لم يكن اغتيال الشهيد سيف الإسلام القذافي حدثًا أمنيًا عابرًا في بلدٍ اعتاد، منذ عام 2011، على أخبار الدم والانفجارات، بل كان فعلًا سياسيًا مكتمل الأركان، يحمل دلالات أعمق من مجرد تصفية جسدية لشخصية عامة. نحن أمام اغتيالٍ لمشروع، ونسفٍ متعمدٍ لآخر أمل جدي في إعادة بناء الدولة الليبية على أسس المصالحة الوطنية، والسيادة، وإنهاء زمن الميليشيات والوصايات الخارجية. من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يمكن فهم ما جرى بمعزل عن السياق البنيوي الذي تشكل في ليبيا بعد عدوان حلف الناتو عام 2011، ذلك العدوان الذي لم يكتف باغتيال القائد الشهيد معمر القذافي، بل دمر الدولة الوطنية الليبية نفسها، وفكك مؤسساتها، وأطلق ديناميات الفوضى المنظمة، حيث تحولت البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة بين الميليشيات، ورأس المال السياسي الفاسد، والقوى الإقليمية والدولية الباحثة عن النفوذ والثروة.
في هذا السياق، مثل سيف الإسلام القذافي حالة استثنائية. لم يكن مجرد نجل قائد سابق، كما حاول خصومه تبسيط صورته، بل كان حاملًا لمسار سياسي مختلف جذريًا عما ساد بعد 2011. مسار يقوم على المصالحة بدل الانتقام، وعلى استعادة فكرة الدولة بدل تكريس منطق السلاح، وعلى السيادة الوطنية بدل الارتهان للخارج. ولذلك فإن استهدافه لا يمكن قراءته إلا باعتباره استهدافًا مباشرًا لهذا المسار، ولما كان يمثله من تهديد حقيقي لشبكات النفوذ التي ترعرعت في مناخ الانقسام.
لقد كان معروفًا، داخليًا وخارجيًا، أن سيف الإسلام القذافي يتمتع بقاعدة جماهيرية واسعة - ظهرت بشكل واضح في صور وفيديوهات جنازته - تمتد عبر الجغرافيا الليبية المنهوبة، وأنه المرشح الأوفر حظًا في أي انتخابات حرة فعلية. هذا القبول الشعبي لم يكن نابعًا من حنين رومانسي للماضي فقط، بل من إدراك اجتماعي عميق بأن مشروع "ليبيا الميليشيات" لم ينتج سوى الخراب، وأن الدولة -رغم كل ما شاب تجربتها– كانت الإطار الوحيد القادر على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار والعدالة الاجتماعية.
وهنا تحديدًا، يجب أن نتوقف عند الاقتصاد السياسي للفوضى. فالفوضى في ليبيا ليست حالة عفوية، بل هي نمط إنتاج كامل: اقتصاد حرب، شبكات تهريب، سلاح، نفوذ، وشرعيات زائفة. المصالحة الوطنية الحقيقية تعني نهاية هذا النمط، وتعني تفكيك الامتيازات التي راكمتها قوى عديدة على حساب دم الليبيين ووحدة البلاد. ومن الطبيعي، في منطق الصراع الاجتماعي، أن تتحول المصالحة إلى خطر وجودي على هذه القوى، وأن يصبح حاملها هدفًا مشروعًا للتصفية.
من هنا يصبح توقيت اغتيال سيف الإسلام بالغ الدلالة. فقبل أسابيع قليلة فقط، جرى تكليف قادة من جماعة الإخوان المسلمين بالإشراف على ما سمي ب مسار المصالحة الوطنية. هذا القرار في حد ذاته، يعكس أزمة عميقة في فهم معنى المصالحة. كيف يمكن إسناد المصالحة إلى قوى كانت -تاريخيًا- جزءًا من بنية الصراع، ومستفيدة مباشرة من استمرار الانقسام؟ كيف يطلب من الضحية أن تثق في جلادها؟ وكيف يراد للمصالحة أن تكون جسرًا للمستقبل، بينما تدار بأدوات الماضي نفسه؟
في علم الاجتماع السياسي، تفهم المصالحة بوصفها عملية إعادة تركيب للمجال الاجتماعي، تتطلب حدًا أدنى من الحياد، والقدرة على تجاوز الاصطفافات، وامتلاك شرعية رمزية واسعة. وهذه الشروط كانت، بدرجة كبيرة، متوفرة في شخصية سيف الإسلام القذافي، لا لأنه بلا أخطاء، بل لأنه كان خارج معادلة الميليشيا، وخارج اقتصاد الحرب، وخارج الاصطفافات الضيقة التي مزقت المجتمع الليبي.
لذلك فإن اغتياله لا يبدو فعلًا انتقاميًا، بل خطوة محسوبة لإفراغ فكرة المصالحة من مضمونها، وإعادة ضبط المشهد السياسي بما يضمن بقاء السلطة موزعة بين مراكز نفوذ متصارعة، لكنها متفقة ضمنيًا على شيء واحد: منع قيام دولة ليبية مستقلة فعلًا. دولة تمتلك قرارها، وتعيد توجيه ثروتها، وتستعيد موقعها الطبيعي في محيطها العربي والأفريقي.
والأكثر إيلامًا في هذه اللحظة، هو الصمت العربي الرسمي. ليبيا التي كانت لعقود من أكثر الدول دعمًا لفلسطين، وحركات التحرر، والمشاريع القومية العربية والأفريقية، تترك اليوم فريسة للتفكك، وكأنها خرجت من حسابات الأمن القومي العربي. هذا الصمت ليس بريئًا، بل يعكس حالة الانهيار العام للمشروع العربي، حيث تستنزف الدول الواحدة تلو الأخرى، بلا رؤية، وبلا إرادة جماعية للإنقاذ.
إن اغتيال سيف الإسلام القذافي ليس نهاية الأزمة الليبية، لكنه مؤشر خطير على الاتجاه الذي يراد دفع البلاد إليه: المزيد من التيه، والمزيد من الدم، والمزيد من التبعية. ومع ذلك فإن التاريخ يعلمنا أن اغتيال الأشخاص لا يقتل الأفكار. فكرة الدولة الوطنية، وفكرة المصالحة، وفكرة السيادة، ستظل حية في الوعي الجمعي الليبي، مهما طال زمن الفوضى. حين يموت الحق في الرعاية الصحية! مجلس السلام المزعوم ولد مهزومًا !! أما المسؤولية اليوم، فهي مسؤولية المثقفين القوميين، والقوى العربية الحية، في فضح منطق الاغتيال السياسي، وفي الدفاع عن حق ليبيا في استعادة نفسها، لا بوصفها ساحة صراع، بل وطنًا عربيًا جريحًا، يستحق الحياة، ويستحق البقاء موحدا، اللهم بلغت اللهم فاشهد. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا