"برلمانية المؤتمر": الخدمة العسكرية مدرسة وطنية.. ونطالب بآليات حديثة لإبلاغ المستدعين    رئيس جامعة المنوفية يهنئ اللواء إبراهيم أبو ليمون بتوليه محافظ بورسعيد ويشيد بإنجازاته    استكمال المشروعات وخلق فرص عمل والاستماع للمواطنين .. ملفات تواجه محافظ قنا الجديد    فصل الكهرباء عن مدينة الرياض بكفر الشيخ وعدد من القرى التابعة غدًا لمدة ساعتين    إنتاج وتوطين صناعة المصاعد في مصر يبدأ مع مجموعة طلعت مصطفى بمدينتي    لاريجاني: طهران لا تسعى للحرب لكنها لن تستسلم للتهديدات    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الكيني تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتعاون الثنائي    أين الطيار الحقيقي؟ رسائل غامضة في ملفات إبستين تثير تساؤلات حول 11 سبتمبر    تشكيل مودرن سبورت للقاء كهرباء الإسماعيلية في الدوري    كل ما تريد معرفته عن قرعة ربع نهائي كأس الكونفدرالية    مورينيو قبل صدام ريال مدريد: الملك الجريح أكثر خطورة ولا توجد نتيجة محسومة في الذهاب    ضبط مسجل خطر استولى على حسابات المواطنين البنكية بالمعادي    بعد دفنها.. هذا هو موعد ومكان عزاء والدة الفنانة ريم مصطفى    من يؤم المصلين فى أول صلاة تراويح بالحرمين؟    مجلس الوزراء: تخصيص 3 مليارات جنيه لإسراع إنهاء قوائم الانتظار والحالات الحرجة    تحصيل القمامة واكتمال منظومة ضبط التوكتوك.. أبرز ملفات محافظ الغربية الجديد    شوبير ينتقد أزمة حراسة الزمالك ويطالب عواد بالاعتذار والالتزام بقرارات الإدارة    تقرير: باتريس بوميل يتولى تدريب الترجي    بنك مصر يوقع إتفاقية مع مؤسسة التمويل الدولية بقيمة 150 مليون دولار    الطقس غدا.. انخفاض الحرارة 6 درجات ونشاط رياح وأتربة والصغرى بالقاهرة 13    كارثة كادت تحتجز الأرواح.. الأمن يضبط طفلاً قاد ميكروباص بمنتهى الطيش    ضبط شخص بالقاهرة لقيامه بالنصب والاحتيال على المواطنين والاستيلاء على أموال    حريق هائل بمبنى تحت الإنشاء تابع لمدرسة في التجمع الخامس    الإعدام لعاطل قتل صديقه وألقى جثته بالطريق العام فى الإسكندرية    رئيس وزراء المجر: علاقاتنا مع واشنطن تشهد عصرا ذهبيا    مؤتمر التحكيم في عقود الاستثمار بجامعة القاهرة يختتم أعماله بطرح رؤية علمية لتطوير بيئة التحكيم    بروتوكول تعاون بين الإفتاء وجامعة سوهاج الأهلية لتعزيز التعاون المؤسسي    رمضان 2026.. تعرف على القنوات الناقلة لمسلسل "أولاد الراعي"    وزير الأوقاف: الموسم الأول لدولة التلاوة حقق نجاحا غير متوقع    لواء العمليات إلى ديوان الإسماعيلية.. نبيل حسب الله محافظا لعروس القناة    خلال يوم الاستدامة العربى.. تكريم أحمد أبو الغيط لجهوده فى ملف التنمية    سعيد صديق: يوسف الشريف ديما عنده رغبة تقديم عمل يحترم عقل المشاهد    انطلاق الدورة الثامنة لصالون الدلتا للشباب