في القرن الثالث عشر الميلادي كان الإمبراطور المغولي جنكيز خان عندما يشرع في غزو الممالك الواقعة على أطراف دولته، يقوم بإرسال جواسيس و عملاء متمرسين في فنون الدعاية و بث الشائعات. مهمتهم الرئيسيه هي ترويج الأساطير حول قوة المغول و طبائعهم الشرسة، و أعداد جيوشهم التي لا يمكن حصرها كحصوات رمال الصحراء، ثم الاستطراد في الحديث عن مصير الشعوب التي أبت الاستسلام لهم من قبل، و ماذا كان مصيرهم من حرق للمدن و قتل و تشريد و سبي، ليكونوا عبرة لمن لا يعتبر. فيشعر سكان هذه البلاد بأن مقاومة جحافل المغول مستحيلة، و أن نهايتهم ستكون حتما الهلاك إذا فكروا في ذلك. رغم أن بعض الدراسات التاريخية قد اثبتت أن أراضي وسط اسيا لم تكن لتستوعب كل تلك الأعداد الهائلة للسكان و التي من المفترض أن تكون موطن القبائل المغولية في تلك الفترة، و ذلك بالمقارنة بأراضي الأمم المجاورة التي كانت تكتظ بعدد سكان أكثر. فكان التكتيك المغولي في الحرب النفسية هو سر النجاح الذي جعل ملك جنكيز خان يمتد من كوريا شرقا الى عمق القارة الأوروبية غربا. و هذا النمط من أنماط الحرب النفسية يقوم على بث الرعب في القلوب و يشجع على استشراء روح الانهزامية بين الناس، فتغيب القدرة على المواجهة و قبول صور الذل و الخضوع للعدو أيا كانت في سبيل البقاء، و إن كان هذا الأسلوب أكثر شيوعا في القرون السابقة. لكن مع تقدم العلم الحديث أصبحت هناك وسائل جديدة وصلت إلى حد يجعلها تبدو أكثر قبولا لدى من يتجرعها. و هذا ما توصل اليه علماء النفس من زبانية حروب الجيل الرابع في القرن العشرين، بل قام هؤلاء العلماء بتتبع مجريات التطور التكنولوجي ليكون أداة مسخرة لهم، تساعدهم على التحكم بعقول الأمم و توجيهها إعلاميا أينما يريدون. فمع انتشار الانترنت و ظهور مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت قدرتهم على تحقيق عنصر التلاعب النفسي بالشعوب أعلى، فمن السهل نشر الفتن و الشائعات المغرضة عن طريق سماسرة لهم في كل مكان، و نشر أفكار و ثقافات هدامة من الدرجة الأولى، مستغلين ارتفاع نسب الجهل و الامية الثقافية خصوصا في الدول النامية. و بينما تنهمك تلك الشعوب في صخب مشاكلها اليوميه تجد في وسائل التواصل الاجتماعي المأوى و الملاذ الذي يخفف عنها ذلك الصخب. فقد اتجه أباطره الجيل الرابع من الحروب نحو تلك المواقع و اتخذوها نقطه إنطلاق مهمة لتحقيق مخططاتهم لهدم و تقسيم الأوطان بزرع الفرقة و تهويل الاختلافات و تدمير الأخلاق، إلى جانب التشكيك المستمر في كل ما هو إيجابي و زعزعة الانتماء للأوطان، فتخلق فئة جديدة من السوداوين و تنتج اجيالا من العدميين المتشائمين المتهكمين على كل شىء. لكن كيف يمكن لذلك أن يتحقق بسهولة ؟ و كيف يمكن ان يتوافق هدفهم مع أهواء الأشخاص؟ بالتاكيد هناك أسلحة كثيرة في هذا النوع من الحروب لا تكفي كي نسرد لها، بل تحتاج إلى كتب و مجلدات إذا أردنا دراستها بالتفصيل. و من ضمن تلك الأسلحة و أهمها سلاح السخرية. ولا عجب فالسخرية من القيم و الآداب هي طريق المجتمع نحو الهاوية، خاصة عندما تتجاوب مع النوازع الطفولية الساذجة للأجيال الجديدة و هم في طور نشأتهم. فهي تدفعهم الى الإقتداء بالتفاهات و ترك المبادىء الخلقية الهامة، و تفريغ قيم الانتماء من داخلهم بشكل تدريجي و استبدالها بقيم العولمة الدخيلة. و في هذه الحاله لا يجب أن ننظر إلى مجملها بغرض التسلية او المتعة، بل نحتاج الى صحوة مجتمعيه شامله يكون محورها الأسرة و التعليم. و السخريه سلاح ذو حدين يمكن استغلالها بصورة إيجابية أو سلبية، فغالبا ما يستتر المغزى خلف رونق المظهر. و إن كانت تلك هي الوسيلة لإخراج الناس من حالة الهم إلى الغوص في عالم افتراضي اخر، عالم يتوافق مع أمزجة و أهواء مؤقتة للبشر. فمن أخطر مظاهر السخرية على المجتمعات و أهمها هي السخرية من الوطن و التشكيك في مؤسساته لدرجة تنتزع الثقة و الانتماء من صدور الشباب و تزول معها هيبة الدولة من نظرهم، بالإضافة إلى التهكم على أي إنجاز و تسليط الضوء على السلبيات لا غير. حتى يصل الشباب الى مرحلة تتبخر فيها الآمال و يتمكن منهم الإحباط بصورة مرعبة، فيظنون أن أحلامهم لن تتحقق إلا بالهجرة او السفر للخارج و أن بلدهم يستحيل العيش فيها. و هذا ما تروجه تلك الوسائل لكن بطريقة غير مباشرة، تقوم من خلالها بمخاطبة الوجدان و الشعور الذان يحركان العزيمة. فتتحول نظرة الشباب للمشاعر الوطنية الجارفة إلى مجرد شعارات جوفاء لا تنفع و لا تضر، و من ثم تظهر لنا أجيالا تجهل معاني الإنتماء للوطن. و هذه ليست دعوى لقتل روح النقد للسلبيات، بل إن النقد حق من الحقوق الديموقراطية التي يكفلها الدستور، لكن من المفترض أن يكون هذا النقد بناءا و ليس هداما، فذلك النوع من النقد هدام لأنه يهدم الأمل بالاحباط ويبطل العزيمة بالتشاؤم. إنه إرهاب من نوع خاص، إرهاب لكريات الدماء الحيوية التي تثير الأمل و تيقظ الإرادة في أعصاب الرأس. إرهاب قادر على هزيمة الشعوب بدون حرب طالما غاب الوعي و انعدمت الثقافة و القدرة على النقد الموضوعي. فأكثر ما يحتاج إليه مجتمعنا اليوم هو الوعي و الإدراك التام لما يحاك لنا من حروب تهدف إلى تدمير الانسان من الداخل أولا، و أن زرع روح الاحباط و الإنهزامية هو طريق الاعداء لتحقيق هدفهم المشين. فاحذروا...