موعد فتح باب الترشح على رئاسة حزب الوفد    وزيرا "الأوقاف" و"الشباب" يفتتحان مسجد "السميع العليم" بمدينة برانيس جنوب البحر الأحمر    قرار جمهوري مهم ورسائل قوية من السيسي لحاملي الدكتوراه من دعاة الأوقاف    أسعار اللحوم اليوم الجمعة 2-1-2026 في الأسواق ومحال الجزارة الأقصر    نقل شعائر صلاة الجمعة من مسجد السميع العليم في حلايب (بث مباشر)    القاهرة الإخبارية: توتر ميداني في حضرموت مع بدء تحركات عسكرية متقابلة    بيان عاجل لمصر و7 دول بسبب تدهور الأوضاع في غزة    جيش الاحتلال: تفعيل صافرات الإنذار في «برعم» ناجم عن تشخيص خاطئ    سلسلة غارات إسرائيلية على جنوب لبنان    الأهلي يؤمن جوهرته قبل الرحيل إلى برشلونة    صندوق مكافحة الإدمان يواصل تنفيذ البرامج التوعوية خلال 2025.. تنفيذ أنشطة في 8000 مدرسة و51 جامعة و1113 مركز شباب للتحذير من تعاطي المخدرات    ضبط قضايا إتجار بالنقد الأجنبي بقيمة 41 مليون جنيه خلال أسبوع    "النجار" يوجه رؤساء الأحياء والمراكز بتوفير أماكن لإقامة شلاتر لتحصين وتعقيم الكلاب الضالة    أبرزها نجوم الهولوجرام، ساقية الصاوي تستعد لمفاجآت فنية وثقافية كبرى خلال يناير    مراسل القاهرة الإخبارية: الاحتلال يستهدف مناطق جديدة جنوب لبنان    جولة مفاجئة لفريق إشرافي بمستشفى حميات الإسماعيلية لمتابعة جودة الخدمات (صور)    اتفاقية تعاون بين بنك المعرفة والمجلس العربي للاختصاصات لدعم بناء القدرات الصحية    الرعاية الصحية: إجراء 2600 جراحة قلب مفتوح للكبار والأطفال بنسب نجاح تضاهي المعدلات العالمية    وزير البترول يعقد اجتماعًا لبحث تطوير منظومة الرعاية الصحية للعاملين    رئيس وزراء بولندا: مستعدون لتقديم العلاج الطبى لضحايا انفجار سويسرا    أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 2 يناير 2026    فيلم الملحد يحقق 2 مليون جنيه في يومين عرض    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    مواعيد مباريات اليوم الجمعة 2- 1- 2026 والقنوات الناقلة    منال عوض تبحث مع قيادات جهاز تنظيم إدارة المخلفات الوضع الراهن لتنفيذ منظومة ادارة المخلفات    الثروة المالية للأسر الألمانية تتجاوز 10 تريليونات يورو في 2025    الصحة: تقديم 1,3 مليون خدمة طبية بالمنشآت الصحية بمحافظة شمال سيناء ..حصاد 2025    كاف يخطر الأهلى بمواعيد مباريات الفريق فى دور المجموعات بدورى الأبطال    الرئيس الصيني يستعد لاستقبال نظيره الكوري الجنوبية في زيارة رسمية الأحد    أيمن أشرف: منتخب مصر يقدم بطولة قوية في أمم أفريقيا    أنجلينا جولى.. صور تبرز الجانب الإنسانى لنجمة هوليود فى مخيمات اللاجئين    أوين: هذا هو ليفربول بدون صلاح    رئيس جامعة طنطا يترأس وفدا طبيا في زيارة تنسيقية لمستشفى 57357    تجديد حبس طالبين 15 يومًا بتهمة انتحال صفة داخل لجان الامتحانات بقنا    النيابة العامة تصدر عدة قرارات حاسمة في واقعة التعدي على طفلة بالعاشر من رمضان    طقس بارد على جميع مراكز وقرى محافظة الشرقية    سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الجمعة 2 يناير 2026    الجيش الإسرائيلي ينشر لواء من الحريديم جنوب سوريا    السيطرة على حريق فى أحد مطاعم المحلة بالغربية    معتز التوني يشعل السوشيال: حاتم صلاح يرفع أي مشهد ويخطف الأنظار    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الجمعة 2 يناير    في خطاب تنصيبه عمدة لنيويورك زهران ممداني يعد بالحكم «بتوسع وجرأة»    طقس اليوم: مائل للدفء نهارا شديد البرودة صباحا وليلا.. والعظمى بالقاهرة 19    التعيين في «النواب».. صلاحية دستورية لاستكمال التمثيل النيابي    علي الحجار يكشف أسرار اللحظات الأخيرة ل«عمار الشريعي»: استنشقنا رائحة طيبة في قبره    المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يؤسس مركزًا إعلاميًا جديدًا    القبض على مسجل خطر سرق أموال النفقة من محكمة الأسرة في الشرقية    القبض على صاحب المطعم و3 من العاملين به في واقعة تسمم 25 شخصاً بالشرقية    كوكب الشرق في وجدان المصريين.. رحلة حب لا تنتهي    المنظمة العالمية لخريجي الأزهر تعلن حصادها داخلياً وخارجياً في 2025    روبي تُبهر جمهورها فى حفل رأس السنة بأبو ظبى    اكتساح في الصالات ومجلس جديد في حصاد الأهلي خلال 2025    أسرار انتقال خطيب مسجد الزمالك للأهلي.. الشيخ عطا يكشف التفاصيل لليوم السابع    الصفقة الشتوية الثانية.. الوداد المغربي يضم نبيل خالي    وكيل الأزهر يعتمد نتيجة المرحلة الأولية من مسابقة حفظ القرآن الكريم    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 1يناير 2026 فى المنيا. اعرف مواعيد صلاتك    ما آداب التصوير فى الحرم؟..وزارة الحج السعودية تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طرق تدوير القمامة المستخدمة فى مصر
نشر في الشروق الجديد يوم 12 - 09 - 2009


1 الجمع والفرز
يجلس ناصر صديق، متعهد جمع قمامة، أمام منزله فى حى أرض اللواء مع زوجته وابنتيه وحولهم «جُنية» القمامة. والجنية، بضم الجيم، هو اللفظ الدارج بين جامعى القمامة لوصف الشوال الملئ بالمهملات، وكأن القمامة محصول يجمعونه.
«أنا ماسك زبالة 30 عمارة فى الجيزة، و3 فنادق فى المهندسين»، يقول ناصر عن مصادر القمامة التى يجمعها. يبدأ مع عائلته فى فك الأشولة وفرز ما فيها. كومة للورق وكومة للبلاستيك وأخرى للصفيح وزجاجات المياه الغازية.
التعاون العائلى فى جمع وفرز القمامة هو الأسلوب السائد بمنطقة أرض اللواء، وغيرها من مناطق تجمع عاملى القمامة، كمنشية ناصر وعزبة النخل. رب الأسرة يستعمل منزله كمخرن وورشة فرز، وأهل البيت هم العمالة المجانية. «الزبال بتاع شركات النظافة بيفرز لحساب الشركة، فمش بيهمه هو بيجمع إيه ويسيب إيه»، يقول ناصر، أما هو وعائلته فيفرزون القمامة بمنتهى الدقة والحماس، «لأن كل مليم من بيع الحاجات دى راجع لجيبنا إحنا».
أسلوب الفرز اليدوى العائلى هو أسلوب شديد الكفاءة. فى دراسة فى 2005 للدكتور وائل صلاح فهمى، الأستاذ المساعد للتخطيط العمرانى بجامعة حلوان، عن أحياء الزبالين، قالت الدراسة إن دقة الفرز فى هذه الأسر قد أوجدت ما قد يعد واحدا من أكفأ نظم فرز القمامة فى العالم.
إلا أن كفاءة نظام الفرز بهذا الشكل البدائى تأتى على حساب صحة العاملين. لا يرتدى ناصر أو أى فرد من عائلته كمامة أو قفازا وهم يمدون أيديهم داخل أكياس القمامة بحثا عن ما فيها من خيرات، رغم أنهم أكثر من يعرفون مخاطر التعامل مع القمامة بهذا الأسلوب اليدوى البدائى.
«فى مرة دخل جوة إيد بنتى إبرة كبيرة وخرجت من الناحية التانية»، يقول ناصر الذى لم يعرض ابنته على طبيب ليعالجها. «إديتها مضادات حيوية وصلت لألف جرام لحد ما خفت وبقت كويسة». ويتذكر ناصر عشرات الحوادث التى مر بها شخصيا أو حدثت لأصدقائه، «وفى مرة عامل كان بيشيل كيس زبالة، وقعت على راسه من الكيس مادة كاوية جابتله صلع».
