استقرار أسعار اللحوم والدواجن اليوم الخميس 2 أبريل 2026    تحركات محدودة في أسعار الذهب والعملات اليوم الخميس 2 أبريل 2026    هدوء في سوق الحديد اليوم الخميس 2 أبريل 2026    فرق الطوارئ بالقليوبية تواصل العمل لرفع مياه الأمطار دون توقف    «مصر وصراعات الشرق الأوسط».. ندوة فكرية تناقش تحديات الأمن القومي العربي    حكومة أبوظبي: أضرار بمحيط مناطق خليفة الاقتصادية بعد اعتراض صاروخ إيراني    إسلام عفيفي يكتب: خطاب الكراهية وتكسير المناعة العربية    تعرف على التشكيل الكامل للجان المجلس الأعلى للثقافة لعام 2026    محافظ سوهاج يقرر تعطيل الدراسة اليوم الخميس لسوء الأحوال الجوية    مكتب أبوظبي الإعلامي: لا إصابات بعد اعتراض ناجح لصاروخ بمحيط مناطق خليفة الاقتصادية    محافظ الدقهلية يتفقد مستشفى شربين لمتابعة انتظام العمل خلال الفترة الليلية    عمر مرموش يرد على الهتافات العنصرية لجماهير إسبانبا ب"صورة ومانشيت جريدة قديم"    النفط يقفز بأكثر من 4% والأسهم الآسيوية تتراجع بعد خطاب ترامب    مسؤول إيراني: نطالب بوقف إطلاق نار مضمون ينهي الحرب تماما    روبرت باتينسون يبدأ تصوير مشاهده في فيلم The Batman 2 الأسبوع المقبل    من شجرة السباجيتي إلى خدع جوجل.. اعرف أشهر حكايات «كذبة أبريل»    روته يزور واشنطن الأسبوع المقبل لإجراء مباحثات مع ترامب    زلزال قبالة سواحل إندونيسيا يقتل شخصًا ويؤدي لانهيار مبان وموجات تسونامي    استمرار أعمال شفط وسحب تراكمات مياه الأمطار بمناطق الجيزة.. صور    وصول بعثة منتخب مصر إلى القاهرة بعد مواجهة إسبانيا وديا    بعد خطاب الرئيس الأمريكي.. إيران تشن هجومًا صاروخيًا واسعًا على إسرائيل    ترامب: لن نسمح بضرر لحلفائنا فى الخليج العربى    سلوك خطير، "الصحة العالمية" تحذر من تبادل الأدوية بين المرضى    شردي بعد مؤتمر مدبولي: مفيش حكومة بتعوز تعذب المواطن.. هل تحبوا النور يقطع كل 6 ساعات؟    خبير اقتصادي: رفع الحد الأدنى للأجور يحتاج زيادة الإنتاج لتفادي التضخم    انقطاع الكهرباء بالعاشر من رمضان بسبب سوء الأحوال الجوية وفرق الطوارئ تتدخل (صور)    نائب بالشيوخ: خبرة ترامب في الأعمال تؤثر على قراراته السياسية    انفجارات في تل أبيب.. 3 مصابين في بني براك جراء رشقات صاروخية    رياح قوية تطيح بشجرة وعمود إنارة في شارع رمسيس بالمنيا    نقابة الصحفيين تصدر بيان بشأن تصوير جنازة والد حاتم صلاح    بعثة منتخب مصر تغادر إسبانيا متجهة إلى القاهرة    أحمد زكي يكتب: زلزال "أحمديات" سقط القناع عن شيطان "تقسيم" المنطقة!    تعطيل الدراسة بجميع المعاهد الأزهرية الخميس بسبب التقلبات الجوية    علي قاسم يرصد تحولات الفن السابع في كتاب سيرة السينما في مائة عام    محافظ قنا يعلن تعطيل الدراسة اليوم بجميع المدارس والمعاهد الأزهرية والتمريض بسبب الطقس السيئ    التعليم تحسم موقف الدراسة اليوم الخميس وتعلن تأجيل الامتحانات    محافظ الإسكندرية يبحث ضبط الأسواق مع مسئولي الغرفة التجارية بالمحافظة    2026 عام التكريمات فى مشوار الفنانة القديرة سهير المرشدى.. من عيد الثقافة مرورا بتكريمها من السيدة انتصار السيسي وختاماً مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.. وتؤكد: المسرح علمنى الإلتزام والانتباه لقيمة الوقت    ليلة شتوية مرعبة.. حين يتحول الحنين إلى خوفٍ صامت    أحمد هشام يحقق الميدالية البرونزية ببطولة العالم للسلاح بالبرازيل    