الأطفال فى مرمى الشاشات ..خبراء: حماية النشء فى الفضاء الإلكترونى مسئولية مشتركة    «فارس أسوان» صديقة للبيئة    «سياحة الأثرياء» ..زيادة تسجيل اليخوت 400% وتحويل 47 جزيرة لنقاط جذب عالمية    بعد قرار النيابة العامة.. شعبة الدواجن: السماسرة يتسببون في زيادات غير مبررة بالأسعار    مسيرة إسرائيلية تلقي عبوات متفجرة على منزل في حي الكساير جنوبي لبنان    «كلموني عشان أمشيه».. شيكابالا يكشف مفاجآت بشأن أزمة عواد في الزمالك    ليفربول يتحرك لتأمين دفاعه.. سلوت يؤكد رغبته في استمرار كوناتي    لغز الرحيل الصادم لفنانة الأجيال.. تفاصيل جديدة في مقتل هدى شعراوي ورسالة تكشف نية مُسبقة للجريمة    سحر الحضارة يخطف قلب براين آدمز.. نجم الروك العالمي يتجول بين الأهرامات وأبو الهول في زيارة استثنائية لمصر    إيناس كامل تفجر مفاجأة درامية في رمضان بشخصية «شيروات».. زوجة أحمد عيد في قلب صراعات «أولاد الراعي»    أهداف اليوم العالمى لسرطان الأطفال    الصحة تنفي تقليل الدعم لأكياس الدم: الدعم زاد لضمان أمان الأكياس بما يقارب 4 أضعاف    إصابة 4 أشخاص إثر تصادم سيارة وتروسيكل بالبحيرة    رئيس حي غرب المنصورة يتابع أعمال الحملة المكبرة لرفع الإشغالات والتعديات على حرم الطريق    الرئاسة الإسرائيلية: ترامب تجاوز الخطوط الحمراء بشكل خطير ومس بسيادة إسرائيل    القبض على داعية سلفي بعد فيديو مسيء لوالدي النبي عليه الصلاة والسلام    وزير الخارجية للجزيرة: قضية الصومال تمس الأمن القومي المصري والعربي والإفريقي    ننشر أسماء قراء التراويح والتهجد بمسجد الإمام الحسين ومسجد مصر    رقم مميز ل محمد صلاح بعد 428 مباراة مع ليفربول    مصرع شخصين دهستهما سيارة أمام سجن وادي النطرون بالبحيرة    «حين تغادر اللوحة جدار المتحف»    صدارة الدوري.. سعود عبد الحميد يساهم في انتصار لانس بخماسية على باريس    بعد التأهل متصدرًا.. من يواجه الزمالك في ربع نهائي الكونفدرالية    أخبار مصر اليوم: حزمة جديدة للحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأولى بالرعاية، موعد تطبيق مد سنوات التعليم الإلزامي ل 13 عامًا، حالة الطقس خلال الأسبوع الأول من رمضان    النائب أحمد السبكي: توسيع مظلة الحماية الاجتماعية يؤسس لمرحلة أكثر عدالة    كواليس إحباط محاولة تهريب "تاجر مخدرات" من أيدي الشرطة بقويسنا    إصابة 4 أشخاص في انقلاب توك توك بطريق السلام في المطرية بالدقهلية    مصرع طالب إثر حادث انقلاب موتوسيكل بقنا    ضبط المتهم بفيديو سرقة دراجتين ناريتين بالقاهرة    مصرع شخص وإصابة 7 آخرين في حادث تصادم على طريق الفيوم القاهرة    وزير الخارجية: وضعنا خطوطًا حمراء إزاء الوضع بالسودان.. وأي تجاوز لها سيقابل برد فعل مصري صارم وقوي    زيلينسكي: أمريكا تقترح ضمانات أمنية لمدة 15 عاما.. لكن أوكرانيا تحتاج لأكثر من 20 عاما    الرئيس اليمني يؤكد ضرورة مشاركة الاتحاد الاوروبي فى إنهاء الأزمة فى اليمن    تصادم خفيف بين حافلتين لمشجعى الزمالك عقب لقاء كايزر تشيفز    رد الهزيمة بسيناريو مماثل وتاريخي.. إنتر يفوز على يوفنتوس في الدقائق القاتلة    عمر خيرت يروى حكايات