ظل إقليم غرب آسيا على امتداد العقود الأخيرة واحدا من أكثر المناطق اضطرابا وقلقا بما فى ذلك الدول الإسلامية الثلاث وأعنى بها باكستانوأفغانستانوإيران، بحيث عانت تلك الدول التيارات الدينية المتطرفة التى ترفع رايات الإسلام، ولكنها تمارس سياسات وتتخذ مواقف ليست بالضرورة من الإسلام فى شىء، وأصبحت مرتعا للتعصب والتشدد ومصدرا للصراعات الطائفية والاختلافات المذهبية. ولعلنا نرصد هنا ثلاثة أحداث كبيرة ارتبطت بتلك المنطقة، فمنذ انفصال باكستان عن شبه القارة الهندية سياسيا، ثم خروج باكستانالشرقية لتصبح دولة بنجلاديش وهناك جرح ينزف تبدو قطرات دمائه بين حين وآخر فى إقليم كشمير. ويبدو النزاع دفينا بين الهنود والباكستانيين على الرغم من أن دولة الهند تضم أكثر من 120 مليون مسلم، وتزايدت القيمة الاستراتيجية لدولة أفغانستان بحكم موقعها الجغرافى فى وسط آسيا والحدود مع الدول الكبرى المحيطة بها، فأضحت مطمعا للاتحاد السوفييتى السابق الذى كان غزوه لها علامة كبيرة أدت إلى استدعاء التطرف واحتشاد مئات الألوف من الأفغان ودول العالم الإسلامى الأخرى لمواجهة ذلك الغزو الروسى الكبير، وكان ذلك ميلادا حقيقيا للتطرف ومفرخة للعناصر المسلحة المتشددة، ثم كان ميلاد حركة «طالبان» إيذانا بتحوّل جذرى للدولة الأفغانية فى اتجاه مختلف. وعانى الشعب الأفغانى طويلا، وهو شعب شديد المراس حتى إن المثل الشائع هناك يقول إياك ولدغة الثعبان أو ثأر الأفغان. وكان قيام الثورة الإسلامية فى إيران وسقوط حكم الشاه عام 1979 خللا جديدا فى التوازن بإقليم غرب آسيا، لأن الثورة الإسلامية فى إيران رفعت شعارات تصدير الثورة والتدخل فى شئون دول غرب آسيا وشرق أفريقيا وشمالها، فضلا عن تجاوز ذلك إلى أنحاء العالم الإسلامى فى وصاية غير مفهومة على شعوبه. بل ووقفت طهران فى مواجهة طويلة أمام واشنطن وتأرجحت العلاقات بين الدولتين صعودا وهبوطا على امتداد العقود الأخيرة ودفعت دول الإقليم الثمن فى النهاية، فظهر تنظيم «القاعدة» يضرب فى كل مكان وتنامت قوة حركة «طالبان» التى حطمت بعض التماثيل البوذية فى تسعينيات القرن الماضى، إلى أن وقع الحدث الكبير الذى أثّر تأثيرا ضخما فى العالم المعاصر كله، وأعنى به أحداث الحادى عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001، ليكون إيذانا بحرب شعواء على الإسلام، يرتدى فيها «قميص عثمان» كل من يحاول الغلو والتعصب بعد الذى جرى فى ذلك اليوم الغامض من تاريخ العالم. الأمر يدعونا الآن إلى تأمل ذلك المشهد الضاغط فى مطار كابول والآلاف من الأفغان الهاربين من جحيم «طالبان» يحيطون بالطائرة فى محاولة لتسلّقها فرارا مما يتوقعونه من جانب الحركة وممارساتها المنتظرة، لقد سقط قتلى من هذه الطائرات وانتهت حياة بعض الأفغان بطريقة مأساوية، وإذا كنّا نعالج فى هذه السطور طبيعة دور «طالبان» فى منطقة غرب آسيا، فإنه يتحتم علينا الاهتمام بالملاحظات التالية: أولا: إن التداخل بين إقليمى الشرق الأوسط وغرب آسيا هو أمر معروف لكل من ينظر إلى الخريطة السياسية للمنطقتين، فالمشرق العربى بل والجزيرة العربية أيضا هما جزء لا يتجزّأ من إقليم غرب آسيا ومنطقة الشرق الأوسط فى الوقت ذاته، ولعلنا نتذكر الآن الدور الإيرانى فى العقود الأخيرة، التى صرّح أحد مسئوليه بأن أربع عواصم عربية سقطت فى قبضته، مشيرا إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. لذلك، فإننى أزعم أن الدور الإيرانى بل والتركى أيضا سوف يكونان فى تحالف مع حركة «طالبان» وهى فى السلطة تحكم