رغم ذلك لا يعانى ناصر من أى ضيق من عمله، «إحنا وولادنا اتربينا هنا، وبقى التعامل مع الزبالة شىء عادى».
2 مسارات التدوير
بعد الفرز، يذهب ناصر إلى أحد أصحاب الموازين، ليزن حصاد يومه من القمامة. «زمان كنا بنكسب من السكان اللى بنلم منهم الزبالة، ومن بيع المخلفات نفسها»، يقول ناصر، «لكن دلوقتى بعد الشركات الأجنبية ما بدأت فى جمع الزبالة، بقينا نكسب من بيع الحاجات دى بس». ما زاد خسارة ناصر هو أن الشركات الأجنبية قد قللت من فرص الزبالين فى جمع مخلفات المناطق الراقية، وهى المناطق ذات المخلفات الأغلى ثمنا حيث يكثر فيها زجاجات المياه المعدنية البلاستيكية وعلب المياه الغازية.
بعدما يعرف ناصر وزن المخلفات التى جمعها، يتجه إلى يسار المحور بأرض اللواء حيث ورش تدوير المخلفات. بعد خصم ثمن إيجار السيارة المستخدمة فى جمع القمامة وأجور العمالة التى ترفع القمامة إلى السيارة من ثمن بيع المخلفات المفروزة للورش، يتراوح ربح ناصر ما بين 20 إلى 30 جنيها يوميا.
«كل واحد هنا بيتخصص فى نوع معين من الزبالة»
يقول ميلاد توفيق، مدير ورشة لكبس الصفيح. تصطف عشرات الورش البدائية. كل ورشة تشترى نوعا بعينه من القمامة، إما الصفيح أو البلاستيك أو الورق.
ورشة ميلاد ما هى إلا أرض فضاء يكتظ فيها آلاف من علب المياه الغازية الفارغة. على يسار الأرض 3 مكابس بدائية، وحمار يتجول بجوار كومة من العلب الفارغة.
يستأجر ميلاد بعض العمالة اليومية عشوائية الأجر لتشغيلها. يقوم العمال بتجميع العلب وكبسها وتشوينها فى مكعبات متساوية الحجم. يقول ميلاد أنه يكبس تقريبا 12 طنا من علب المياه الغازية شهريا.
الورش التى تجاور ميلاد تكتفى بأنشطة بدائية مشابهة، فورشة تقوم بتطبيق وتجميع الورق الأبيض والورق المقوى،وأخرى تعمل على تكسير زجاجات البلاستيك وطحنه وغسيله.
هذه العمليات البسيطة ترفع من قيمة المخلفات إلى الضعف. فسعر طن زجاجات المياه المعدنية البلاستيك، على سبيل المثال، ثمنه 400 جنيه، وبعد كسره وغسيله فقد يصل إلى ألف جنيه. وفى دراسة أعدتها وزارة البيئة فى 2008، قدرت الدراسة قيمة القمامة فى مصر بستة مليارات جنيه، تتضاعف قيمتها إلى 12 مليار جنيه بعد تحويلها إلى مواد أولية، من خلال العمليات الوسيطة كطى الورق وكبس الصفيح.
3 التصدير
«تصدير المخلفات أحسن ماديا من تصنيعها فى مصر».
يقول حسام مصطفى، نائب رئيس شركة إيجى إندسترى Egy Industry لإعادة تدوير القمامة وتصديرها. تستأجر الشركة مصنعا فى أبورواش تستخدمه فى إعداد البلاستيك للتصدير.
تشترى الشركة سنويا ما يقارب 200 طن من مخلفات البلاستيك السليمة من جامعى القمامة بأنحاء القاهرة، لتقوم بفرزها وتفتيتها بماكينات حديثة ثم غسيلها. وتشترى 300 طن من البلاستيك المفتت بالكسارات العشوائية بمنشية ناصر وأرض اللواء، لتذهب إلى الغسيل مباشرة.
شهريا تحضر الشركة 500 طن من البلاستيك تصدرها بالكامل إلى الخارج، «ومالوش سوق كويس فى مصر»، على حد قول حسام.
عملية تجهيز المخلفات للتصدير، على بساطتها مقارنة بعملية إعادة التصنيع المعقدة، تكلف الكثير. يعدد حسام تكاليف إدارة المصنع، فإيجاره يصل إلى 10 آلاف جنيه شهريا، بالإضافة إلى 4 آلاف جنيه للكهرباء، وألفين للمياه، «دا غير أجور العمال اللى بتوصل 200 ألف جنيه فى السنة».
