تقف «سهام» وسط كومة ضخمة من العلب، تنحنى من حين لآخر لتلتقط علبة الزبادى التى تقع عليها عيناها. تتحرك بخفة وسط كومة العلب التى تكاد تغطى نصفها الأسفل بالكامل. ترفع العلبة بعين خبير لتضعها فى شوال كبير يئن مما يحمله. تُحكم ربطه وتضعه بجوار عشرات الأشولة التى انتهت من ملئها. بشرة سمراء وجسم نحيل. جلابية طويلة تخفى البنطلون تحتها. «بشتغل فى منشية ناصر من يوم ما اتولدت. أهلى اشتغلوا قبلى نفس الشغلانة» تقول «سهام» البالغة من العمر 20 عاما بنبرة أقرب للامبالة: « منذ 7 سنوات تركت المدرسة، كنت فى تانية إعدادى ومعرفتش أكمل تعليمى، وكمان إحنا عددنا 9 أخوات، أبويا حايعلم مين ولا مين». و من هذه اللحظة أصبحت سهام «فريزة»، مهمتها فرز علب الزبادى فقط من مخلفات المنازل. دوام كامل، مثل موظف الحكومة، تعمل سهام 8 ساعات يوميا، تنقى وتعبى، وفى نهاية اليوم يأتى عدد من الأطفال لتسلم حاصل اليوم وتوصيله لمكان التدوير. لديها رب عمل، المسئول عن التدوير، لكنها ترفض الحديث عنه، حتى أسمه لا مجال هنا لذكره. فى الصباح، يرسل لها المخلفات التى ستفرزها ويضعها فى الساحة الصغيرة لها للبيت الذى يقع فى آخر إحدى الأزقة بمنشية ناصر. طابقان من الطوب الأحمر، وبوابة من الحديد. عائلة سهام تعمل جميعها فى الفرز، ولكن كل فى تخصصه. فى الأصل كانت سهام تريد أن تعمل فى مهنة أخرى غير تلك التى ورثتها : بائعة فى محل ،ربما، لكنها لم تجد أى عمل آخر، فانتهى بها المطاف من حيث بدأت. ولكنها وجدت متنفسا لها فى حياتها بعد العمل. بعد السادسة مساء، تتبدل إلى شخص آخر وكأنها لم تعمل فريزة من قبل، «باخد شاور وأضع مكياجى وبلبس زى أى بنت جيبة أو بنطلون وبلوزة، زى كل البنات يعنى». يوم الأحد هو المفضل لديها، تنتظره سهام بفارغ الصبر «لأنه يوم الإجازة» وهو أيضا اليوم الوحيد الذى تنطلق فيه مع صديقاتها أو تقابل فيه أيمن خطيبها. أيمن يعمل بعيدا عن القمامة والفرز والتدوير. «بيشتغل فى محل لصناعة الخرز فى إمبابة». يوم الأحد إجازته هو الآخر، وفى هذا اليوم «ما بغرقش فى الزبالة زى كل يوم وبحاول أبعد عن طريقها». كغيرها من الفريزة فى منشية ناصر تعتمد سهام على نفسها ماديا. «هنا البنت بتعتمد على نفسها فى كل حاجة، بتشتغل وبتجيب هدوم بالتقسيط وتجهز نفسها بالتقسيط المريح وحتى هدوم العيد، يعنى من الآخر عايشين بالتقسيط المستريح على الآخر». «لكن إحنا برده بنعرف نعيش حياتنا على قدنا»، هى الحكمة التى ورثتها عن الأجداد. ماذا تأكل؟ لا يمثل أزمة. «أى شىء» المهم أن يكون هناك ما يجعلها تستكمل عملها فى الغد. «بنقضيها بأى حاجة مرة حتة جبنة، مرة فول وطعمية، وبنعرف برده ناكل سمك أو فراخ مرة فى الشهر، كله رضا من عند ربنا مش هانكفر يعنى». هو الشىء الوحيد الذى تحدثت عنه سهام باسترسال، غير ذلك، كلمات مقتضبة، سريعة ومتقطعة «خلاص صاحب الشغل جاى». سهام تنتظر شم النسيم القادم أكثر من كل سنة. بالنسبة لها سيكون أهم يوم فى عمرها، لأنه يوم زفافها على عريسها أيمن. «يوم الإنقاذ» كما تسميه. «مجرد ما شم النسيم ييجى ها اتجوز وأسيب الشغل وأبقى ست بيت واستريح بقى من علب الزبادى ورائحة الزبالة».