تعليم سوهاج يقرر تأجيل امتحانات الخميس بسبب سوء الأحوال الجوية    لوكاتيلي يوجه رسالة اعتذار لجماهير إيطاليا بعد الفشل في التأهل لكأس العالم    محافظ القليوبية يعلن تعطيل الدراسة اليوم الخميس لسوء الأحوال الجوية    أدار المباراة الأولى.. التمسماني حكما لمباراة مصر وليبيا في تصفيات شمال إفريقيا للناشئين    صحيفة فرنسية: رينارد يطلب رسميا الرحيل عن منتخب السعودية    الصحة: التطعيم ضد فيروس HPV خط الدفاع الأول للوقاية من سرطان عنق الرحم    إبراهيم عبد الجواد: ديانج وقع علي عقود الإنضمام إلي فالنسيا مساء الإثنين    «الأوقاف» تحدد موضوع خطبة الجمعة عن رعاية اليتيم وترشيد الكهرباء    اللهم صيبًا نافعًا.. دعاء المطر وفضل الدعاء وقت الغيث    وزيرا الصحة والتضامن: إتاحة تطعيم فيروس الورم الحليمي البشري للسيدات    دار الإفتاء عن كذبة أبريل: المسلم لا يكون كذابا حتى ولو على سبيل المزاح    محافظ مطروح يعلن تعطيل الدراسة غدا بسبب الأمطار الغزيرة وسوء الأحوال الجوية    هل تأثم الزوجة إذا خرجت إلى أهلها دون إذن الزوج؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    حياة كريمة.. 1415 خدمة طبية مجانية بقرية «بني غني» سمالوط    مشاورات مصرية - أوغندية لتعزيز التعاون الثنائي ودعم التنمية    التنظيم والإدارة يعلن فتح باب التقديم لشغل وظائف خبراء بوزارة العدل    احتفالية كبرى لبيت الزكاة لدعم الأهالي بشمال سيناء    محافظ جنوب سيناء يتلقى التهاني خلال احتفالات الذكرى 37 لاسترداد طابا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جمال مبارك بين أفنديات القاهرة وفلاحين دماص

هلل أهالي (دماص).. وتقريبا رقصوا.. حين أعلن عبدالسلام المحجوب وزير التنمية المحلية.. عن الاستجابة لطلب مواطني القرية بأن تتحول إلي (مدينة).. واشترط المحجوب أن يشيد الأهالي مبني لقسم الشرطة (تطوعا).. وفيما يبدو فإنهم كانوا يعرفون هذا الاشتراط.. فأعلن بعضهم أن الأرض المتبرع بها جاهزة.. والشركة التي سيكلفونها معروفة.
لكن الأهالي أصروا علي أن يستمعوا للقرار من جمال مبارك، أمين السياسات، علي سبيل مزيد من التأكيد.. غير أنه أصر ألا يتجاوز حدود مسئولياته.. فهذا لا يقع في نطاق اختصاصه الحزبي.. ولكنه بارك لهم علي القرار الذي أعلنه المحجوب قائلا: «الوزير هو المسئول» .. وقال المحجوب إنه يدرس الملف منذ ستة أشهر.
حالة (دماص)، وترقيتها الإدارية، سبقتها ترقية اجتماعية واقتصادية.. قامت علي أساس التحالف بين الجهود الذاتية وجهود الدولة.. خطوة من هنا وخطة من هناك.. أدت إلي أن تصبح القرية مدينة، فعليا، قبل أن تعلن كذلك.. وقد بدا أن هناك إرادة حقيقية لدي الأهالي وقيادة المجتمع في السعي لتطوير البلد المميز الواقع في نطاق مركز ميت غمر.. تبرعات بالأراضي التي تبني عليها المدارس.. جمعيات أهلية للتكافل.. مصنوعات صغيرة.. ومشروعات محدودة رأس المال.. ولكنها كما قال أحد أعضاء مجلس الشوري تقضي علي مشكلات اجتماعية كثيرة (إذا دخل الشغل من الباب خرج الطلاق من الشباك).. هكذا لخص الأمر علي طريقته.
نسبة الأمية في (دماص) لاتزيد علي 3%، ونسبة البطالة هي من أقل المعدلات في مصر كلها.. نحو 2%.. فيها استاد رياضي.. ومدرسة صناعية.. ورجال أعمال يستثمرون ويصدرون.. ومحطة للصرف الصحي راعت فيها وزارة الإسكان أن تلبي احتياجات الزيادة السكانية لمدة 15 عاما تالية.. حتي لاتفاجأ باحتياجات تالية وتكون الأسعار قد ارتفعت.
