منتدى شباب العالمي يتناول حلولا مبتكرة لدى الأشخاص ذوي الإعاقة    البابا تواضروس يلتقي أسرة القلب الفرحان لذوي القدرات الخاصة    مزرعة وادي «القويح».. زراعات وفاكهة «أورجانيك» لأهالي البحر الأحمر بتخفيض 50%    «العصار» و«المصيلحى» يناقشان تنفيذ «الصوامع الحقلية» و«مخازن الغلال»    أسعار الحديد مساء اليوم الجمعة 13 ديسمبر 2019    فيديو.. مرشدون يحللون أوضاع السياحة بشرم الشيخ قبل انطلاق «منتدى شباب العالم»    بعد الفوز الكبير .. جونسون يعلن موقفه من انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة    الأمير يدير ظهره للسلطان.. هل يغلق تميم أبوابه في وجه اردوغان    الرئيس الفلسطيني يرحب بقرار الأمم المتحدة تمديد مهمة وكالة الأونروا    المصري: رفضنا عرضا ب 700 ألف دولار لضم العراقي.. ولا مشكلة في صفقة تبادلية مع الزمالك بشرط    فايلر يستبعد علي معلول من مباراة حرس الحدود بالدوري    صور.. محمد حماقي يستحوذ على جوائز «الأفضل 2019»    يثرب عادل وصيفا لبطولة مونت كارلو لسيدات الاسكواش    القبض على تاجر مخدرات بشعراء دمياط وبحوزته 2 كيلو بانجو    أسئلة استرشادية لتدريب طلاب اولى ثانوي على امتحان الرياضيات | صور    بعد تكريمه في الأفضل 2019| حماقي يطير إلي بيروت لهذا السبب    شاهد| عمرو أديب يبكى على الهواء    غدا.. افتتاح معرض الحوامدية الأول للكتاب    غالية بنعلي وماريتا حلاني على مسرح شباب العالم في شرم الشيخ    جمال شيحة : «100% نسبة النجاح علاج الأطفال من مرض فيروس سي» .. فيديو    فى دورى الكرة النسائية | الترام يتعادل مع الطيران 3/3 فى الدقيقة الأخيرة    ارسنال ضد مان سيتي.. جوارديولا يستعد لقيادة مباراته ال200 مع السيتزينز    ندوة عن الجديد في تشخيص وعلاج مرض السكر بمستشفى ههيا بالشرقية    حجاب بلا عزلة وسفور بلا تبرج    رئيس من الناس «2»    غادة والي تشكر النائب العام لسرعة استجابته للتحقيق في واقعة تعذيب أم لطفلها    "من طفل البلكونة" ل"تعالى خدني" أمهات تحجرت قلوبهن.. والشاهد "فيسبوك"    تريند الفن | أحدث ظهور ل شمس البارودي | قصة مسجد هيثم أحمد زكي | فيديو جديد ل منى فاروق    الروبوت صوفيا تكشف طرق حماية الخصوصية أثناء استخدام الموبايلات    برلين: فرنسا وإيطاليا تدعمان المبادرة الألمانية في ليبيا    عمرو الخياط يكتب: المرأة المصرية في وجدان الرئيس    بالصور .. محافظ أسيوط يلتقي مواطني أبنوب بمقر مجلس المدينة للإستماع إلى طلباتهم وإحتياجاتهم    برلماني: التطوير وسد العجز في الموظفين ينهي مشكلات الشهر العقاري    فيروفيارو يهزم سبورتنج ويتأهل لنهائي إفريقيا    الإفتاء: مواقع التواصل الاجتماعى وراء انتشار الإسلاموفوبيا    حكم إخراج المرأة زكاة عن مالها الخاص    كسبت في يومين أكثر من اللى كسبته 3 أشهر.. بوبيان الكويتية تبيع أسهمها في ارامكو    تسلم بعد 3 سنوات | بدء حجز شقق الإسكان "3 غرف وصالة" | الأحد    ألوان لتقييم طلاب الأول والثاني الابتدائي.. الأحمر جرس إنذار    احالة مشرفى التمريض والنظافة بمستشفى ببا فى بنى سويف للتحقيق    وزير الشباب والرياضة يلتقي نظيره العراقي ويبحثان آليات التعاون المشترك بموناكو    ميسى: من العار أن يحتل مانى المركز الرابع فى قائمة أفضل لاعب فى العالم    محافظ المنوفية يتفقد "كوبري السمك" ويؤكد