بعد يوم من قتل امرأة برصاص ضابط، قوات اتحادية تطلق النار على شخصين في بورتلاند    الأوقاف: أكثر من 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام في السنوات العشر الماضية    وزير الزراعة: أسعار الدواجن أقل بكثير من العام الماضي.. ولا 8 جنيهات ولا ال 35 سعر مقبول للكتاكيت    سر وجوده في مسجد قبل معركة عبرا ومواجهة مرتقبة مع الأسير، تفاصيل جلسة محاكمة فضل شاكر    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    نتيجة مباراة المغرب والكاميرون.. بث مباشر الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تفاصيل عرض الاتحاد السكندرى لضم أفشة من الأهلي قبل إعلان الصفقة خلال ساعات    دومينيك حوراني تنضم إلى «السرايا الصفرا»... خطوة مفاجئة تشعل سباق رمضان 2026    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    كييف تحت القصف.. طائرات مسيّرة روسية تشعل حرائق في أحياء سكنية    أمطار غزيرة تواصل ضرب الإسكندرية والمحافظة ترفع درجة الاستعدادات القصوى (صور)    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    إدارة ترامب تدرس دفع أموال لسكان جرينلاند لإقناعهم بالانضمام لأميركا    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    بنك القاهرة يحصد جائزة الأفضل في مجال ائتمان الشركات من World Economic    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    نيويورك تايمز عن ترامب: الصين وروسيا لن تستخدم منطق إدارتي وفنزويلا تهديد مختلف عن تايوان    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    آخر تطورات سعر الدينار البحريني أمام الجنيه في البنوك    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    الصحة تتابع الاستعدادات الطبية لمهرجان سباق الهجن بشمال سيناء    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سؤال «الشرعية» الغائب .. ما بين السياسة والاقتصاد
نشر في الشروق الجديد يوم 02 - 07 - 2017

كما أن من طبائع الأمور أنه ليس بإمكانك، عند مفترق طرق أن تتجه بإحدى قدميك إلى اليمين وبقدمك الأخرى إلى اليسار. فكذلك لا يحتاج الأمر إلى أكثر من الاطلاع على أبسط الكتب الدراسية لندرك أن هذا هو حال الاقتصاد والسياسة؛ وجهان لعملة واحدة. فهل حقا لدينا عملة واحدة؟ أحسب أن هذا هو «سؤال الشرعية» الذي نغفل عنه.
ما يبدو صارخا من تناقض بين ما هو «سياسة» وما هو «اقتصاد»، يحمل في طياته علامة استفهام كبرى حول «الشرعية» اللازمة لاستقرار النظام
عشية الثلاثين من يونيو، التي يحاول البعض أن يجعلها عنوانا «لشرعية النظام القائم»، وبعد ساعات فقط من مانشتات للصحف «الرسمية» تحمل تصريحات «رسمية» تنفي زيادة أسعار الوقود، جاءت التعليمات «الليلية كالعادة» بزيادة تلك الأسعار (للمرة الثانية خلال ثمانية أشهر). لا مفاجأة هناك. فمنذ أن جرى الاتفاق مع صندوق النقد الدولي قبل حوالي العام، وتلك إجراءات وقرارات معروفة مسبقا. (للتذكير فقط، فمصر التي تقترض اليوم 12 مليارا رفضت في 2011 قرضا بثلاثة مليارات من الصندوق ذاته «بدعوى الحفاظ على استقلالية القرار الوطني وعلى سيادة مصر»).
لا أجادل في مدى «الحتمية الاقتصادية»، أو خطورة قرارات الاقتراض تلك، فللموضوع متخصصوه. ولكن إذا كان من نافلة القول أنه ليس بإمكانك، عند مفترق طرق أن تتجه بإحدى قدميك إلى أحد طريقين، في حين تتجه بقدمك الأخرى إلى الطريق الآخر.. وإذا كان مما لا يحتاج إلى دليل أن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، يصبح ما يبدو من تناقض «غير مسبوق» بين وجهي العملة في الحالة المصرية، لا يدعو فقط إلى التندر، أو إلى الحذر من عواقب ما تبدو نذره في الأفق، بل لعله يحمل في طياته علامة استفهام كبرى حول «الشرعية» اللازمة لاستقرار أي نظام.
