بنها ضمن أفضل 200 جامعة ناطقة باللغة العربية بتصنيف 2020    وفاة الحالة الثامنة بين المعلمين بفيروس كورونا لمدرس رياضيات بالمرج    تعرف على مواعيد العمل الجديدة للبنوك.. يبدأ تطبيقها الأحد    السعودية تسجل 1581 إصابة جديدة بكورونا وتعافي 2460 حالة    الإفتاء تنعى الدكتور عبد العزيز سيف النصر عضو هيئة كبار العلماء    حظر التجول غدا من 8 مساء.. عودة المواصلات العامة.. ولا يسرى على هذه الخدمات    بيطري المنيا يحرر 7 محاضر ذبح خارج المجازر بمركزى مطاي وسمالوط    نتيجة الشهادة الاعدادية 2020 شمال سيناء.. موعد ظهور النتيجة ورابط سريع للاستعلام عنها    أحمد سعد: "أنا اتربيت على الابتهالات الدينية"    الليلة.. قناة وزارة الثقافة تبث حفلًا أونلاين ل أحمد سعد وجنات    بعد انتشار شائعة وفاتها.. هاشتاج رجاء الجداوي الأكثر تداولا عبر تويتر    خطبة صلاة الجمعة ب20 مصليا بمسجد السيدة نفيسة    فيديو| مفتي الجمهورية: حماية الإنسان في صورته الفردية يؤدي لحماية المجموع    خطيب الحرم المكي: للنعم أصول ثلاثة    فض سوق الجمعة بأبو الغيط في القليوبية لمنع انتشار كورونا    حظر دخول منشآت الشباب والرياضة بشمال سيناء بدون الكمامة وواقيات الأيدي    "الإسكان": تكثيف العمل بمشروع "الإسكان الاجتماعي" بمدينتي 6 أكتوبر الجديدة وشرق بورسعيد"سلام"    القوات المسلحة السودانية: اشتباكات مع الجيش الإثيوبي    ارتفاع عدد الإصابات بكورونا في باكستان إلى 64028 حالة    الصين تعتزم تمديد القيود على رحلات الطيران الدولية حتى 30 يونيو    إندونيسيا تسجل 678 إصابة جديدة بكورونا و24 حالة وفاة    منظمة خريجي الأزهر تندد بالهجوم الإرهابي على نقطة حراسة في العراق    «ماركا»: تحديد 12 سبتمبر موعدا لانطلاق الموسم الجديد من الدوري الإسباني    أحمد توفيق لشيكابالا: «أنت أنضف قلب في الدنيا»    موندو ديبورتيفو: يوفنتوس يحاول ضم ديمبيلي ويضيف فيدال لقائمته    مصطفى محمد يواصل التدريبات المنزلية للحفاظ على لياقته    أبرز مباريات اليوم بالمواعيد والقنوات الناقلة    جامعة القاهرة في أسبوع: تكريم أسرة الدكتور هشام الساكت بعد وفاته بكورونا بتكليف من الرئيس.. وضع حجر أساس مسرح دولت أبيض بتقنيات عالمية.. ومنع دخول الجامعة بدون كمامات    استقرار أسعار اللحوم في الأسواق اليوم 29 مايو    ضبط 4 أطنان سكر ودقيق مجهول المصدر بكرداسة    تعرف على مواعيد قطارات السكة الحديد بعد عودة الحركة غدا    انتداب المعمل الجنائي لمعاينة حريق مخزن كرتون بالشرقية    بارد ليلًا وشبورة كثيفة صباحًا.. الأرصاد الجوية تعلن حالة الطقس اليوم الجمعة    ضبط 7 مخالفات تموينية خلال حملة على مخابز المنيا    ننشر أسماء المصابين في حادث انقلاب ميكروباص على الطريق الصحراوى بين المنيا وبنى سويف    تعرف على إجمالى توريد محصول القمح بالمنوفية هذا العام    إزالة 555 حالة تعدي على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة    السعودية تزف بشري بشأن عودة رحلات الحج والعمرة    يسرا: شوفت أمي في مشهد الوفاة في "خيانة عهد"    الليلة.. الكينج محمد منير يحيي حفلا غنائيا أون لاين    غدًا.. انطلاق العرض الثاني لمسلسل ليالينا 80    فيديو| قاتل المنسي في «الاختيار»: شعرت بالخوف لهذا السبب    شيرين تفاجئ جمهورها بصورة صادمة    عثمان: تدوينة الرئيس تؤكد أنه