في مركز طنطا الثقافي    ماسبيرو 2026 .. مسلسل "جدو والعيلة" في الإذاعة المصرية خلال رمضان    «المدينة التي لا تغادر القلب».. كلمات وداع مؤثرة لمحافظ الإسكندرية قبل رحيله    مالين: جاسبريني لعب دورًا كبيرًا في اختياري لروما    إطلاق مشروع لتعزيز الخدمات الطبية الطارئة في مصر بقيمة 3.4 مليون دولار    أسرة مسلسل "لعبة وقلبت بجد" تحتفل بتحقيق 2.2 مليار مشاهدة.. اعرف التفاصيل    «تطوير التعليم بالوزراء» ونقابة البيطريين يبحثان المسارات الأكاديمية لجامعة الغذاء    رمضان 2026.. إستراتيجيات فعالة لتدريب طفلك على الصيام    إصابة 8 أشخاص في حادث تصادم مروع بالشرقية    بشير التابعي: عدي الدباغ أقل من قيمة الزمالك أكد بشير التابعي، نجم نادي الزمالك ومنتخب مصر    متى يكون صيام الحامل خطرا؟ الصحة العالمية تجيب    اضبط تردد قناة طيور الجنة 2026 لمتابعة برامج الأطفال التعليمية والترفيهية    أبو الغيط: التنمية في زمن الأزمات ليست ترفا مؤجلا بل شرط للبقاء    الجامعة العربية ترفض مصادرة الاحتلال لأراضي الضفة: غطاء لضم غير قانوني    منع تصوير الأئمة والمصلين أثناء الصلوات فى رمضان بمساجد السعودية رسميا    لاريجاني: إيران مستعدة لمفاوضات نووية عادلة دون المساس بأمنها    لليوم ال 16.. التموين تواصل صرف مقررات فبراير وتستعد ل الدعم الاضافي    البرلمان يحيل مشروع قانون الإدارة المحلية إلى اللجان المختصة    وزارة التضامن الاجتماعي تقر تعديل قيد 3 جمعيات فى محافظتي الغربية والبحيرة    سعر الذهب اليوم في مصر الإثنين 16-2-2026 وعيار 24 عند 7680 جنيهًا    عاجل- الأوقاف تعلن ضوابط الاعتكاف بالمساجد خلال شهر رمضان 2026    اليوم..نظر محاكمة 25 متهمًا ب"خلية أكتوبر الإرهابية"    أحمد هيكل: عبد الناصر أخطأ لكن حبه في قلوب المصريين كبير.. والمجتمع الإسرائيلي غير جاهز للسلام    د.حماد عبدالله يكتب: " الأصدقاء " نعمة الله !!    أدعية الفجر.. كنوز من القرآن والسنة لبداية يوم مبارك    رئيس الوزراء: دراسة مالية شاملة لضمان استدامة التأمين الصحي الشامل وتوسيع نطاق الخدمات للمواطنين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بالفعل نحن فى المستقبل
نشر في الشروق الجديد يوم 14 - 08 - 2019

يبدو أنه بالرغم من كل ما قرأنا عن مستقبل الأمم والامبراطوريات والأشياء لم يصل إلى علمنا أن المستقبل يمل الانتظار. ينتظر عاما أو مرحلة أو جيلا ولكنه لن ينتظر إلى الأبد البشر ولا حتى القدر و«المكتوب» والمحفور على الحجر. نراه الآن يحط الرحال فى أكثر من موقع. يفاجئ فى بعض المواقع بشرا لم يتوقعوا وصوله ويقابل فى مواقع أخرى بشرا كانوا قد خرجوا منذ زمن لاستقباله فى منتصف الطريق. بعض هؤلاء قضوا فى انتظاره الوقت، طال أم قصر، يذبحون له القرابين ويمهدون الدروب ويتدربون على أنماط عمله ولغته وسد حاجاته.