على تدعيم منظومة النظافة    وزير خارجية الصين يدعو واشنطن إلى التعايش السلمي وعدم الصراع    فيديو.. عمرو دياب يتخطى 5 ملايين بأول يوم في البعد    أستاذ بجامعة الأزهر: النبي لم يؤمر بطلب الزيادة إلا من العلم    حكم قراءة الفاتحة للميت وشفاء المرضى    ضبط شخصين بالغربية حصلا على قروض بنكية بمستندات مزورة    دعاء المطر والبرق    بالصورة .. ضبط ثلاثة أشخاص بالجيزة بحوزتهم 25 ألف علبة سجائر مجهولة المصدر ومهربة جمركياً    فيديو.. مجلس الوزراء ينفي شائعات تداولت الأسبوع الماضي    منتدى شباب العالم .. الصحة: الدفع ب45 سيارة إسعاف مجهزة وعيادتين    إعادة فتح ميناء شرم الشيخ البحري بعد تحسن الأحوال الجوية    ضبط المتهمين بسرقة سيدة تحمل جنسية دولة عربية بالتجمع الخامس    من هو عبد المجيد تبون رئيس الجزائر الجديد؟    الأزهر لا يملك أداة إعلامية لعرض بضاعته    معتدل نهارًا شديد البرودة ليلًا.. الأرصاد تُعلن طقس اليوم    حفتر يعلن بدء معركة تحرير طرابلس.. وهزيمة نكراء للعمال البريطاني في الانتخابات التشريعية.. أبرز اهتمامات صحف الكويت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«للربيع» .. فصولٌ أخرى
نشر في الشروق الجديد يوم 14 - 04 - 2019

تقول لنا مشاهد الجزائر والسودان، ومن قبلها ميادين الربيع العربي «المجهضة» إن دولنا العربية للأسف لا تعرف «التداول السلمي» للسلطة. وأن الطغاة للأسف لا يذهبون عبر صناديق الاقتراع، بل بالموت.. أو الثورة.
لو كانت هناك صناديق اقتراع «حقيقية» ما نزل الناس إلى الشارع.
لو كانت هناك صناديق اقتراع «حقيقية»، وعرفت دولنا العربية «التداول السلمي» للسلطة ما نزل الناس إلى الشارع
لأن الأسباب واحدة، فالنتائج واحدة
في هذه العبارة البسيطة جدا، يمكن قراءة ما جرى في الجزائر والسودان، بالنظر إلى تلك الصورة «الباسمة» للزعماء والقادة في قمة «سرت» العربية قبل أسابيع فقط من أولى نسائم الربيع التي أطاحت برموز (صور) الصف الأول واحدا تلو الآخر.
لا مفاجأة هناك، فما نشاهده على الأرض، وشاشات التلفاز ليس أكثر من فصول جديدة في «رواية الربيع العربي»، التي لم يسدل ستارها بعد، رغم كل الذين راهنوا على أن ما جرى في 2011 لم يكن محض «زوبعة في فنجان».
لأسابيع طالت، ثار (أو بالأحرى ثابر) الشعب المطحون في الجزائر والسودان وعض على مطالبه بالنواجز، رافضا صفقات المساومين على «جوهرية» مطالبه مقابل ما هو «شكلي» من قرارات وإجراءات. ثابر المتظاهرون والمعتصمون في الساحات والشوارع، رغم مناخ إقليمي ودولي مزدحم الأولويات، لا تكاد هموم أولئك المحتشدون في العاصمتين العربيتين تمثل أي رقم فيها. أوروبا مشغولة بالبريكست المتعثر، وبالاستغلال «الشوفيني» لقضية اللاجئين. وأمريكا منشغلة بترامب وتغريداته الليلية، وصداماته (كما فضائحه) التي لا تنتهي. أما ترامب؛ الجالس على مكتبه البيضاوي (على قمة النظام العالمي) يوقع القرارات المثيرة للجدل، فقضيته الأولى (بعد إشباع نرجسيته) هي تحقيق «الحلم الصهيوني» القديم. أما العرب، فمنكفئون على ذواتهم أو همومهم؛ حكاما تتأرجح كراسيهم، وتداعب خيالاتهم حماقات طموحاتهم الرعناء، وشعوبا منهكة تلعق جراح الهزائم، والإحباطات. وتتعثر في مشوارها اليومي الشاق للبحث عن ما تبقى من فتات خبز، أتى عليه فساد النخب الحاكمة، أو على الأقل «سياساتها».