كما كان مثيرا أن يتواكب الإعلان عن الاستدانة (قروض تصل إلى 20 مليارا من الدولارات) الصيف الماضي مع حديث إعلامي عن «إنجازات اقتصادية» غير مسبوقة، كان من المثير أيضا أن تتواكب حملة تلفزيونية عن الإنجازات (بمناسبة 30 يونيو) مع الإعلان «غير المفاجئ» عن زيادة أسعار الوقود لتصبح الأعلى تقريبا في العالم كله مقارنة بمتوسط دخل الفرد (راجع الأرقام الواردة في تقرير Bloomberg إبريل 2017). وبغض النظر عن المفارقات، وما أكثرها في واقعنا «غير المسبوق»، يبقى المسكوت عنه، أو بالأحرى، ما لم يلتفت إليه أحد (كما أشرت فيما كتبته في تلك الصفحة عشية الاتفاق مع صندوق النقد الذي كانت زيادات هذا الأسبوع ضمن مترتباته) هو مدى تأثير مثل هذه الإجراءات، أيا ما كانت ضرورة الإذعان لها على «العقد الاجتماعي» الذي كان حاكما (ولو نظريا) للنظام السياسي في مصر لأكثر من ستين عاما. والذي أعطى واقعيا هذا النظام «شرعيته» السياسية. كنظام ينتظر منه الناس أن يلتزم بتوفير حاجاتهم من مأكل وملبس ودواء وغير ذلك من السلع والخدمات فضلا عن الوظائف «التي هي حق لكل مواطن» مقابل احتكار (واقعي) للجماعة الحاكمة للسلطة والقرار.
***
للنيوليبرالية اقتصاديًا شروطها السياسية، كما أن للدولة الشمولية سياسيًا متطلباتها الاقتصادية، فحذارِ من اللعب على الحبال
أرجو أن يأذن لي القارئ الكريم، بأن أشير إلى ما سبق أن أشرت إليه حينها مما يعرفه دارسو العلوم السياسية من أن «الدولة الريعية»، وفي منطقتنا المثال النموذجي لها لم تكن واقعيا مجبرة على تطبيق مبادئ الحوكمة اللازمة لرشادة اقتصاد السوق. والقائمة على سيادة القانون، والحريات السياسية، والشفافية، والمحاسبة، والفصل الحقيقي بين السلطات. واللازمة لخلق بيئة مواتية للنمو الاقتصادي، والاستقرار السياسي والمجتمعي. وذلك ببساطة لأن كفاية الموارد الطبيعية تمكن الدولة من تقديم جميع الخدمات لمواطنيها دون الحاجة إلى فرض ضرائب. وبالتالي يتنازل المواطنون طواعية أو (بحكم ما جرت عليه العادة والتقاليد «القبلية») عن المشاركة الحقيقية في الموارد، واتخاذ القرارات، ورسم السياسات. وبغض النظر عن مدى «صحة وحيوية» هذا النموذج، وقابليته للعيش المستدام في عالم شاب زالت فيه حدود «المعرفة» والطموح، فغني عن القول أننا في مصر أبعد ما يكون موارد وخدمات عن هذا النموذج وعن الاستناد إلى أنماط «الشرعية» القائم عليها؛ «الرفاه مقابل الحرية».
يومها أشرت أيضا إلى ما يعرفه دارسو التاريخ والنظم السياسية عن «الدولة الاشتراكية» في النصف الثاني من القرن العشرين، وكيف قدمت نموذجا ل«الشرعية» يقوم على الالتزام (أكرر: الالتزام) بتوفير كل حاجات المواطنين من سلع وخدمات ووظائف حكومية. مقابل «احتكار» واقعي من الجماعة الحاكمة (الحزب، كما تقول النظرية / أو الزعيم، كما كان في الواقع) للسلطة والقرار.
والسؤال: أين نحن (واقعيا) من هذا أو ذاك؟ أو كيف سنصير (واقعيا) بعد الالتزام «الضروري» بمتطلبات القرض «الضروري»؟
لن أناقش هنا إن كنت مضطرا للإذعان لشروط صندوق النقد «النيوليبرالية» تلك من تحرير سعر الصرف، ورفع الدعم «وأن يدفع المواطن الثمن الكامل لما يحصل عليه من خدمات» كما يقول الخطاب الرسمي المعلن. ولكن يعرف القاصي والداني، أن الدول التي تعتمد مثل تلك السياسات (ولن أقارن هنا التفاوت الحاد في مستوى المعيشة) تقوم شرعيتها السياسية، على عقد اجتماعي يوفر للمواطن مشاركة حقيقية وفعالة في القرارات، مادام هو مطالب في النهاية بتحمل تبعاتها المادية. دون أن يكون محظورا عليه مثلا الحديث في أمر المفاعل النووي المزمع إنشاؤه بقرض يصل إلى 25 مليارا من الدولارات (450 مليارا من الجنيهات المصرية)، ودون أن يكون محظورا عليه الاعتراض على إهدار الموارد المحدودة على ما سمي «بمشروعات كبرى» لم يثبت حتى اللحظة جدواها الاقتصادية (تفريعة القناة مثالا).