لا وقت للتشكيك في جهود الدولة    على جولة أم جولتين.. جدل برلماني حول إجراء انتخابات النواب والشيوخ في توقيت واحد.. المؤيدون: توفر الوقت والجهد والمال.. والمعارضون: منعا للتزاحم فى زمن كورونا    "معا نبني البيت" برنامج اجتماعي جديد للأنبا بولا مطران طنطا    ب20 مصليا| صلاة الجمعة الأولى في مسجد السيدة نفيسة بعد غلق المساجد شهرين    بالصور.. شباب مركز قفط بقنا يدشنون مبادرة هنصنع بلدنا    "الصحة الفلسطينية": تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا ليرتفع الإجمالي إلى 625    ارتفاع أعداد المصابين بكورونا ل 68 حالة في الوادي الجديد    وزيرة الصحة تكشف آلية تقديم العلاج المنزلي للمصابين ب"كورونا"    كورونا في 24 ساعة| قفزة ضخمة في الإصابات والوفيات و12 إجراء لمواجهة الفيروس    طبيب:"مقبلين على أخطر فترة في مصر"    محافظ الغربية: تعديلات لتسهيل ربط حركة المرور بالطرق السريعة دخولا وخروجا    أسعار بورصة الدواجن والبيض اليوم الجمعة 29-5-2020    ننشر السيرة الذاتية للدكتور عبدالعزيز سيف النصر عضو هيئة كبار العلماء الراحل    ننتظر رجالا يقدرون الرجال .. منشور غامض من تركي آل الشيخ    شيكابالا: أفضل إلغاء الموسم الحالي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





جمر اللحظة
نشر في أخبار السيارات يوم 10 - 11 - 2018

أبت أشعة الشمس الأرجوانية، أن تنعكس علي صفحة البحر المتشحة بالرمادي علي المدي، فيما هربت إليه النوارس المهاجرة مبتعدةً عن الشاطئ.. استقر صهد الشمس المختزن علي المكان الأثير الذي كان يحتويك بين جدرانه ونوافذه المشرعة علي البحر.. تضمك علي يأس الانتظار.. تلقي بك في دوامة اللوم البائت في حضنك منذ أيام.. لا تدري إن كانت أيامًا أم دهورًا عانقت فيها سُهد التخلِّي ولوعة تشتيت يبدأ منذ اللحظة الأولي للقاء، ويستفحل فيما بعد الدقيقة الأولي لانتهاء لقاءات كانت عسيرة المخاض، بطيئة الخطوة، محتشدة بمُر الأسئلة التي لم تغادر يومًا ذهنك، والتي ازدادت حدتها منذ صباح اليوم..
المكانُ الذي يُنكر عليك أنفاسًا كنت تتنفسها، فتجيش بصدرك أشواقٌ للبعيد، هو المكانُ الجاحد لذكري جاحدة، أوالمعلن لحقيقة كانت غائبة عنك، أوكنت تعلمها وتتغاضي عنها، وتظل متمسكًا بخيوط العنكبوت التي نسجت علي كل شيء منذ البداية، لتكون وكرًا لأوهامك، ومرتعًا لظنونك القاتلة التي أردتك صريع الأرق والقلق البغيض الذي أورث قلبك ضعفاً ثم عنادًا، ثم صدًّا لا يليق بكل ما تمنيت وما بنيت من قصور وما شيدت من حصون وأساطير وإن لم تقوَ علي الخلود..!!
لا تقبض علي جمر اللحظة!!
هي كلمات شيخي اللائم لي، تتجلي من داخلي علي لساني، الذي صار مطواعًا لأفكاره وتأملاته، فصار ينطق بما يدور في خلده دون أن ينبس بكلمة، ولكن كيف لي ألا أقبض علي جمراتي، وهي الفتنة الطاغية التي أبت ألا تغادرني، وأبت إلا التفلت في ذات الآن..
شمس اليوم كانت حارقة، يُجللها الصهد المتملك للنواصي والأقدام، والشارع الطويل الفارغ الذي يشهد علي خواء كل شيء، يجعلك تشعر وكأن الشمس قد طلعت اليوم كي تجلدك بسياطها، وتمعن في تعذيبك، وتبسط مشيئتها لتكون جحيمًا خالصًا يخصك وحدك ينذرك بأن القادم لن يأتي، وما ترتب له عصيٌ علي التحقيق، لكنك لاتزال سادرًا في خطواتك المضطربة التي غزت كل الأماكن التي كنت تهيئها للاحتفاء معك بطقوس مؤجلة للقاء..
