدت من تقنيات الغرب".