في الدول التي يدفع فيها المواطن ثمن ما يحصل عليه من خدمات (مع الإشارة إلى أن هذا أصلا ليس صحيحا على إطلاقه)، يكون للمواطن حق الإضراب، والتظاهر، والحق في تكوين النقابات المستقلة. في مناخ سياسي منفتح لا تفرغ فيه هراوة الأمن «أو ألاعيبه» النصوص الدستورية من مضمونها.
في مثل تلك الدول، تقوم «الشرعية» السياسية على إطلاق الحريات العامة، وحرية التعبير الحقيقية، والحوكمة والشفافية، ومناخ يوفر مشاركة حقيقية لمنظمات المجتمع المدني والجماعات السياسية.
أين نحن «واقعيا» من ذلك كله؟ أحسب أننا جميعا نعرف الإجابة.
خلاصة القول إذن أنه قد يمكن لذوي الأمر في «الدولة الريعية» اعتماد شرعية «الرفاه مقابل الصمت»، كما يمكن في «الدولة الشمولية» اعتماد شرعية أن تتكفل الدولة أو الحزب بجميع احتياجات المواطنين «مجانا» مقابل «تفويض» النخبة الحاكمة في إدارة شئون البلاد. وفي الحالتين، قد تسمح مساحة «الرضا المجتمعي» باستقرار المعادلة. أما حين يكون هناك من يطلب من مواطنيه التقشف، دون أن يكون «دافعو الضرائب» شركاء «حقيقيين» في إدارة أمور بلدهم، فذلك مما لم تثبت تجارب التاريخ أنه أدى إلى استقرار من أي نوع. ناهيك عن أي معالجة للمشكلات الاقتصادية باعتماد روشتات الاقتصاد «الحر» في غياب «حرية» السياسة ومعاييرها المعروفة.
***
مظاهرات الخبز - يناير 1977
السؤال هو: كيف تؤثر مثل تلك القرارات على «العقد الاجتماعي» الذي كان حاكما للنظام السياسي في مصر لأكثر من ستين عامًا
لا تكمن مشكلة «الاقتصاد» لدينا فقط في عدم تجانس سياساته مع ما اعتمده النظام من «سياسة»، بل لعل بعض جوانب المشكلة تكمن أصلا فيما هو «سياسة»، وما يظنه البعض يصلح كأساس «لشرعية» هذا النظام.
أذكر حين كنت أشارك في جلسات المشروع الذي تم إجهاضه «لرؤية مصر 2030» أن وقف «أحدهم» ليعترض على إضاعة الوقت في صياغة أهداف وخطط تفصيلية للوصول إلى ما نتصوره لازما لمستقبل نرجوه لهذا البلد. يومها قال بأعلى صوته (ربما ليسمعه ذوي الشأن): «نحن لا نحتاج لكل هذا النقاش، وكل هذه التفاصيل، فلدينا زعيم ملهم، وعلينا فقط أن نُخلص في السير وراءه». انتهى الاقتباس.
دعونا نعترف أن «رؤية» صاحبنا التي علا صوته بها يومها ليست الوحيدة، فمثله كثيرون، من علية القوم وبسطائهم. من الذين يروجون لشرعية «السلطة المطلقة»، أو على الأقل يغضون الطرف عنها، ثم يشكون من الأزمة الاقتصادية متغافلين عن حقائق باتت محسومة في عالم العلاقة بين السياسة والاقتصاد. فحيث «السلطة المطلقة»، تغيب ثقافة الشفافية والمحاسبة ليحل محلها ما ألفناه في مجتمعاتنا من ثقافة حجب «وحصانة سيادية»، من شأنها، كما قرأنا في الكتب أن توفر البيئة المثالية لنمو طبقة «الأوليجاركيا» التي تقتات تقليديا على النفوذ والسلطة والفساد. ومن ثم ثروة البلاد والعباد، فلا تترك للناس غير الغلاء والفقر.