***
لم أجد غير هذه الصورة أصف بها هذا الكم الهائل من تطورات ومعلومات تدفقت خلال السنوات، وأكثرها خلال الشهور الأخيرة، وأغلبها إن لم يكن كلها يقع تحت عنوان صغته متسليا قبل ربع قرن أو أكثر لأجمع تحته ما استطعت من شواهد توحى بسقوط نظام القيادة المنفردة وحلول نظام دولى جديد، وبمعنى آخر أتابع من خلالها علامات بزوغ قوة عظمى جديدة تفرض على الولايات المتحدة مشاركتها لها فى قيادة العالم أو بكثير من الخيال تركلها فتنحيها جانبا وتنفرد هى بالقيادة المنفردة، فيتخلق عالم القطب الواحد الذى ظل حلما لم تحققه أمريكا على الوجه المرجو. أذكر أننا، أنا وزملاء بتوجهات متباينة، توصلنا إلى أن الصين لن تستعجل خطوات صعودها المتدرج نحو قمة منفردة أو متعددة وإن الولايات المتحدة لن تعترف بقدرة الصين على مواصلة الصعود باعتبارها فى النهاية وفى حكم نظريات الغرب دولة نامية بسقف منخفض. توصلنا إلى أن الصين لن تسعى إلى الانتقال من مرحلة التعاون والاعتماد المتبادل ولكن الحذر مع الولايات المتحدة، القطب القائم، إلى مرحلة التنافس معها وربما الصراع إن لا بد منه إلا بعد فترة يحسن لمصلحة الصين أن تطول. بهذا المعنى، أو المعانى، لن يصل المستقبل فى شكل نظام دولى جديد ويستقر قبل منتصف القرن. ففى ذلك الحين تكون الصين قد وضعت مع حلفائها، ربما فى أوراسيا، منظومة قواعد عمل جديدة لتحل محل المنظومة الراهنة التى صاغتها الولايات المتحدة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية والاستعداد لقيادة نظام دولى مختلف عن النظام الذى سقط بنشوب الحرب.
أغلب الظن أن الصين لم تلتزم التدرج الذى تمنته واشنطن أو أنها التزمت ولكن تراكم صعودها فاجأ الأمريكيين. أغلب الظن أيضا أن أوروبا الغربية خاب أملها جزئيا ثم نهائيا فى سلامة العقل الذى اتخذ قرارى حرب ضد أفغانستان والعراق. هذا العقل أصبح خطرا على أمن أوروبا ومستقبلها، وبخاصة أن فى روسيا قيادة سياسية بطموحات توسعية وروح انتقامية وفى الصين قيادة لا تخفى نوايا توسعية عسكرية واقتصادية تختفى وراء بنى امبراطورية الهياكل والتنظيم. أغلب الظن كذلك أن تخبط الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط خلال الشهور الأخيرة كشف للصين وروسيا وحلفاء أمريكا فى المنطقة وخصومها، عن عمق العوار فى استراتيجيات الدفاع الأمريكية وأنه كان وراء انحسار الخجل الصينى التقليدى إزاء الإقدام على العمل الدولى فى الشرق الأوسط بكثافة وجرأة غير معهودتين.
***
قبل أيام زار إسرائيل السيد وانج كيشان، الرجل الثانى ترتيبا وحقيقة فى هيكل السلطة الحاكمة الصينية. سمعنا بعدها عن زيارة مفاجئة، قيل كالعادة إن الترتيب لها جرى من قبل، يقوم بها جون بولتون مستشار الرئيس الأمريكى للأمن القومى. هنا أنا لا أبالغ حين أفصح عن اقتناع بأننا أمام دولتين تجاوزتا فجأة نمط صعودهما المتدرج ولكن الحصيف والمبرمج لنراهما يلعبان بعض الألعاب لا يلعبها ولا يقوى على التفنن فيها وتحمل أخطارها إلا الكبار جدا. خلاصة الأمر أننا عرفنا، مثل غيرنا، أن إسرائيل اكتشفت مؤخرا، أو قبل ذلك ولم نعلم به فى حينه، أن الاعتماد الأسطورى الإسرائيلى على الولايات المتحدة لا يمكن أن يغطى وحده جميع احتياجات دولة كانت محاصرة بحكم موقعها وصراعاتها داخل موقع جغرافى محدد فى إقليم لا تتمدد فيه. هذه الدولة تحررت، أو هى تستعد لإعلان تحررها من كثير من قيود فرضها موقعها وظروف صراعاتها، لتمارس علاقات أوسع ليس فقط فى الإقليم ولكن أيضا خارجه وصولا إلى روسيا شمالا والصين فى أقصى الشرق والهند فى قلب المياه الساخنة، وعميقا فى مستقبل يغلى.