كوب الماء الذي ينزلق وينسكب كلما جاء النادل وملأه تاركًا مكعبات الثلج الشفافة تتقافز بين سطحه ومنتصفه، فلا تتركها ارتعاشات الوقت لكي تذوب في الماء، وتكون محوًا لجليد كان يكتنف أوصالك وأنت تقاومه بنار القلب والوجد والتهاب العينين المسهدتين، ويصير الكوب فاترًا مشمولاً بجفاف، تتشبث به قطرة ماء وحيدة علي جداره تقترب من التحجر.. تصنع مجري وهميًّا باهتًا علي جداره الخاضع لتصاريف الوقت المارق كدهور..
المرأة التي تحمي جسدها الثائر الساخن بحكايات تنسجها كي تقيم جدارًا عازلاً أمام تحرشات المحيطين بها، متناثرين، القابعين ينتظرون علي كراسٍي جلدية وثيرة، وهي تحشو فترات صمتها بنعاس مصطنع ومكالمات هاتفية تستقبلها، وترسلها علي عجل، وإيماءات للقابع القريب منها يرقب سقوط أول حجر في جدار مقاومتها اللدنة، حينما يحرك الهواء المتسلل طرف طرحتها التي لا تحجب ذؤابات شعرها الأربعيني المتأخر، علي حواف نظارتها الشمسية السوداء.. تلمحك بطرف عينيها ممعنة في استحلاب الوقت بحفيف لمسات من ساقيها تدنوان وتتباعدان في ذات الحين، وتمتمات تشبه الأوراد في ترنمها بها.. في حين يباغتها ال "ستيوارت" الذي استلم ورديته المسائية لتوه، بلم ما تبقي علي سطح المنضدة الزجاجية التي تشكل أعواد البامبوالعتيقة هيكلها..
عندما لا يكون الوجود حقيقيا ولا صافيا ولا ضافيا ولا محققا لمعادلات اتزان الروح فحتما سوف تغادر الروح المكان بمجرد الانفلات منه، ولن يكون لها أثر الآن، ويكون المكان شاهدًا ومؤرخًا لتاريخ من الجفاء الذي يتجسد علي الحوائط التي كانت تستند إليها الظهور، والوجوه التي قد ترتبط بالمكان، والمقاعد التي يغيرها ال "ستيوارت" بعد كل ليل طويل من المسامرة ومفاوضات المرتادين وأهل الحاجات، ثم ينفض غبار الحيرة عن المنافض وأسطح المناضد، ثم يكنس كل المشاعر التي جفت وانتحرت علي أرضية المكان والتي انزوت وعششت بالأركان، كي يغير بها معالم ما كان لها أن تلتصق بالروح ولا تلتصق الروح بها..
هل كان علينا أن ندق بقسوة علي كل الأبواب؛ حتي نتأكد أن ليس خلفها إلا الفراغ وقصاصات الوهم، واختلاجات المشاعر الزائفة دائما، ومؤقتة الصدق أحيانا، رغم ما لاح منذ البدايات الجدلية العقيمة ألا سبيل إلي الامتلاء والاكتمال؟!!.. كانت.. كل الأشياء من حولي تردني إليكِ ردا جميلا: (البحر، والنهر، وبقايا عطرك الساحر الذي يتخلل الأجواء واحتضان يدك ليدي، وبصمات أنفاسك علي أنفاسي وعلي كل شيء).. حتي نقضت عهدها معي.. الآن... لِمَ أجدُني أهرع إلي مكان يتهيأ لأن يكون طللا جديدا؛ أتشمم رائحتك التي تصر أن تتلفح بالغياب المقيم، حتي في لحظات دنو يضن بها الوقت وتلعب معها بنزق لعبة المواقيت المؤجلة والمحملة علي محفات تتأرجح بين الحضور والغياب لتجهض أملا قد يتحقق هذه المرة وقد لا يتحقق..