تقول لنا الكتب أيضا، وتحكي لنا تجارب السابقين كيف تحتمي «السلطة المطلقة» خلف شبكات الأوليجاركيا المتشابكة؛ مؤسسات أمنية / عسكرية وتشريعية وإعلامية وجهات إنفاذ القانون. فتغدق عليها المنح والمزايا لتُكون طبقة حامية سميكة من «جماعات المصالح» المتشابكة. التي يصبح دفاعها عن مصالحها، بحكم الواقع دفاعا عن «النظام» في ذاته.
في مجتمعات «السلطة المطلقة» لا مكان لاستقلال الجهات الرقابية أو المحاسبية أو القضائية، كما تقضى قواعد الحوكمة أو الدساتير الحديثة (ومنها دستورنا الحالى بالمناسبة) بل لتشريعات «مفاجئة» فُصلت لتختصر السلطة كلها في يد واحدة. راجعوا من فضلكم التعديلات التشريعية لقوانين الجهات الرقابية والقضائية التي صدرت على مدى السنوات الأربع الماضية.
في دولة «السلطة المطلقة» يتحصن الفساد بمثل نصوص القانون رقم 16 لسنة 2015، والذي أصدره الرئيس قبل عامين، وسبقني في التنبيه لمخاطره في حينه الأساتذة عبدالله السناوي وحمدي رزق.. وآخرون. فضلا عن ابن القوات المسلحة المهندس يحيى حسين عبدالهادي والذي أطلق عليه «قانون ادخلوها فاسدين»، في مقاله المنشور بالأهرام، قبل أن تمنع مقالاته من النشر في الجريدة «القومية» التي يفترض أن تكون لسان حال «القوم» أي الناس لا السلطة.
بمقتضى هذا القانون (الرابط لمناقشته تفصيلا هنا) يصبح للسلطة «التنفيذية»، لا القضاء «المستقل» القول الفصل والنهائي في جرائم المال العام. وبمقتضاه تُصبحُ قرارات «اللجنة الوزارية» أقوى من قرارات محكمة النقض ذاتها.. لا بأس، فإعلامهم يحدثك يوميا عن مكافحة الفساد.. وعن أننا بلد فقير(!).
في مجتمعات «السلطة المطلقة»، غير مسموح للصحف أن تكشف عن أن منتسبي هذه الجهة أو تلك لا يدفعون الضرائب في بلد يقول رئيسه «إننا فقرا قوي»، فنقرأ خبر مصادرة (أو بالأحرى عدم طباعة) جريدة الوطن التي تجرأت فحاولت نشر تحقيق «موثق» حول الموضوع (مارس 2015).
في دولة «السلطة المطلقة» تزدهر مراكز القوى ونفوذ الحواريين والأوامر السيادية. ويغيب «خوفا أو يأسا» الرأي الآخر، ودراسات الجدوى. والتحذير من المخاطر. ويكون طبيعيا أن يعرف الاقتصاد أزمته، وأن يعرف الناس الفقر. وأن نغرق الأجيال القادمة في الديون.
في مجتمعات «السلطة المطلقة» لا مكان لاستثمار حقيقي يعمل على نمو حقيقي. لا اقتصادي إلا ويعلم أن «التصنيف الاقتصادي» لدولة ما يرتبط بالوضع السياسي بذات القدر الذي يرتبط فيه بالأداء الاقتصادي. كما يعلم أن السمعة الاقتصادية الحسنة، هي قرين الديموقراطية بضوابطها المعروفة في أغلب الأحوال.
***
ما هي مؤشرات قدرة النظام السياسي على مكافحة الفساد الذي هو داء أي اقتصاد. هذا هو السؤال الثاني
في مجتمعات «السلطة المطلقة» يزدهر الفساد «والإفساد». وإذا كانت الاقتصاديون قد استقروا على أن الشفافية هي النقيض الموضوعي للفساد، وإذا كانت «المؤشرات» والمقاييس المعتمدة تغنينيا عن أي اجتهاد. وإذا كنا نبحث عن خطة طريق جادة لإصلاح اقتصادي «حقيقي» ينتشلنا مما نحن فيه. (وليس مجرد الإذعان لشروط المقرضين، سعيا وراء مزيد من القروض والديون) فيكفي إن نلقي نظرة على مكان مصر في التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية، وهو أحد معايير «التصنيف الاقتصادي» للدولة، والذي يسترشد به المستثمرون «الجادون»، لا أولئك «المغامرون المضاربون».
تعتمد نتائج التقرير الدولي السنوي على «مؤشرات» محددة، متفق عليها لقياس البيئة المساعدة على الفساد في أي مجتمع أو نظام سياسي. ليخرج بترتيب للدول حسب درجة الشفافية التي هي آصطلاحا نقيض للفساد.