الغرام بحفل عيد الحب فى دار الأوبرا    التنمية المحلية: تشديد الرقابة على الأسواق ومنع الألعاب النارية برمضان    «مش محتاجة لجان».. مي عمر ترد بقوة على اتهامات دعمها إلكترونيًا    صلاح: كنت تحت الضغط أثناء ركلة الجزاء.. والتتويج بالكأس يعتمد على سوبوسلاي    وصول 4 رواد فضاء جدد إلى المحطة الدولية بدلا من طاقم ناسا الذي تم إجلاؤه    7 أصناف من الفواكه تقلل الانتفاخ واضطرابات الهضم    رسالة نارية من أحمد موسى ل "آبي أحمد"(فيديو)    انفوجراف| 9 خطوات للتسجيل في منصة التحقق البيومتري لتأمين بيانات المواطنين    تفاصيل أكبر حركة للمحافظيين 2026    تعاون أكاديمي.. جامعتا المنصورة والمستقبل العراقيّة تُعلِنان انطلاق الدراسة    تعليم دمياط يحصد وصافة الجمهورية في مسابقة أوائل الطلبة للمرحلة الثانوية    السعودية تقرر إيقاف شركتي عمرة لمخالفة إلتزامات سكن المعتمرين    12 عامًا من الكفاح والعمل غدًا.. مؤتمر الجمهورية الخامس «السيسي بناء وطن»    نقل تبعية شركات الإسكان والمقاولات لوزارة الإسكان لتعظيم الاستفادة من قدراتها    أوقاف الإسكندرية تعلن خطة دعوية وقرآنية شاملة لاستقبال شهر رمضان    روبوتات ذكية لخدمة المشاركين بمسابقة الملك سلمان المحلية لحفظ القرآن الكريم    روشتة ذهبية للتعامل مع العاصفة الترابية.. العدوّ الخفي للجهاز التنفسي    دراسة: التغذية الصحيحة قبل الرياضة تعزز النتائج وتحمي من الإرهاق    وفاة إبراهيم الدميري وزير النقل الأسبق    4 دول تعلن موعد أول أيام رمضان 2026| الأربعاء أم الخميس؟    مواقيت الصلاه اليوم السبت 14فبراير 2026 فى المنيا    هل طلاق الحامل صحيح؟.. الإفتاء تُجيب    علماء الدين والاقتصاد والتغذية يدقون ناقوس الخطر: الاعتدال طريق النجاة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما بعد الانتفاضة الأمريكية
نشر في الشروق الجديد يوم 09 - 10 - 2019

لم أفهمهم وهم يصفون الصين بأنها، بالنسبة لهم، هواية. كانوا جماعة من دبلوماسيين وصحفيين اشتغلوا فى الصين لمراحل طالت أو قصرت. لم أقدر قيمة هذا الوصف إلا بعد فترة من الحل والترحال فى قارات ثلاث. حاولت على مدى سنوات قليلة مرت منذ أن غادرت موقعى فى بكين تفسير وأحيانا تبرير تغيرات طرأت على جداول اهتماماتى المهنية والأكاديمية. لن أطيل. اكتشفت، بين ما اكتشفت وهو كثير، أن فهم العلاقات الدولية ضرورى لفهم سلوك رجال السلطة فى الشئون الداخلية فى دولة ما حتى وإن كانوا هم الذين اختاروا الانعزال عن العالم الخارجى أو فرض عليهم. كان من بين حظوظى قربى من تجربتين نادرتى التكرار، كنت قريبا جدا من الصين عندما وقع اختيار قادتها على الانعزال فى خلال لحظات الانطلاق «الزلزالى» نحو مستقبل مختلف جذريا. بعدها كنت قريبا، نسبيا، من تجربة قادة كوبا عندما فرضت عليهم الولايات المتحدة الانعزال. قاوموه بمحاولة نقل أفكارهم إلى شباب فى أمريكا الجنوبية والعالم الخارجى. فى الحالتين كانت النتائج على مجمل العلاقات الدولية والإقليمية مذهلة، وعلى مجمل مستقبل الدولتين، الصين وكوبا، وخيارات زعمائهما تحديدا، وأقصد زعماء الصين وكوبا، خارقة لتوقعات أكاديميين وسياسيين على حد سواء.