مجهود إدارة المصنع مقارنة بهامش الربح «مش جايب همه» طبقا لحسام. لذلك فقد قرر مؤخرا أن يكتفى بالتصدير فقط، وأن يبتعد تماما عن عملية الإعداد، بحيث يتولى متعهد آخر تأجير المصنع وشراء البلاستيك جاهزا للتصدير. لذلك يربح أصحاب الورش العشوائية أكثر من أصحاب المصانع الأكثر حداثة.
«مستأجر المصنع حياخد 50 جنيها على الطن. نشترى 200 من المصنع و300 من بره والعملية تمشى».
«الهند والصين أكبر دولتين بيستوردوا مخلفات من مصر»، على حد قول حسام.
يقف حسام أمام أحد مكابس علب المياه الغازية المعدنية بحى أرض اللواء بالجيزة. ينتهى العمال من تحميل سيارات النقل بأطنان من الصفيح. يستخدم حسام كاميرا هاتفه المحمول فى تصوير السيارات والحاويات ليوثق بصوره أن السيارات مليئة بالبضاعة، قبل انطلاقها لميناء دمياط. «العملا بيطلبوا الصور دى قبل ماتوصلهم الشحنة، علشان يتأكدوا من أن الشحنة فى الطريق وأرقام الحاويات».
«مصادر الطاقة فى دول جنوب شرق آسيا غالية جدا»، يشرح حسام، «علشان كدة بتستورد مخلفات صلبة من كل الدنيا». تصدر الشركة ما يقارب 1200 طن من المخلفات الصلبة سنويا، إلى الهند وبنجلاديش والصين وتايلاند وفيتنام.
سعر طن الصفيح انخفض من 1800 إلى 300 جنيه فى النصف الأخير من 2008 بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية.
طبقا لحسام فالهند هى أكثر الدول التى تطلب المخلفات من مصر، يليها الصين. إلا أن الصين يزيد فيها الطلب على المواد البلاستيكية أكثر من أى دولة أخرى. «أمال كل الصناعات الصينى اللى بتيجى مصر من أول الشباشب لحد المنبهات، بيبقى أسعارها رخيصة ليه؟»، يتساءل حسام، ويجيب أن السبب هو استخدام الصين زجاجات المياه المعدنية القابل لإعادة التدوير لبلاستيك PET فى الصناعات الرخيصة التى تغرق بها أسواق العالم، بدلا من تحمل تكاليف إنتاج البلاستيك من النفط الخام. وطبقا لدراسة أعدتها الحكومة الإندونيسية فى 2004، فإن الصين تستورد 12 مليون طن من البلاستيك القابل لإعادة التدوير سنويا، وأنفقت فى 2002 ما يزيد على المليار ونصف مليار دولار فى استيراد البلاستيك من أنحاء العالم.
الأسعار بدأت تعود إلى طبيعتها طبقا لحسام. «حتى لما بيحصل أزمة، انت ممكن تعتمد على الناس دى إنهم يصلحوا اقتصادهم ويرجعوا الأمور لطبيعتها»، فى حين أنه يرى الاقتصاد المصرى يتأثر ولا يؤثر، ولا يمكن الثقة فى تقلبات أحواله.
4 عيوب فى نظام المتعهد العشوائى
«فلوس تدوير الزبالة فى مصر ملاليم لأن مكسبها الحقيقى أكتر من المخدرات».
هكذا يعلق شرف إمام، رئيس مجلس إدارة المكتب العلمى للخدمات البيئية والبيولوجية، على كيفية إدارة المهملات فى مصر.
تخرج شريف فى قسم المايكروبيولوجى بكلية العلوم، جامعة الأزهر. بدأ عمله كموظف بهيئة المصل واللقاح إلى أن قرر أن يستقيل من الهيئة فى 1999 ويدخل فى عالم بيزنس القمامة.
«إدارة المخلفات فى مصر ما فيهاش تخطيط»، يقول شرف، «والشكل العشوائى اللى الأمور ماشيه بيه بيجيب شوية ملايين، لكن المفروض إنه يجيب شوية مليارات».
