على بعد خطوات من مدخل باب الفتوح، تحديدا بجوار سور القاهرة الشمالى، يقع جامع الحاكم بأمر الله، حيث يحدُّه من الشمال سور القاهرة الشمالي وباب الفتوح، ومن الجنوب بعض المنازل الحديثة، وتلاصقه من الجهة الشرقية وكالة قايتباي، وتطل واجهته الغربية على شارع المعز، وهو أحد أهم المساجد الأثرية في تاريخ مصر الزاخرة بالتحف المعمارية الإسلامية، ويعد الجامع أحد رابع المساجد الجامعة الباقية بمصر، بعد جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وجامع أحمد بن طولون بالقطائع، والجامع الأزهر بالقاهرة، وربما لا يعرف الكثيرون أنه بينما يصطف المسلمون " السنة " أمام شركات الطيران للسفر إلى المملكة العربية السعودية شوقا للطواف حول الكعبة وزيارة مدينة الرسول لأداء العمرة في شهر رمضان، يقف أبناء طائفة "البهرة" طوابير للسفر إلى القاهرة لأداء مناسك العمرة داخل مسجد الحاكم بأمر الله، وتصنف الإسماعيلية البُهرة، بأنها "مستعلية" نسبة إلى الإمام المستعلي، وهم يرفضون العمل في السياسة ويركزون على التجارة، ولكنهم يصرون على نشر دعوتهم بهذه الطريقة، ويعتقدون في قداسة إمامهم، حتى أنهم يلقبونه بنبي الله، ويحملونه على أكتافهم، ويقبلون قدميه كلما شاهدوه، كما أنهم يعتقدون أن في مسجد الحاكم بأمر الله، بئر مقدسة، وأن جدهم مدفون فيه، فيصرون على الوضوء في بقعة محددة من المسجد والشرب منه للتبرك به، ويصلون فرادى -السيدات بجانب الرجال- وقررنا زيارة المسجد.. وبدأت الرحلة من بوابة المتولي، وفي الطريق مررنا علي مجموعة من الأهالي وأصحاب بعض المتاجر والعاملين بشارع المعز القريبين من محيط المسجد، يقول محمد سيد -عامل بأحد المقاهي القريبة من المسجد-: "البهرة يتجمعون بشكل مستمر ودوري في المسجد ليمارسوا طقوسهم الدينية والتي نجدها غريبة، فقد صادفت بعضا منهم قبل ذلك كثيرا في أثناء دخولهم المسجد وخاصة بعد صلاة المغرب ولايخرجون منه حتى صلاة العشاء، ومن بعدها يغلق المسجد عليهم". وتقول نعمة فتحي صاحبة المتجر المواجه للمسجد: "جماعة البهرة لا يختلطون بأحد ويجلسون في أقصى يسار المسجد بعد المكان المخصص لصلاة السيدات ليستمعوا إلى دروس دينية من شيخهم, وفي إحدى المرات التى كنت أصلي فيها بالمسجد كنت قريبة منهم، فوجدت الجالسين قاموا واقتربوا من الشخص الذي كان يلقي الدرس وانحنوا له وكأنهم يسجدون له ليأخذوا بركاته". وفي المسجد كان الموعد مع "البهرة" قبل صلاة الجمعة، حيث بدأت جموعهم تتوافد، ويصعدون إلى مكان علوي بالمسجد رجالا ونساء، وبعد أن فرغنا من الصلاة توافدت أفواجهم جموعًا للناحية الشرقية من المسجد ليصلوا فرادى بطريقة غريبة، وبعدها هرولوا ناحية بئر في وسط المسجد، وكانوا يطوفون حوله ثم يجلسون على جانبي المسجد بعد ذلك، لا أحد يعرف شيئًا عن الذي يحدث، ولا أحد سيجيبك عن الأسئلة التي تدور في عقلك.. فهم لا يتحدثون مع أحد نهائيا، أما عمال المسجد فذهبنا إليهم في غرفتهم وهم يصنعون الشاي على سخان كهربائي، وجلسنا بجوارهم لنسألهم عن البهرة، فقال أحدهم: "هناك أوامر بألا نتكلم في هذا الموضوع"! وعند خروجنا توجهنا إلى حارس الجامع، في البداية رفض الكلام نهائيا .. ولكن بعد إلحاح سألناه عن حقيقة قيام البهرة بأداء "العمرة" في المسجد، فأجاب: "هذا يحدث بالفعل، فخلال شهر يوليو من كل سنة تتدفق وفود طائفة البهرة على المكان لأداء فريضة العمرة التي أمر بها أمير الطائفة المعروف ب"الداعي" وفقا لمذهب الشيعة الإسماعيلية، الذي تنتمي إليه هذه الطائفة، ومناسك عمرة البهرة تبدأ بعد تناول الإفطار، حيث يتناول أبناء الطائفة طعامهم فى قاعة خاصة ملاصقة لضريح الخليفة الفاطمي العزيز بالله، ويصطف فيها الرجال الذين يرتدي أغلبهم قفطانا قصيرا فوق بنطلون وطاقية على الرأس، وهم يتميزون بلحية متوسطة الطول، وعلى الجانب الأيمن من المنضدة الطويلة يجلس الرجال، ويخصص الجانب الأيسر للنساء، وبعد الانتهاء من تناول الإفطار، ينتقل الحضور بهدوء إلى قاعة أخرى مخصصة للصلاة وملاصقة أيضا للضريح، حيث يؤدون فريضة تسمى (صلاة التطوعات) وهى أولى فرائض العمرة الرمضانية وتتكون من 12 ركعة وكل منها خاتمة تسليمية، وبعد الانتهاء منها يقيمون صلاة المغرب والعشاء، وأبناء الطائفة يختتمون مناسك العمرة بطوافهم حول حجرة الضريح رافعين أعلام الدولة الفاطمية، مرددين شعائر وترانيم، لم نستطع الحصول على معناها أو ترجمتها، ثم ينبطح كل منهم للشرب من بقعة ماء موازية للضريح تبركا بها، لاعتقادهم أن الخليفة الحاكم بأمر الله، شرب منها قبل وفاته مباشرة، وتتم هذه الطقوس فى الطابق الثانى للمسجد، والمقسم إلى 7 غرف كبيرة مساحة الواحدة منها أكثر من 110 أمتار.