***
من ناحية أخرى وجدت نفسى أنحاز بالوقت والجهد فى محاولة الحصول على فهم أعمق لقضية لم يتجاهلها أو يهملها أهم مفكرى أول عصر فى تاريخ الإمبراطوريات. أما القضية فكانت عن الظروف والملابسات وأمزجة الشعوب ومستوى ذكاء الحكام وميولهم الشخصية وأمور أخرى كانت قائمة فى لحظات تاريخية نادرا ما تتكرر، ولكن ينتج عنها سقوط إمبراطوريات وصعود أخرى. متعة ما بعدها متعة المتابعة الدقيقة لتوالى سقوط وصعود إمبراطوريات مصر القديمة والصين وإمبراطوريات جنوب أوروبا وبخاصة إمبرطوريتى الإغريق والرومان وإمبراطوريات غرب أوروبا، وآخر مشاهدها الانحدار المتدرج بالتنازل الطوعى للإمبراطورية البريطانية والصعود بالحرب المناسبة للإمبراطورية الأمريكية.
هنا بدأنا نرفض التوصيف الإمبراطورى لحال وتطورات النظام الدولى والنظم الإقليمية لصالح توصيف فرضته الآثار بعيدة المدى لثورة فرنسا وحروب نابليون. وصلنا فى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الأولى، إلى الإقرار بأهمية الحلول بمفهوم القوة العظمى محل مفهوم الإمبراطورية.
***
مر من الزمن قرن أو أكثر ونبقى إلى يومنا هذا حائرين أمام فجوات فى تعريف الواقع الذى نعيش. أتكون ما تسعى الصين إلى صياغته بعد أن صنعته وضعا لبكين كمركز لإمبراطورية صينية بمعالم معروفة تاريخيا وجغرافيا ولكن أيضا بشعارات ووثائق وبعض هياكل دبلوماسية ومراسيمية مستعارة بصفة مؤقتة أو دائمة من تجارب فى القرن العشرين؟. هى إمبراطورية فى بعض ممارساتها وقوة عظمى فى ممارسات أخرى؟
بمعنى آخر، هل سيتسنى للصين صنع نموذج توفيقى يجمع بين معالم تقليدية لا أظن أن الزعامة الصينية الراهنة قادرة على، حتى وإن كانت راغبة فى، التخلص منها ورفض السير على نهجها وبين معالم عصرية تخضع لاعتبارات غربية المنشأ وفى الغالب غربية المحتوى والمضمون. هى بالتأكيد ليست من صنع كونفوشيوس وعباقرة الفلسفات الصينية القديمة وليست من صنع الرئيس ماو وفلاسفة الماركسية اللينينية الماوية وإن أضيفت إلى مواصفاتها عبارة «بمواصفات صينية». إنها معضلة الصين فى الحاضر وأساس تقدمها أو تعثرها فى المستقبل، وأظن أنها سوف تظل، كما هى الآن مفتاح الحرب والسلام فى آسيا على المدى المنظور. لا أبالغ إن راح الظن بى إلى اعتبار أحداث هونج كونج الراهنة ليست أقل من جرس إنذار إلى حكام الصين كما هى تماما إشارة تحذير لشعوب تايوان والتبت وسينكيانج والأقليات الصينية والحكومات فى كل منطقة جنوب شرقى آسيا وسكان يعيشون الآن فى الولايات والإقطاعيات التى عاشت على أطراف الصين فى عصورها الإمبراطورية ودانت بالولاء أو العداء لها. أقصد سكان فيتنام وميانمار وممالك تايلاند وكمبوديا وغيرهم.
***
لدينا حاليا ثلاث دول عظمى تسعى كل منها للاستفراد فى أحسن الأحوال بموقع القطب الأوحد وفى أسوأ الأحوال بموقع قطب عظيم مشارك. أتينا بداية على الصين الملتزمة ثقافة سياسية مختلفة جذريا عن ثقافة سياسية سادت فى الغرب ومنه إلى مستعمراته فى الشرق خلال معظم مراحل التاريخ السياسى كما وصل إلينا. بقيت فى الغرب الولايات المتحدة قوة عظمى مجتهدة فى بذل الجهد الممكن لتعويض ما فاتها وإعادة ما انحدر أو هوى وسقط من أرصدة قوة وحضارة. مشكلتها، أو إحدى مشكلاتها كما أتصور، أنها تقيس التدهور والصعود بمقاييس عقود عصر القوتين الأعظم وسنوات القطبية الأحادية بينما الصين تقيسها بمقاييس تغلب عليها الطباع الإمبراطورية الموروثة والمغروسة فى ثقافة الصين السياسية. أقارن بين دور الرئيس دونالد ترامب فى الحرب المشتعلة بين واشنطن وبكين حول التجارة ودور الرئيس شى لأزداد اقتناعا بأن ما نراه وسنرى كثيرا جدا مثله فى المستقبل ليس سوى إشارات كاشفة عن تفصيلة بسيطة فى هيكل نظام حكم يسترد فورا وبالعنف السياسى ما فقد وتفصيلة بسيطة فى هيكل نظام أكثر تعقيدا لن يسلم أو يتنازل إلا بعد حسابات طويلة يتدخل فيها عامل التاريخ وتراث السياسة وتجارب الأقدمين المتراكمة. فارق غير بسيط بين الغرب والشرق.