المثال الأكبر للعشوائية، فى نظر شرف، هو نظام تدوير القمامة فى أحياء الزبالين بالقاهرة والجيزة. «النظام ده بيجيب فلوس كتير، وفيه أحياء كاملة عايشة عليها»، إلا أن أضرارها الاقتصادية والصحية قد تفوق مكاسب التجارة كلها.
الطمع المادى
أول عيب فى نظام الاعتماد على المتعهدين العشوائيين، هو أن همهم الأول هو الكسب المادى، وليس نظافة المكان. «علشان كده تلاقيهم بيجمعوا الزبالة يحطوها فى بيوتهم وشوارعهم»، فأحياء الزبالين بؤر لانتشار الأوبئة والأمراض. وكان مسئولو وزارة الصحة أعربوا مرارا عن مخاوفهم من نشأة طاعون مصرى خالص وأشكال متحورة مميتة من إنفلونزا الخنازير والطيور داخل هذه الأحياء. وحتى الآن لم تقم وزارة البيئة بحل المشكلة، ففى مايو الماضى هدد زبالو منشية ناصر بالإضراب حين تردد أنباء عن نية الوزارة منع دخول المخلفات الصلبة إلى الحى.
اختفاء الخنازير
«العيب الثانى أن الزبالين كانوا بيستعملوا المخلفات العضوية فى أكل الخنازير بدل استخدامها فى السماد، ودا بيفيد الزبال لكن بيضر بالمجتمع». قبل قرارات ذبح الخنازير، كانت القمامة العضوية تقدم طعاما للخنازير. وكان الزبالون يستفيدون من تربية الخنازير على مدار حياتها من خلال بيع مخلفاتها كسماد بلدى غنى بالمواد العضوية، ويستفيدون بالطبع من ذبحها وبيع لحومها.
«لكن المخلفات العضوية اللى كان بياكلها الخنازير، بتكون عفنت من الشمس ومليانة بكتيريا»، يشرح أشرف، «وبالتالى فديدان بطنه وجراثيمها بتكون موجودة فى معدته ومخلفاته»، وبدورها تنتقل تلك الديدان والجراثيم إلى الخضراوات والفاكهة بالحقول التى تستخدم فى مخلفات الخنازير فى التسميد لتصيب آكليها بالأمراض.
بعد ذبح الخنازير صار الزبالون يهملون جمع المخلفات العضوية، أو يلقون بها فى مقالب الزبالة. «والمقالب لوحدها مشكلة، لأن كتيرا منها غير مطابق للمواصفات الصحية»، يقول شرف، شارحا أن كثيرا من المقالب غير مجهزة بأرضية خرسانية، مما يجعل بكتيريا القمامة المتعفنة تتسلل عبر الأرضية الترابية إلى المياه الجوفية.
«أنا كنت عايز أعمل محرقة فى مقلب شبرمنت»، يقول شرف، «وفوجئت بوزارة الصحة ترفض طلبى لأن المقلب غير مطابق للمواصفات»، وهو ما كان مفاجأة لشرف، فالمقلب يستخدمه جميع جامعى القمامة بأرض اللواء، إضافة إلى الشركات الأجنبية المتعهدة بنقل قمامة الجيزة والقاهرة.
البديل الجاهز للإلقاء مقالب القمامة لدى الزبالين هو الحرق، وهو أحد الأسباب الرئيسية للسحابة السوداء للقاهرة.
العشوائية والغش
«العيب الثالث هو أن المتعهدين دول مستحيل يقدروا يتوسعوا ويطوروا فى شكل نشاطهم»، فكل عامل يجمع على قدر ما يستطيع أن يدوره مع أسرته ومساعديه من العمال إن وجدوا. إضافة إلى أن أغلبهم يعمل بشكل غير رسمى وبلا شهادات ضريبية.
أما العيب الرابع، وقد يكون الأخطر، هو قيام هؤلاء المتعهدين بتدوير مواد غير قابلة للتدوير. مثل بيع مخلفات المستشفيات والعيادات لمصانع البلاستيك، فالمخلفات الطبية تصنع من بلاستيك شديدة الجودة والسمك يرفع من سعرها. ويزعم شرف أن بعض متعهدى القمامة يبيعون أعقاب السجائر ومخلفات تبغ المقاهى لمصانع المعسل.
«الناس لما اتعلمت الفرز من المنبع سابونى وبقوا يبيعوا لحسابهم»، كما يحكى أشرف، الذى مزجت شركته بين عملية الجمع والفزر والتوريد للمصادر وبعض أنواع التصنيع.