***
دون الانزلاق إلى فخ «شخصنة» المشهد، والذي هو في جوهره مطالبة بإسقاط نظامٍ (لا أشخاص) مستبدٍ فاسدٍ، تبقى في تفاصيل المشهد الذي هو باتساع جغرافي من المحيط إلى الخليج، وتاريخي من التحرر إلى الديكتاتورية صورة مناضل قديم، كان أحد أركان «حركة التحرير»؛ مليونية الشهداء، والجديرة بكل تقدير واحترام. إلى أن كان أن مكث في الحكم فترة أطول من أي رئيس جزائري آخر. وكما أن «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة» فلطول فترة الحكم (أيًا من كان شخص الحاكم) آثارها المُفسدة المدمرة. فما بالك حين يصبح «مقعد الحكم» مقعدا طبيا متحركا مخصصا للمرضى. فحول «الحاكم الفرد» تنمو أوليجاركيا المصالح، تتعايش وتتعيش على الفساد والقمع واللا شفافية. قصة قديمة مكررة «للدولة الشمولية» قرأناها مائة مرة بداية من عراق صدام، وليبيا القذافي، وليس نهاية بتشاوشيسكو Nicolae Ceaușescu رومانيا، ورفاقه في دول حلف وارسو القديم.
كان مشهد عبدالعزيز بوتفليقة (عشرون عاما في السلطة)، وهو يدلي بصوته في الانتخابات الرئاسية الماضية قبل أربع سنوات (على مقعده المتحرك) مشهدا دالا، تقرأ في تفاصيله:
1 أن هذا نظام (كأشباهه الذين نعرف) لا يؤمن «بالتداول السلمي» للسلطة.
2 أن هذا نظام (كأشباهه الذين نعرف) تشابكت مصالحه، بحيث لم يعد يطيق أصلا أن يذهب.
3 أن هذا نظام (كأشباهه الذين نعرف) إن طال به الزمن لن يدعه المتعيشين عليه يذهب، حتى وإن صار مقعدا، كما كان الحال في الصورة الشهيرة. أو «تيبس على مقاعده»، كما هو التعبير الأثير للأستاذ هيكل في محاضرته الشهيرة في معرض الكتاب (1995).
4 أن للجزائريين كل الحق (كما للسودانيين كل الحق) أن لا يقنعوا بالإطاحة بالرئيس. فلا أحد بوسعه أن يزعم أن الرئيس «المقعد» الذي ظهر في الصورة ينتخب نفسه قبل سنوات خمسة، كان هو الذى يحكم طوال تلك السنوات الخمس بل «النظام».
***
لا يرحل الطغاة للأسف عبر صناديق الاقتراع، بل بالموت .. أو الثورة
على الناحية الأخرى، كان عمر حسن أحمد البشير (ثلاثون عاما في السلطة)، والذي كثيرا ما رأيناه يرقص بالعصا، يجيد اللعب، ليس بعصاه فقط بل على كل ما عرفنا من حبال.
أقام دولة «إسلامية»، أو بالأحرى أسماها كذلك. ثم فعل كل ما هو عكس ذلك، حتى في تحالفاته (بوتين نموذجا).
حُسبت حركته على الإخوان المسلمين، لكنه لم يفوت فرصة واحدة للتودد للنظام المصري الحالي الذي أطاح بالإخوان المسلمين.
رفع، كغيره لافتة «الحرب على الإرهاب»، مشيدا في كل مناسبة بما اعتبره «الخبرة المصرية» في هذا المجال، في الوقت الذي لم يتردد فيه في تعيين المسؤول الأول عن خطة محاولة الجماعة الإسلامية اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا (1995) مديرا لمخابراته(!)
ثم كان، مع مهارة أقل، أن لعب البشير (الذي وصل إلى السلطة، كأشباهه عبر انقلاب عسكري) لعبة صدام العراقية، وعلي عبدالله صالح اليمنية. في استثمار التناقضات والتوازنات الإثنية والطائفية. مثلهما (وكأقرانهما) أهدر البشير قيم المواطنة؛ التي يفترض ألا تعرف دينا أو طائفة أو إثنية، فأضاع نصف أرض بلاده، بعد أن اختار 99٪ من سكانها (في استفتاء حر) الانفصال، واستمرأ حربا أهلية في دارفور لم يكن لها من وقود غير تناقضات التنوع، وغياب المواطنة.
***
رغم رمزية الأسماء والأشخاص، فقد بدا واضحا أن القصة أكبر من كل الأسماء والأشخاص.
كان «فقدان الثقة» عنوانا لكل التفاصيل.
