عندما سارعت الحكومات فى كل أنحاء العالم إلى إنقاذ البنوك والشركات من الإفلاس وضخ الأموال فى اقتصاداتها، بدت وكأنها تنذر بفجر حقبة جديدة تتسم بتدخل كبير للدولة فى الاقتصاد. فى أوروبا، كان من شأن توسيع سلطات الدولة وزيادة الإنفاق القضاء على أكثر من عقد من التحرير الاقتصادى وإصلاح أنظمة الضمان الاجتماعى. ففكرة الإصلاح بحد ذاتها أصبحت مرتبطة بالذهنية التى تقول بالوثوق بالأسواق والتى جاءت الأزمة المالية لتناقضها مناقضة تامة. وما زاد الطين بلة أن توجيه مليارات دافعى الضرائب إلى إنقاذ البنوك (وإلى المصرفيين الأغنياء) سمم الأجواء وقطع الطريق أمام أى نقاش مستقبلى حول الإصلاح. تدخل الدولة الواسع فى الاقتصاد وصل إلى حائط مسدود بسرعة فاقت كل التوقعات. فى أوروبا، باتت حكومات عديدة، بما فيها أيرلندا واليونان وبريطانيا وإسبانيا، على شفير أزمة عجز مالى. ووفق المفوضية الأوروبية، سيبلغ العجز العام فى أوروبا هذا العام نسبة 7.5 بالمائة نتيجة الإنفاق بهدف التحفيز وازدياد دفع رواتب العاطلين عن العمل وانخفاض عوائد الضرائب. فمعدلات العجز مرتفعة جدا اليوم فى الوقت الذى بدأ فيه التراجع الديموجرافى يطول أنظمة الضمان الاجتماعى فى الكثير من الدول الأوروبية، علما بأن هذه الأنظمة، القائمة على دفع المواطن تكاليف رعايته الاجتماعية مسبقا، تستعمل دخول المواطنين العاملين حاليا لرعاية العاطلين عن العمل والمرضى والمتقاعدين. لكن فى فرنساوألمانيا، بدأ هذا المخزون من اليد العاملة الحالية يتقلص. فازدياد التكاليف المترافق بانخفاض عدد السكان فى سن العمل القادرين على دفعها يشكل أزمة ثانية تؤدى إلى تفاقم العجز والدين. وقد أوقعت هاتان الأزمتان الحكومات فى مأزق كبير. لكن هذا أمر إيجابى. فمن المرجح أن تفضى كل هذه الضغوط المفروضة على إنفاق الدول إلى تعزيز فرص الإصلاح الاقتصادى فى أوروبا، مما سيفاجئ كل من تأمل بعودة سلطة الدولة (أو خاف منها). وسيكون ذلك خبرا سارا لتنافسية أوروبا المستقبلية التى تبقى الوظائف والنهوض الاقتصادى وما إلى ذلك رهنا بها. وقد يكون المستفيد الأكبر هو الشطر الجنوبى العليل من أوروبا، الذى يشهد منذ وقت طويل تراجعا أمام الدول الأكثر تنافسية مثل ألمانيا، إذ بدأ بعض هذه البلدان يعالج المشكلات المتأصلة فيه. فاليونان تعانى مشكلات اقتصادية مزمنة منذ عقود ولم تتمكن من الانضمام إلى دول منطقة اليورو إلا بعد تزوير إحصائياتها الرسمية. أما الآن وقد أمست على وشك الإقدام على الخطوة المحرجة القاضية بطلب مساعدة طارئة من صندوق النقد الدولى، فقد شرعت أخيرا تعالج عيوبها البنيوية المترسخة فى اقتصاد تديره الدولة ويسوده الفساد والمحسوبية. أما أسبانيا، التى أسفر انهيار الاقتصاد بعد الازدهار المفرط [الفقاعة] فى المجالين العقارى والسياحى عن بلوغ معدل البطالة فيها نسبة 20 بالمائة، فقد أعلنت حديثا عن سلسلة من الإصلاحات المتعلقة بسوق العمل. وستجبر الدول الكبيرة، هى أيضا، على استئناف الإصلاحات. ففى محاولة لمعالجة ازدياد إنفاقها المتأتى عن الأزمة مع تعديل دستورى يفرض التوصل إلى موازنة متوازنة بحلول 2016، أطلقت ألمانيا أخيرا نقاشا حول كيفية تحقيق هذا الهدف، بما فى ذلك إمكانية فرض تخفيضات سنوية فى الموازنة ابتداء من هذا العام. ولا شك فى أنه سيتم زيادة بعض الضرائب لكن الجزء الأكبر يجب أن يتمثل بتقليص حجم تدخل الدولة إلى حده الأدنى. غالبا ما يحتاج معظم السياسيين إلى وقوع أزمة ليفكروا حتى بالمخاطرة بحساباتهم الانتخابية والقيام بتغييرات ضرورية لكن غير شعبية فى السياسات. يبين جونى مونكهامر، فى دراسة ذكية أجراها عام 2007 حول التاريخ الحديث للإصلاح الاقتصادى، كيف أدت الأزمات إلى إطلاق عنان إصلاحات فى الماضى. فقد عانت ألمانيا أزمة بطالة عامة خلال عقد كامل قبل أن يفرض المستشار جيرهارد شرودر عام 2001 تعديلات غير شعبية لكن فعالة على البرامج السخية الخاصة بالعاطلين عن العمل. أما أيرلندا وهولندا فكانتا تعانيان أيضا مشكلات اقتصادية مزمنة تبين منها أن التحرير الاقتصادى هو السبيل الوحيد لتحقيق النمو. وفى السويد، سرّعت الأزمة المصرفية التى وقعت فى التسعينات عملية الإصلاح الماراثونية التى حولت اقتصادها الراكد والمتسم بتنظيم مفرط إلى اقتصاد يعد من أكثر الاقتصادات تنافسية فى أوروبا وذلك من دون المساس بعدد كبير من عناصر نظام الضمان الاجتماعى. وإذا ألقينا نظرة على تاريخ الاقتصاد فسنتعلم أن النهوض لا يأتى من الوظائف والابتكارات التى تخلقها الدولة ولا من الشركات الكبيرة التى تنقذها الدولة وتتمتع بحمايتها بل من الشركات الصغيرة ورجال الأعمال الذين يزدهرون فى إطار سوق مفتوحة وقيود تنظيمية مخففة. وهذا لا يمنع، لا بل يتطلب، وجود ضمانات قوية للتنافس وقواعد تحول دون استغلال حريات السوق على حساب المستهلكين ودافعى الضرائب. والأزمة لم تغير هذه المعادلة وإلا لرأينا الدول التى فتحت اقتصاداتها فى الماضى، مثل معظم دول أوروبا الشرقية، تعكس منحاها فى خضم الأزمة. لكنها لم تفعل ذلك. فقد تكون الأزمات فى نهاية المطاف خير وسيلة للتوصل إلى سياسات سليمة قادرة على إحداث ازدهار. Newsweek International