رأينا ونرى خط استثمارات وبنى تحتية وطرق عابرة لدول وثقافات، رأيناه يشق طريقه ملتويا فى مسيرته التواءات التنين الأسطورى، يربط مصالح دول ببعضها البعض وفى الوقت نفسه يربطها بمصالح الصين، مصدر الاستثمارات والخبراء ومعمل التكنولوجيا الأسبق والأحدث وموقع سداد أقساط ديونها وإرضاء نفوذها. لا أذكر أن دولة غربية استطاعت فى أقل من تسع سنوات أن تنفذ مثل هذا المشروع الأخطبوطى الرهيب خلال رحلتها الإمبريالية طويلة العمر فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
***
روسيا متشبثة بموقع فى صف القيادة. أظن أنها لن تعود قطبا ثانيا. ستبقى فى صف القيادة قطبا ولكن الثالث فى الترتيب. تعود روسيا منزوعة الأنياب الأيديولوجية وبالتالى قطبا ثالثا يقود مجموعة من دول بعضها فى أوروبا وأكثرها فى آسيا. يعود تحت عنوان غير روسيا، ولن تكون المرة الأولى التى تتنازل فيها روسيا عن اسمها من أجل الحصول على منصب القطب الدولى. كان الاتحاد السوفييتى العنوان الذى اختارته لافتة لها فى المحافل الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، تسعى الآن، حسب أغلب الظن، لتكون أوراسيا (بدون الصين) عنوانها الجديد. هنا أيضا، كما يبدو واضحا، لن يخلو الأمر من مشكلات وجيهة وليست خطيرة. خذ مثلا السباق الجارى الآن على «ميزة تفوق» صار بامتياز علامة الأيام التى نعيشها متفرجين على أنشطة الدول الثلاث. الصين أعلنت بالفعل تفوقها بالتكنولوجيا بالغة التقدم. روسيا تعود لتغرق نفسها بالديون الداخلية سعيا وراء تفوق بارز فى إنتاج أسلحة بالغة الدمار أو سهلة الترويج فى جنوب يزداد عنفا. أمريكا، وبفضل ترامب، تسعى لتبقى الأقوى عسكريا، بحلف أطلسى أو بدونه أو بتحالفات متنقلة. لكنها مهددة بمشكلات عويصة. يهددها مجتمع كشف ترامب عمق اهترائه عرقيا وطائفيا كما كشف ضحالة طبقته السياسية وفسادها. يهددها أيضا رعب دفين من أن تتكرر فى الباسيفيكى أو فى غيره واقعة بيرل هاربور سواء بفعل فاعلين أمريكيين من نوع جون بولتون أو بفعل عدو خارجى. يهددها ثالثا، ولصالح المتسابقين الآخرين، انفراط معسكر الغرب، الغرب الذى هو مصدر أصالة وشرعية أمريكا القطب الذى يجسد فى ذاته أيديولوجية وثقافة حضارة هيمنت وأثرت أيما تأثير. هل مقدر لنا أن نرى أمريكا تسلم للصين، التى هى رمز حضارة مختلفة، حق تغيير مفردات وهياكل نظام دولى تعبت أوروبا وأمريكا فى وضع أساساته وبناء هياكله ومؤسساته وآن أوان استبداله. أم سنرى أمريكا تسلم لروسيا أو لروسيا والصين معا، تسلم لهما طوعيا، أوروبا ويعود الأطلسى حاجزا منيعا يفصل بين عالمين، عالم جديد جدا وعالم كان جديدا إلى عهد قريب جدا؟. أم سنرى أمريكا تنتفض انتفاضة ثانية بعد انتفاضة قادها أو تسبب فيها دونالد ترامب مستعيدة مكانتها فى صدارة المتسابقين؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.