عرفنا أن إسرائيل تعرض على الهند تجربتها الفريدة فى إبادة سكان بمزيج من الحسنى والصبر والاستفادة من دعم حلفاء طبيعيين وخصومة أعداء أيضا طبيعيين. أظن أن باكستان لم تقدر التقدير السليم المدى الذى وصلت إليه العلاقات الهندية الإسرائيلية ولا عمق وأهمية التعاون التكنولوجى مع إسرائيل لدى كل من نيودلهى وبكين. أتصور أن إسرائيل فى الوقت نفسه تسعى وراء استثمارات ضخمة لم تعد تقوى على توفيرها دول كثيرة وربما دولة واحدة أو لعلها مبادرة واحدة تضمنها وتنفذها الصين، وهى مبادرة الطريق والحزام. إسرائيل فى حاجة ماسة لهذه الاستثمارات لتطوير ميناءى حيفا وأشدود، والصين فى حاجة ماسة لتشييد هذين الميناءين ومد خطوط مواصلات تزيد من ربط الداخل ببعضه والداخل بطرق مواصلات تاريخية تربط الداخل بالعالم الآسيوى. إسرائيل فى حاجة أيضا ماسة إلى استثمارات صينية ضخمة من داخل قطاعات التكنولوجيا الرقمية المتطورة. بتلك الاستثمارت يمكن أن تحتل التكنولوجيا الصينية جانبا عريضا من السوق العالمية والصينية محل المواقع التى سوف يخليها قطاع وادى السيليكون نتيجة حرب الرئيس ترامب التجارية ضد الصين.
***
أتصور أن جون بولتون يحمل ضغوطا. أحدها منقول عن قادة فى سلاح البحرية الأمريكية يعترض على احتمال أن تقوم الصين بتشييد ميناء حيفا. ترفض البحرية الأمريكية أن ترسو سفنها فى موانئ تديرها منظومة تكنولوجية من تصميم وإدارة خبرة صينية مشبوهة فى أنشطتها التجسسية. سوف يزعم بولتون أن هذا التحذير مبلغ بالفعل إلى جميع موانئ أوروبا الغربية التى تزورها قطع الأسطول الأمريكى بحكم عضوية دولها فى حلف الأطلسى.
قد لا يجرؤ بولتون رغم ولاءاته الصهيونية المتطرفة أن يطلب من إسرائيل الامتناع عن قبول استثمارات طويلة الأجل من مبادرة الطريق والحزام تحت حجة كرر استخدامها فى إفريقيا عن الهوية الاستعمارية الخفية لهذه المبادرة، ولكنه قد يستخدم حجة بديلة يجرى استخدامها فى أوروبا الغربية لتحرض الدول الحليفة ضد مشروع خط غاز نورد ستريم. تقول الحجة إن أمريكا تخشى على أمن حلفائها إن اعتمدوا فى حياتهم على مصدر روسى للطاقة. نلاحظ بهذه المناسبة أن إسرائيل تسعى بالحماسة نفسها لتحصل على اعتماد روسيا عليها فى قطاع التكنولوجيا المتطورة كما تسعى لربط قطاعها التكنولوجى بالمصدر الصينى. هكذا، إن أفلحت إسرائيل فى خططها الجديدة، تكون قد وضعت الأساس لشبكة تجمع أهم مصادر التقدم التكنولوجى فى المستقبل الموجودة فى الولايات المتحدة والهند والصين وروسيا، فرصة قد لا تتاح لدولة أخرى فى العالم فى الأجل المنظور. إنه المستقبل وقد وصل إلى كل من خطط له واستعجله واستعد لمخاطر آتية لا ريب فيها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.