وزير الأوقاف: خطبة الجمعة تصل الآن إلى العالم كله ب15 لغة.. فيديو    أنشطة مكثفة للتدريب المصري البريطاني المشترك «أحمس -1»    التجمع: الرئيس انتصر لأصحاب المعاشات وعزز دولة القانون    ترامب.. «معزول» دوليًا بشأن موقفه من الجولان المحتل    احتفالا باليوم العالمي للمياه.. انطلاق أسبوع "كل نقطة تفرق" من كنيسة مارجرجس بقرية المهندسين في دمياط    وزيرة الهجرة تلتقي وزير الدفاع وعمدة كرايست تشيرش النيوزيلنديين    "الإنتاج الحربي" توقع مذكرة تفاهم مع شركة بولندية لإنشاء مصنع للكبائن المتنقلة| صور    الخارجية : الجولان السوري أرض عربية محتلة    وزيرة الهجرة تشارك في المراسم الرسمية لجنازة شهداء حادث المسجدين بحضور رئيسة وزراء نيوزيلندا    أبو الغيط يعزي العراق في ضحايا غرق العبارة    بيونج يانج تنسحب من مكتب الارتباط المشترك مع سول    مصر تدعو لتعزيز التعاون بين دول الجنوب    مصر تعتمد علي الوجوه الجديدة في مواجهة النيجر    الأهلي ينتظر عودة جيرالدو استعدادًا لموقعة الزمالك    الكاف يطالب الجبلاية بنقل مباريات الأهلي والزمالك الإفريقية من برج العرب    ديباي يثبت جدارته بثقة كومان بعد عرض رائع مع هولندا    تقرير: يوفنتوس يعرض ديبالا ومبلغا مقابل صلاح    هازارد: زيدان مثلي الأعلى    القبض على صيدلي مزيف يحمل 15 ألف قرص منشط بالأزبكية    ضبط 1334 هاربا من تنفيذ أحكام قضائية فى البحيرة    سقوط أحد مرتكبى واقعة سرقة شقة بمصر الجديدة    ‫الداخلية: 25 مارس تحصيل رسوم الفائزين بقرعة الحج وعدم السداد بمثابة تنازل    أشرف زكى نقيبا للفنانين بالتزكية    قنوات "أون" تحتفل بعيد الأم    آسر ياسين في ندوة تكريمه بالقصر: «رسائل البحر» أهم أعمالي.. ولا مجال لمقارنتي بأحمد زكي    الإمام الأكبر: عقد الزواج في الإسلام "مقدس"    «الأرصاد»: طقس السبت دافئ شمالا حار جنوبا.. والقاهرة 24 درجة    السجون تفرج عن 408 سجناء بموجب عفو رئاسي وشرطي    "النقض" ترفض طعون 262 من شباب المعارضة    سعر الريال السعودى اليوم الجمعة 22-3-2019    الأمم المتحدة للقانون الدولي: عودة مجلس الشورى تكلف الدولة 800 مليون جنيه .. فيديو    المستشارة الألمانية ميركل تزور فرنسا الثلاثاء المقبل    والدة آيتن عامر ترفض هديتها.. لهذا السبب    حسن بخيت يكتب عن : ” وبعدين يا شيرين … مش كفاية سذاجة !    جيرالدو يعود للمران الجماعي بعد انتهاء مشاركته في معسكر منتخب بلاده    وزير الأوقاف: 58% من أسباب تعاطي المخدرات هي رفقة السوء.. فيديو    محافظة الدقهلية تتصدر المركز الأول فى حملة 100 مليون صحة    علماء أمريكيون يطورون "جل" لعلاج إصابة العين دون جراحة    10 معلومات هامة لطلاب الصف الأول الثانوي قبل أول امتحان إلكتروني    السهام البترولية تنقل 8.5 مليون لتر من المنتجات البترولية    مصرع سيدة أسفل عجلات قطار بالبحيرة    رئيس وزراء إيطاليا يبدي ثقته في التعاون مع الصين ضمن مبادرة «الحزام والطريق»    انطلاق قافلة طبية مجانية بأودية بير زغير ومجيرح في نويبع    شركة جارودا الإندونيسية للطيران تلغي طلب شراء طائرات بوينج "737 ماكس 8"    قيادات عمالية ترحب بقرارات الرئيس بشأن تحسين أحوال المعاشات وزيادة الأجور    ب«الحجاب».. وزيرة الهجرة تشارك في جنازة «شهداء المسجدين» بنيوزيلندا (صور)    يوهان سباستيان باخ.. موسيقار ألماني عشق القهوة فألف لها مقطوعة خاصة    أسامة كمال عن والدته: سيدة قوية وعظيمة.. وشاركت في علاج مصابي الحرب العالمية الثانية    مراهق يتحول لابن الشيطان بسبب قطة    المنتخب الأوليمبي يواجه نظيره الأمريكي ودياً الليلة    رئيس نقل النواب.. قرار السيسي بشأن منظومة الأجور يحقق الاستقرار الاجتماعي    السيسي ينتصر لأصحاب المعاشات والموظفين يتصدر نشرة صباح البلد .. فيديو    طريقة تحضير فطيرة الزعتر    فيديو.. داعية إسلامي: الاحتفال بعيد الأم ليس بدعة سيئة    محامي بالنقض عن واقعة شرين: "ستحبس 10 سنوات"    وزير التربية والتعليم: خريجو الثانوية العامة غير قادرين على التعلم بالجامعة    برها أعظم هدية..    "تعالوا إلي كلمة سواء"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رحيل المستشارة
نشر في الشروق الجديد يوم 02 - 11 - 2018

ها هى أنجيلا ميركل تعلن تخليها عن رئاسة الحزب المسيحى الديمقراطى، وعزمها عدم الترشح مجددا لمنصب المستشارية عندما تنتهى الدورة البرلمانية الحالية فى 2021.