في الجزائر، كما في السودان (مع اختلاف طفيف في التفاصيل) وعد بوتفليقة مبكرا بانتخابات مبكرة، «وبتغيير النظام»، لم يصدقه الجزائريون. فقال الرجل إنه لن يترشح (أو بالأحرى سحب ترشيحه)، معلنا عن حوار وطني يتولى تحديد موعد جديد لانتخابات الرئاسة ودستور جديد يستفتى الجزائريون عليه.. فلم يصدقه الجزائريون.
لماذا؟ ببساطة لأن «النظام»، كان قد فقد مصداقيته. ولأن «لا_للعهدة_الخامسة» كانت تعني ما هو أكثر بكثير من العبارة ذاتها. ولأن مشكلة الجزائريين لم تكن مع بوتفليقة (المناضل القديم) بل مع «النظام»؛ الذي ككل الأنظمة الشبيهة، سمحت طبيعته السلطوية بتحكم «الأوليجاركيا»؛ فسادا، وقمعًا، ومصادرة للحريات… والمستقبل. في السودان لم تختلف سوى الأسماء والتفاصيل.
«لسنا انقلابا»، يقول المسئول الرفيع في المجلس العسكري الانتقالي في السودان. بعيدا عن نقاشات الأكاديميين حول اشكاليات المصطلح، فالمشكلة الحقيقية قد لا تكمن في التنظير، مع ضرورته للفهم بل قد تكون في خبرات وتجارب سابقة ومجاورة.. وصادمة. والأهم في «ثقة تآكلت» عبر عقود، وخبرات عايشها الناس.
«لسنا منحازين للرئيس.. نحن منحازون للسودان»، يقول المسئول الرفيع أيضا في تقرير ما كان ينبغي أن يكون بحاجة إلى تقرير. أو بالأحرى فيما كان ينبغي أن يكون «من نافلة القول» كما يقول العرب. ولكن هل هو من «نافلة القول» فعلا، كما خبر العرب وعرفوا عبر مئات سنين الخلافة، والبيعة، والمتصرف، والمندوب السامي، والزعيم الملهم، والقائد المفدي؟ في قصص التاريخ إجابة واحدة.
…………..
يخشى السودانيون، كما الجزائريون أن يكون (كل) ما جرى في النهاية هو «انقلاب داخل القصر»
يخشى السودانيون، كما الجزائريون أن يكون (كل) ما جرى في النهاية هو «انقلاب داخل القصر»، فتاريخ قصور العرب وخلفائهم حافل بمثل تلك الانقلابات؛ سلمية كانت أو دموية.. أو حتى نسائية.
يعرف تاريخنا البعيد والقريب من «انقلابات القصر» ومكائده، ما كان طمعا في سلطة، أو ضمانا لتوريثها. كما يعرف أيضا ما كان للحفاظ على «النظام»، سواء كان بحسن نية من تربوا على أن «النظام هو الوطن»، أو بحرص أولئك الذين تشابكت مصالحهم فتضافرت مع النظام القائم؛ مؤسسات وأفراد، وربما حتى هويات وثقافة.
يعرف التاريخ كل هذه القصص، كما تعرف قوانين الفيزياء «النقطة الحرجة» التي عندما يصلها «الضغط» على نظام ما، أيا كان هذا النظام، فإنها تؤدي إلى شرخ في مكوناته، ولكنها لا تعني بالضرورة الانهيار الكامل للنظام (مهما كان سيئا)، بل قد تكون النتيجة إعادة تشكيله (من المكونات ذاتها) بما يجعله أكثر صلابة وجمودا. كما يحدث هذا في المعمل، يحدث أيضا في حياتنا كل يوم. ولهذا يحق للجزائريين، كما السودانيين في شوارع الخرطوم أو الجزائر (العاصمة) أن يقلقوا.
هي ليست قصة الجزائر أو السودان، بل هي قصة كل هذه الأنظمة التي لم تنجح في الانتقال من «شرعية ثورية»، استوجبتها حركات التحرر الوطني في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مقاومة للاحتلال والاستعمار إلى «شرعية دستورية» تستوجبها متطلبات بناء دولة معاصرة حديثة، يتمتع مواطنوها، ليست فقط بالتخلص من الاستعمار، بل بالحرية، والمساواة، والكرامة الإنسانية. شرعية تستلزم تعريفا تحرير المواطن من ربقة أنظمة أمنية قمعية تتعايش عليها «أوليجاركيا» الفساد والاستبداد من جماعات المصالح ونخبها.