في تقرير 2017 الصادر في يناير من هذا العام كانت الدنمارك الأكثر شفافية والأقل فسادا، واحتلت المرتبة رقم واحد، وجاءت الصومال في ذيل القائمة (ترتيبها 176) أما مصر فتراجع ترتيبها إلى المرتبة (108)
في وجود «المقاييس» لا يوجد اجتهاد. وكلنا نعرف ما هي المؤشرات التي باتت معتمدة لقياس قدرة أي نظام سياسي على محاربة الفساد، والتي من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
وجود مراقبة حقيقية، عبر برلمان «حقيقي» يحاسب ويراقب.
توسيع نطاق المساءلة والمراقبة لكافة المؤسسات والجهات (دون استثناء لجهة أيا كانت)
قضاء مستقل استقلالا حقيقيا.
استقلال «حقيقي» للجهات الرقابية، وحصانة حقيقية لمسؤوليها من العزل أو التنكيل.
إصدار قوانين لحماية الشهود، ومنع تضارب المصالح، والإفصاح عن الذمة المالية.
وجود منظمات مجتمع مدني مستقلة وقوية
حرية تعبير، وإعلام مستقل (لا تسيطر عليه مؤسسات الدولة من خلف ستار)
حرية تداول المعلومات.
أعود وأقول: في وجود «المقاييس» لا يوجد اجتهاد. وكما يذهب أي منا إلى معمل التحليل ليعرف نسبة السكر في الدم أو معامل الترسيب، أو غير ذلك من «المؤشرات» الدالة على حالته الصحية. وليس الاكتفاء بقول هذا أو ذاك أن «صحتك زي البمب»، فتلك هي المؤشرات التي اتفق عليها العالم لقياس قدرة النظام السياسي على مكافحة الفساد الذي هو داء أي اقتصاد. فهلا عرفنا «الدواء»
***
وبعد..
فخلاصة القول، أنه في غياب دولة دستورية معاصرة تقوم علي المواطنة، والمشاركة الحقيقية للمجتمع المدني والجماعات السياسية، وتحترم حقوق الإنسان وحرية التعبير والحق في الإضراب والتظاهر، وتكوين النقابات المستقلة، وتعرف أن الشفافية هي السبيل الوحيد لمحاربة الفساد يصبح «سؤال الشرعية» مطروحا، وإن تجاهلناه أو أنكرناه. فلا نموذج الخليج النفطي صالح في بلد يعيش 27٪ من مواطنيه تحت خط الفقر، ولا نموذج «دولة ماو تسي تونج» الطوباوية (أو الشمولية) الذي تتكفل فيه الدولة بتقديم كل الخدمات مجانا لمواطنيها (كما كان هو حال هذا البلد في ستينيات القرن الماضي) يمكن أن نتصور وجوده في دولة ترفع الدعم وتفرض مزيدا من الضرائب كل يوم، ويقول مسؤوولوها إن على المواطنين أن يدفعوا ثمن ما يقدم لهم من خدمات.
هو باختصار، كما قلنا سابقا ضرب من «الشيزوفرينيا» الفكرية، عندما تعتقد أن الاقتصاد لا علاقة له بالسياسة. أو عندما تتصور أن بإمكانك أن تحكم بطريقة «السوفيت» الستينية، في حين لا تقدم للناس (كل الناس) ما يكفي من غذاء ومسكن ودواء وفرص عمل. «من كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته» حسب قولة كارل ماركس الشهيرة.
«الاختيار لك» كما كان الإعلان الشهير يقول:
1 إما «شرعية عقد اجتماعي» يقوم على أسس دولة معاصرة.
2 أو دولة تتكفل بالإنفاق على حاجات مواطنيها.
… لابديل آخر.
……..
ثم إذا كان الحديث بالحديث يذكر، فقد يبقى على هامش هذا كله أن على الذين يشكون الفقر «وغياب البركة» أن يتذكروا قولة ابن خلدون الشهيرة «الظلم مؤذن بخراب العمران».. في مثل تلك مناسبة، انظروا حولكم جيدا.
لمتابعة الكاتب:
twitter: @a_sayyad
Facebook: AymanAlSayyad.Page
روابط ذات صلة:
«الشرعية» البديل.. حديث سياسي في الاقتصاد
أسئلة الاقتصاد .. ودولة الصوت الواحد
حديث الفساد والقانون
2030 (ق م)
عن الخليفة والأمير والرئيس.. «والثقافة الحاكمة»0
تقرير BBC حول مظاهرات الخبز مارس 2017


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.