فى ديسمبر 2018، سينتخب المؤتمر العام للمسيحى الديمقراطى رئيسا جديدا من بين طيف من المرشحين أبرزهم وزير الصحة الحالى ينس شبان والسياسى العائد من الاعتزال فريدريش ميرتس والسيدة أناجريت كرامبكارنباور التى تشغل منصب السكرتير العام للحزب. وبينما يتمتع شبان بتأييد المجموعات اليمينية المحافظة بعد أن دأب على توجيه الانتقادات لسياسات اللجوء (استقبال اللاجئين السوريين فى صيف 2015) والسياسات البيئية (إيقاف جميع المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة بحلول 2022) التى طبقتها المستشارة ميركل وكرر بعض المطالب الشعبوية مثل حظر الحجاب فى الفضاء العام، ينافس ميرتس على حصد تأييد ذات المجموعات بأجندة اقتصادية ليبرالية وتوجهات اجتماعية محافظة (كرفض زواج المثليين جنسيا على سبيل المثال) وبماضى صراعه مع ميركل الذى تسبب فى اعتزاله السياسة واستقالته من منصب رئيس الكتلة البرلمانية للمسيحى الديمقراطى فى 2009. أما السيدة كرامبكارنباور، وهى كانت تشغل منصب رئيس وزراء ولاية سارلاند فى جنوب غرب ألمانيا بين 2011 و2018، فتمثل المجموعات المدافعة عن اقتصاد السوق الاجتماعى وعن توجهات بيئية تقدمية وممارسات لجوء متسامحة وينظر إليها لذلك على أنها مرشحة «الاستمرارية» أى مرشحة تواصل سياسات ميركل بحصيلتها التى ترضى البعض داخل المسيحى الديمقراطى وفى المجتمع الألمانى وتثير حنق البعض الآخر.
المستشارة الحديدية التى تحكم قاطرة الاتحاد الأوروبى منذ 2005 ونجحت فى تجاوز العديد من الأزمات العاصفة كالأزمة المالية فى 2008 بتداعياتها الكارثية على العديد من البلدان الأوروبية والخروج البريطانى من عضوية الاتحاد وصعود اليمين الشعبوى فى شرق ووسط وشمال وجنوب القارة العجوز، هذه السيدة لم تعلن خطة انسحابها المنظم من السياسة الألمانية إلا بعد أن توالت الإخفاقات الانتخابية للحزب المسيحى الديمقراطى خلال العامين الماضيين. فقد أضحت معدلات التأييد الشعبى للحزب، إن على مستوى الولايات (16 ولاية) أو على المستوى الفيدرالى، تتراوح حول 30 بالمائة من أصوات الناخبين بعد أن كانت حول 40 بالمائة قبل 2016. والتقط اليمين المتطرف مجسدا فى حزب البديل لألمانيا أغلبية ناخبى المسيحى الديمقراطى المحبطين بفعل استقبال اللاجئين وبسبب تطبيق سياسات اجتماعية غير محافظة (مجددا كزواج المثليين) ودفع بهم إلى التصويت لصالحه، وبأصواتهم صار اليمين المتطرف حاضرا فى جميع برلمانات الولايات ويملك حاليا 94 مقعدا (من إجمالى 709 مقاعد) فى البرلمان الفيدرالى (البوندستاج) . وتزايدت مصاعب ميركل مع التراجع الأكثر حدية لشعبية شريكها الحالى فى الحكم، الحزب الاشتراكى الديمقراطى. لم يعد الاشتراكيون الديمقراطيون أصحاب التاريخ السياسى الطويل بقادرين على حصد ما يتجاوز حاجز ال20 بالمائة من أصوات الناخبين على مستوى الولايات، بل تقهقروا فى بعض الولايات إلى نسب تدور حول 10 بالمائة تاركين حزب تقدمى كالخضر وأحزاب يمينية محافظة تتخطاهم وتحيلهم إلى وضعية الحزب الصغير (كما حدث أخيرا فى الانتخابات البرلمانية لولاية بافاريا فى الجنوب الشرقى).