ربما لم يكن الجزائريون، كما السودانيون المتدافعون إلى الشوارع، يعرفون ماذا يريدون له بالضبط أن يحدث في اليوم التالي (لضمان تحقيق أهداف حراكهم) ولكنهم يعرفون تماما ماذا لا يريدون. هم ببساطة لا يريدون دولة الرجل الواحد. لا يريدون هذا النظام السلطوي القمعي الذي تمكنت أوليجاركيا الفساد والقمع من مفاصله. حكى لنا رجل أعمال مصري شهير عن كيف انهارت استثماراته هناك بسبب الفساد، الذي هو صنو الاستبداد.
يريد الجزائريون والسودانيون كما كان المصريون والسوريون والتونسيون والليبيون واليمينيون كما غيرهم من شعوب منطقتنا المبتلية بمستبديها (الذين ثاروا، أو الذين يتحينون الفرصة)، أن يكون لديهم مثل شعوب العالم المتقدم «دولة مدنية معاصرة، قوامها الديمقراطية، والحريات، والتداول السلمى للسلطة، واحترام حقوق الإنسان» (النص بالمناسبة كان موجودا في مسودة رؤية مصر 2030 قبل أن يتم حذفه). ربما لا يعرف الجزائريون والسودانيون ملامح واضحة «لخارطة طريق»، ولكنهم بالحس الشعبي يدركون أن «الشيطان قد يكمن في التفاصيل»، كما يعرفون أن «في تجارب التاريخ القريب ما يدفعهم للقلق».
***
ما نشاهده الآن ليس أكثر من فصول جديدة في «رواية الربيع العربي»، التي لم يسدل ستارها بعد
يقول لنا ما جرى في الجزائر ثم في السودان:
إن «الربيع العربي لم يكن مصادفة، أو مؤامرة، أو محاولة الاستيلاء على الحكم، وأن الاطمئنان لنجاح «الثورة المضادة» أو إعلامها، في إحباط التغيير، أو تشويه حركة الجماهير، ليس أكثر من اطمئنان خادع يحكمه «التفكير بالتمني» وثقافة «تمام يا فندم». الدرس الذي نتعلمه من شوارع الجزائر والسودان: أن لتحرك الجماهير أسبابها.. «وإذا حضرت الأسباب، حضرت النتائج».
أن ما يبدو انتكاسة، أو انتصارا «للثورة المضادة»، أو إذابة لأحلام الجماهير في أنهار من دماء الاضطرابات، والصراعات الطائفية، أو الإثنية، أو الجهوية المفتعلة، لا يعدو أن يكون محاولة لدفن «الجمر تحت الرماد». فالثابت من قراءة التاريخ أن الشعوب لن تتوقف، وإن بدا غير ذلك إلى حين عن عن حقها في المطالبة «بالعيش والحرية، والكرامة الإنسانية». وأن هذا درس التاريخ الأول الذي علينا أن نعيه ونتدبره.
عندما تشاهد على التلفاز بعد ما يقرب من شهرين من التظاهرات والحراك السياسي، من يقول لك في الشارع الجزائري أو السوداني: أننا لم نشعر بالأمان إلا اليوم فقط، فهذا يعني بوضوح أن الإحساس بالعدالة (لا بصرامة القبضة الأمنية القمعية) هو الذي يمنح الإحساس بالأمان.
***
وبعد..
فربما تبقى من أن أسوأ جرائم أنظمة قمع ما بعد حركات التحرر الوطني، فضلا في «اختصار الوطن في النظام، واختصار النظام في شخص الرئيس» هو ما جرى على الأرض من «تجريف متعمد للحياة السياسية». بحيث تصبح معه مقولة مبارك الشهيرة «أنا أو الفوضى»، وإرباكات «الأسئلة الكبرى» لما بعد التخلص من ربقة استبداد النظام القديم، بما فيها سؤال عمر سليمان الشهيرعن الديموقراطية (وتوقيتها) تجسيدا حقيقيا للثمن الباهظ الذي على الشعوب أن تدفعه ثمنا للمستقبل. حين تعز الولادة الطبيعية، فتصبح الولادة القيصرية قدرا محتوما.
لمتابعة الكاتب:
twitter: @a_sayyad
Facebook: AymanAlSayyad.Page
روابط ذات صلة:
– سقط مبارك.. فهل حقا سقط النظام؟
– علي عبد الله صالح .. وأقرانه
– حتى لا نكون «مثل سوريا والعراق»


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.