يخيِّم لون البحر الرمادي علي المكان، يبسط نسمة تتهادي كرداء مخملي يحاول ترطيب ما اختزن من صهد الانتظار، وغليان اللحظة في عروق أبت التوقف عن استلام دفقات الروح المختنقة التي انحبست في مسارات الدم، واعتلت حمرتها الأذنين، وطوقت الرقبة بذات اللهيب، ولا تفلح في استهداء القلق الباسط هيمنته علي المكان، الذي توتر كل ما فيه، حين قفزت صورة البث الفضائي من تلفاز يعتلي أحد الأركان لمباراة كرة في كأس العالم بين قطبين من أقطابها..
يُقتحم المكان بوجوه جديدة تتطلع إلي ذات الشاشة العملاقة، وذات الصراع الأزلي بين الوقت المتبقي واللا وقت الفائت من المباراة، في نزق يتناسب مع الحالة التي أتت لتقبض علي جمر هذا النزال، بين الممكن تحقيقه، والصعب، والذي يصبح مستحيلا إذا أزف الوقت واستحال إلي رذاذ كرذاذ البحر حين يهيج قبل أن ينبسط ويهدأ ويدع الفرصة للأشعة الأرجوانية أن تغتاله.. تكاد الوجوه تملأ المكان الذي كان هادئًا، تفارق صفاء المقاعد التي كانت قد استراحت من نضال أيام فائتة مع وجوه أخري ومتشابهة، وأخري تقتنص بهاء اللحظة في هدآت المكان..
يهمس لي شيخي، وهويطل عليّ من أعماق لا أدريها: "أمازلت مُصرًّا علي القبض علي الجمر؟"، وهويعلم أن الجمرة ليست بيدي، أشعر بها في كل خلاياي، برغم يقيني بعباءته التي يبسطها عليّ أينما ذهبت، ويديه اللتين تحوطان كتفيّ المحتاجين دوما لمن يربت عليهما دون الحاجة لطلب أوسؤال!!
يتسلل الضوء الأصفر، سريعا، من مكامنه بمربعات السقف الواطئة والحوائط، والثريات البسيطة المدلاة من السقف الشاهق المطرز بطنافس الملائكة والورود والحسان، يتقاطع مع اللوحات البنية البارزة التي تعتلي أركان المكان، تقترب من السقف، فتشعل ألقًا وتلقي ظلا يهيم بين الأصفر والبني والأسود حتي يغيب في أركان لا يعلم مداها ولا يشعر بها إلا من كان متوحدا بالمكان ذائبا في تفاصيل تخصه، وبالمقعد الخيزراني الذي ينتظر من يُنتظر جلوسه إليه والغوص في تجويفه الوثير، وطبع سمته فيه، فيزيد ضغط روحي علي جمرتها، وتعتصرني، فتكاد يداي تعتصران بعضهما..
يضغط عليّ ظل شيخي موبخا، لائما، ناظرا بكلمات تتردد في مساحات وفضاءات أراها تتباعد حتي تكاد تتلاشي، بينما تنسحق روحي تحت رحي حنين طاغ متسارع بلهاث.. تنقبض له النفس العاشقة لضوء النهار، بدخول الليل بعتمته الموغلة في النفس.. يكاد يتباعد ظله، يراوغني بين الكشف وبين الحجب..
تقبض اللحظة علي ذاتها برغم كل شيء، وتتأرجح مع بندول الساعة القائمة علي أحد القوائم الفاصلة بين نوافذ المكان العريضة علي البحر، حين ينطلق رنين النقال بعد تردد وفترة عطب اجتاح الأثير، وعطل كل قنوات الاتصال، علي تنبيه رسالة فائتة، يباغتني وميضها كاشفا ساطعا، لتوحي بصعوبة تحقق الوصول..
تلتفت إلي شيخك، وهو يستدير نحوك في ذات اللحظة، ليغادر معك، علي عتبة المكان الذي لفته الظلمة واكتنز الضوء في حيز الشاشة التي التهمت أنظار المتحلقين المتعلقين بها، وصاروا أشباحا يبتلعون صمتا كتموا فيه أنفاسهم، وامتزجت أخيلتهم، وذابت الحدود الفاصلة بينهم، بينما اختفت المرأة الأربعينية بأورادها المبهمة، فيما كان شبح يتهادي بقلق دفين للولوج إلي ذات المكان، لحظة قبضك علي كف شيخك لتمضيا سويا نحوالاتجاه الآخر من نهر الطريق لتسيرا متجاورين رفقة عتمة قادمة لبحر ساكن، بلا نوارس محلقة، قد تساقطت في حمرة الشفق..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.