قصة نجاح
تكاليف المشروع كانت رخيصة مقارنة بالمكسب. أجور العمال والسيارة والمحصلين لا تزيد على 7 آلاف جنيه. وتصريح المحافظة بجميع مبالغ التأمين لا تتجاوز 5 آلاف جنيه. ويحصل شرف 4 جنيهات من كل شقة يجمع منها القمامة. ووصل مكسب شرف إلى مليون جنيه سنويا.
كان شرف يبيع البلاستيك والورق والصفيح للمصانع كغيره، إلى أنه زاد عن نشاط التدوير الأولى التقليدى استعمال المخلفات العضوية فى إنتاج سماد عضوى عالى الجودة يستخدمه فى مشتله الخاص. ويستخرج شرف من بقايا الطعام مخصبات حيوية للزرع ثمن اللتر الواحد منها 90 جنيها.
«حاولت أدخل فى المنطقة اللى أنا فيها ثقافة الفرز من المنبع»، يقول شرف، وهو ما نجح فيه بالفعل، إلا أن نجاحه قد أدى إلى انخفاض دخله بشدة وتوقف مشروعه فى النهاية.
«قبل دخولى البراجيل، كان بياعين الروبابيكيا يلفوا حوالين الشوارع والترع يلموا منها الزبالة»، ولكن بعد بداية شرف لنشاطه لم يعد لباعة الروبابيكيا رزق فى المنطقة. «وزعت على البيوت أكياسا لفرز القمامة، وطلبت منهم أن يوزعوا فى الأكياس مخلفات البلاستيك والورق والزجاج. «بعد 7 سنين من الشغل فى البراجيل الناس فهمت قيمة الزبالة»، يقول شرف. وكانت النتيجة أن أصبح السكان يفرزون قمامته ثم يبيعونها لحسابهم الخاص إلى باعة الروبابيكيا. «بعض البياعين كانوا بيقايضوا ستات البيوت، ياخدوا منهم زبالة، ويدوهم فى المقابل صابون سايل وسلك مواعين».
وأسباب الهروب
لأن «سعر طن الزبالة الخليجى أغلى من برميل البترول»، قرر شرف الانتقال إلى دولة الكويت، وافتتح فرعا لشركته هناك منذ سنة بعد توقف مشروعه فى مصر. «أنا دلوقتى داخل فى مناقصة كبيرة للحكومة الكويتية، وبعمل دراسة كاملة عن إدارة المخلفات الصلبة هناك».
السبب الرئيسى لهذا الانتقال هو أن قمامة دول الخليج الغنية ليها قيمة اقتصادية ضخمة، نظرا لجودة وفخامة تغليف المواد الغذائية هناك. «أنا وعدت الحكومة الكويتية بأنى لو فزت بالمناقصة حادى كل بيت أجمع منه مخلفات 20 دينارا فى الشهر، وكل عامل حياخد من ألف لألفين دينار كويتى»، وهو ما يوازى 40 ألف جنيه مصريا. «أؤكد لك أن ثمن طن الزبالة الخليجى أغلى من برميل البترول».
يقول شرف إنه على اتصال بشركات ومسئولين فى دول عربية مختلفة، كعمان وقطر ودبى. وأنه يأمل أن يتوسع فى نشاط تصنيع المخلفات. «فيه شركات صينية بتفاوض معاها عشان تعمل مصانع تدوير فى الأماكن اللى أنا فيها، بدل ما نصدر لها المواد الخام».
ويأمل أيضا أن يطبق فى الخليج التكنولوجيات التى لم يملك الإمكانات الكافية لتطبيقها فى مصر. «ورق الشجر على سبيل المثال، بيستخرج مواد تساعد على الحفاظ على نسبة المياه فى الأرض الزراعية»، يقول شرف، «حتى فروع الشجر الميت، بيتم تلوينها بمواد خاصة تحافظ عليها من التحلل، وتستخدم فى تجميل الحدائق».
يتمنى شرف أن يستطيع العمل فى مصر مجددا، إلا أن ما يمنعه هو «أن كوم الزبالة فى مصر عايش عليه كلاب ومعيز وحمير وخنازير ومتعهدين وأحياء كاملة». تشكل القمامة مصدر الدخل الوحيد لآلاف العاملين عليها، من جامعين وفرازين وعاملى تدوير. إلا أن نشاطهم العشوائى يخرب أى فرصة فى نجاح استثمار جاد وعلمى لتدوير القمامة المصرية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.