***
فسر توالى الإخفاقات الانتخابية للمسيحى الديمقراطى وللاشتراكيين الديمقراطيين على أنه دليل تراجع الرضاء الشعبى عن سياسات ميركل، ولم يكن فى ذلك التفسير ما يجافى المنطق أو الحقيقة. فقد رتبت كل من إنسانية ميركل فيما خص اللجوء وتقدميتها لجهة القضايا الاجتماعية والبيئية شعور الأعضاء المحافظين داخل حزبها وعموم الناخبين المحافظين الذين دوما ما اعتبروا المسيحى الديمقراطى ممثلهم الوحيد فى الحياة السياسية، رتبت شعورهم بالاغتراب ودفعت قطاعا مؤثرا بينهم إما إلى الرحيل إلى اليمين المتطرف أو إلى العزوف عن المشاركة (وفى بعض الحالات القليلة ووفقا لدراسات السلوك الانتخابى، رحل بعض المحافظين من تأييد المسيحى الديمقراطى إلى تأييد الليبراليين المدافعين عن اقتصاد السوق ممثلين فى الحزب الديمقراطى الحر) . بين 2016 و2018، رحل ما يقرب من 10 بالمائة من الناخبين المحافظين بعيدا عن المسيحى الديمقراطى، وفرضوا على الحزب أزمة داخلية خانقة، ووضعوا المستشارة ميركل فى وضعية وهن مستمر وأفقدوها الكثير من فاعليتها السياسية.
ولم يأت ذلك التفسير للإخفاقات الانتخابية المتوالية من داخل المسيحى الديمقراطى فقط أو من بين أوساط اليمين المتطرف المعتاش على تراجع شعبية ميركل، بل روج له داخل الاشتراكى الديمقراطى شريكها الحالى فى الحكم. بنفعية حزبية بائسة، اتجه الاشتراكى الديمقراطى إلى وصم ميركل بالوهن وبفقدان الشعبية وتحميلها أيضا مسئولية التراجع الكاسح للاشتراكيين الديمقراطيين الذين لم تعد لهم هوية سياسية واضحة وارتحلت نسب مفزعة من ناخبيهم إلى حزب الخضر (وفى الولايات الشرقية يحدث الارتحال إما لحزب اليسار أو لحزب البديل لألمانيا) وتتصدر واجهتهم السيدة أندريا نالس التى لا تملك كاريزما شخصية ولم تتمكن إلى اليوم من صياغة رؤية واضحة المعالم لدور حزب المستشارين التاريخيين فيلى برانت وهليموت شميت فى الحياة السياسية المعاصرة لألمانيا.
بين 2016 و2018، اعتاش اليمين المتطرف على تراجع شعبية أنجيلا ميركل وإخفاقات حزبها مثلما استفاد الخضر من تراجع الاشتراكيين الديمقراطيين. من يطالع المشهد الحزبى الراهن فى ألمانيا، سيدرك أن خروج المسيحى الديمقراطى من أزمته يتطلب استعادة من هجروه من ناخبين ولن يتأتى ذلك إلا بتغيير بعض السياسات التقدمية التى طبقتها ميركل وكان الأمل أن تحصد دعما شعبيا مستقرا. للأسف، لا تختلف ألمانيا الغنية عن غيرها من البلدان الأوروبية لجهة صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة والحضور المؤثر (ليس طاغيا بعد) للمشاعر الشعبوية الرافضة للأجانب وللاجئين والراغبة فى العودة إلى ممارسات اجتماعية وبيئية رجعية.
***
من يطالع المشهد الحزبى الراهن، سيدرك أيضا أن المسيحى الديمقراطى لن يتمكن طويلا من البقاء فى الائتلاف الحاكم مع الاشتراكيين الديمقراطيين. كلاهما يواجه ريحا عاتية. يستطيع المسيحى الديمقراطى الائتلاف مع الخضر والديمقراطى الليبرالى لتشكيل حكومة جديدة، على الأرجح من غير ميركل والتى قد تجبر على الاستقالة من منصب المستشارية قبل انتهاء الدورة البرلمانية الحالية فى 2021 خاصة إن جاء حزبها بينس شبان أو فريدريش ميرتس كرئيس جديد. ويحتاج الاشتراكيون الديمقراطيون إلى الابتعاد عن مقاعد الحكم وإعادة اكتشاف هويتهم كحزب اليسار الممثل للطبقات العمالية ولمحدودى الدخل وكحزب النزعة الإنسانية الرافضة لليمين المتطرف والشعبوى بمقولاته العنصرية والتمييزية ضد الأجانب واللاجئين وكحزب الدفاع عن أوروبا الموحدة وهويتها الديمقراطية فى مواجهة يمين متطرف يهدد بقاء الاتحاد الأوروبى.
تلك هى خلفيات إعلان المستشارة المحترمة أنجيلا ميركل انسحابها المنظم من السياسة، وتلك هى تحديات الديمقراطية الألمانية التى يهدد استقرارها اليمين المتطرف وتستدعى من أحزاب اليمين واليسار الملتزمة بالقيم الديمقراطية إعادة اكتشاف أدوارها إن فى خانات الحكم أو بين صفوف المعارضة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.