من كابول. ثانيا: إن التطرف الذى يرفع رايات الإسلام يقف على أرضية واحدة سنية أو شيعية، كما أن التنظيمات الإرهابية ربطت بين القوى الجديدة والمصادر القديمة، إضافة إلى أن أهدافهم واحدة وأساليبهم متشابهة، كذلك فإن التيارات الدينية المتطرفة هى فى مجموعها ابنة شرعية لمصدر واحد. لذلك، فإننى لا أرى اختلافا كبيرا بين تنظيم «القاعدة» وتنظيم «داعش»، ولا بعض ممارسات «طالبان» التى تلتقى كلها حول نمط متشدد يفسر الدين على هواه ويحاول أن يضع الإسلام مع الغلو والتطرف فى خندق واحد، بعيدا من روح التسامح وقبول الآخر والانفتاح على الغير. ولا شك أن سقوط الدولة الأفغانية فى يد الحركة مؤشر مؤسف ينذر بإحياء النموذج المتطرف على الرغم من كل الادعاءات بالوسطية والاعتدال وأن «طالبان» تغيّرت هذه المرة عن ذى قبل، ولكن الذين درسوا ظاهرة التطرف الدينى يدركون أن «طالبان» الأمس ستتكرر من جديد وسط مخاوف شديدة من ممارسة العنف والإرهاب. ثالثا: إن ما جرى فى أفغانستان أخيرا هو شهادة وفاة للدور الأمريكى الذى وُجد لأكثر من عشرين عاما، مسيطرا على البلاد ويبشّر بجيش مدنى قوى وديمقراطية معتدلة، فإذا النتيجة تختلف عن ذلك تماما. وتبدو وكأنها هروب أمريكى قد يليه خروج آخر من العراق إيذانا بقرب غروب الإمبراطورية الأمريكية التى سيطرت لأعوام طويلة على مراكز الأعصاب الحساسة اقتصاديا واستراتيجيا فى أصقاع العالم المختلفة. وليس لدى شك فى أن ما جرى قد تم تدبيره منذ أعوام والاتفاق على نتائجه من البداية، وكأن واشنطن تتطلع إلى أعوام العزلة التى عاشتها فى القرن التاسع عشر، هروبا من الالتزامات السياسية والأعباء المالية وتقليصا لحجم الانتشار العسكرى لها فى الخارج. رابعا: إن المشهد الذى يثير السخرية هو تهافت بعض القوى الكبرى على قيادة «طالبان» فى محاولة لخطب ودّها والحصول على مميزات لديها فى مقابل تحسين صورة الحركة فى أعين الآخرين وكأنها تفتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولى، متناسيةً ما فعله التطرف الدينى، وفى مقدمته «طالبان» فى غرب آسيا، بل وفى العالم كله، إذ إن التطرف والتعصب يمثلان نمطا فكريا لا يتراجع عما يفعل ولا يندمج مع سواه. خامسا: لا بد من أن ندرك أيضا أن المخاوف المتولدة من وصول «طالبان» إلى السلطة فى كابول لا تقف عند حد، فروسيا المجاورة تنظر فى ترقب إلى نظام الحركة لمنع انتشاره فى المنطقة ولدى التجمعات الإسلامية فى تلك الدول، فهو خطير على الشيشان فى روسيا، وعلى الأقليات المسلمة فى الصين وربما نظرت إليه الهند بترقب، فالهنود على الجانب الآخر ينتظرون تأثير التطورات الأخيرة فى مسلمى الهند، خصوصا فى إقليم كشمير الذى لا يبعد كثيرا عن الأراضى الأفغانية. كذلك تتابع إيران أيضا المشهد كله بحذر حتى إن تظاهرت بغير ذلك، فالدول الكبيرة المحيطة بأفغانستان تدرك كلها أن تلك الدولة انتقلت من نظام مدنى عميل لأمريكا إلى نظام «طالبان» المتطرف والعميل أيضا للغرب. هذه هواجس سريعة وأفكار عامة حول ذلك التطور الخطير الذى جرى فى منطقتنا وعلى أرضنا وأصبح ينذر بمحاولة إحياء النظم المتطرفة التى تحاول التغطى بعباءة الإسلام والتظاهر بالانتماء له، وما جرى بالتالى أخيرا ربما يؤدى إلى قلاقل واضطرابات فى ذلك الإقليم المسمّى غرب آسيا أو الشرق الأوسط بكل ما فيه من حساسيات تاريخية وتراكمات حالية وصراعات داخلية، وسوف يظل السؤال مطروحا عن مستقبل العلاقة بين حركة «طالبان» بتاريخها المعروف وإقليم غرب آسيا بحساسيته القائمة! نقلا عن إندبندنت عربية