ليست قرية واحدة
تحويل القرية إلي مدينة سوف يؤدي إلي انتقالة اجتماعية كبيرة لأهالي (دماص).. هذه الصفة الجديدة تنقلها في ميزانية الدولة إلي وضعية مختلفة.. ومن ثم تخصص لها إدارة صحية مستقلة.. وإدارة تعليمية أيضا.. وعلي المستوي العقاري فإنها تعامل بطريقة مختلفة في حساب المتخللات.. ويكون لها رئيس مدينة.. وتتبعها قري.. تطور حضاري سعي إليه الناس وتلاقت معهم الحكومة.. فكان القرار.
حسنا فعل جمال مبارك حين ذهب إلي هناك. لاينبغي أن تقتصر زياراته علي مواقع الفقر حتي لو كان يزور قري نجح فيها مشروع الألف قرية.. وحقق أهدافه.. وربما كان هذا نوعاً من التوازن المطلوب ما بين القري الفقيرة التي تحتاج إلي العون.. والقري المتزنة التي تدفع نفسها للأمام.. خصوصا أن كثيراً من القري صارت تطلب رسميا أن تنضم إلي مشروع الألف قرية الأكثر فقرا لكي تحصل علي ما تناله تلك القري من تطوير.. هناك طريق آخر للوصول إلي التطوير.. وليس المجتمع كله فقيرا. وليست كل قراه مدقعة.
علي مثل هذا المستوي الذي بلغته (دماص) توجد نحو مائة قرية في الدقهلية.. من بين ما يزيد علي 400 قرية تضمها المحافظة.. والأرقام علي مسئولية المحافظ وزير التنمية المحلية.. والمحافظة نفسها تتمتع بمستوي اقتصادي مختلف ومتفوق عن غيرها.. حتي لو كان اللقاء الشعبي الذي عقد بين المزارعين وأمين السياسات قد كشف عن مشكلات.. فإن واقع هذه المحافظة يبدو متطورا مقارنة بغيره.. وهي تفخر بأنها (عاصمة الطب والثقافة والفنون والعلم).. علي اعتبار أن فيها بعضا من أشهر المراكز الطبية ونسبة تعليم مرتفعة وينتمي لها عدد كبير من نخبة المجتمع ونجومه في الفن والإعلام والعلم.
جمال مبارك، كسياسي، لايمكن أن يفوت هذا الأمر، إذ أشار إلي التغيير والتطور الذي طرأ علي المجتمع في الريف خلال السنوات الماضية، خاصة أن كثيراً من المتحدثين، سواء في لقاء الهيئة البرلمانية (حيث النخبة السياسية) أو في لقاء المزارعين (حيث المواطنون العاديون)، قد سجلوا مرارا أنه لم تعد لديهم مشكلة في المياه النقية أو في الصرف الصحي.. خصوصا في (دماص).. وقس عليها مائة قرية علي الأقل.
فجوة حوار
غير أن هذا لاينفي أن أسجل أن هناك (فجوة) ما بين الزائرين والمزورين.. بين منصة المؤتمر وحضوره.. فجوة لاينفيها الاتساق بين أعضاء حزب واحد.. ليست تعبيرا عن تباعد.. أو عن عدم تلاحم.. أو أن هذا في طريق وذاك في طريق آخر.. وإنما في أن المجتمع لديه متطلباته الفئوية المختلفة التي تريد كل فئة تحقيقها بغض النظر عن اتساق هذا مع الأچندة القومية.. وحتي لو كان ضدها.. أو علي الأقل هذه المطالب تغفل غالبا السياق العام.
النقاش بالذات في موضوعات الزراعة يقود إلي هذا.. خصوصا إذا كانت هذه الجولة وتلك اللقاءات يوم الخميس الماضي قد قام بها جمال مبارك في قرية في قلب محافظة تزرع الأرز.. اعتاد سكانها علي تناوله.. حتي إن نائبا في مجلس الشعب أراد التأكيد علي ذلك بأن قال: إنه وإخوته كانوا يفطرون علي (المحشي).. ويقوم بعض مهم من اقتصادها علي تلك الزراعة.. فهي - بافتراض التزامها بتعليمات وزارة الزراعة - تزرع 360 ألف فدان.. أي ما يقترب من ثلث المساحة المقررة حسب المتوافر من المياه (مليون ومائة ألف فدان).
الفجوة هنا ما بين المصلحة الفئوية، والمصلحة العامة. الدولة تريد أن تخفض مساحات زراعة الأرز إلي أدني حد.. يحقق وفرا في المياه وعدم هدرها.. ويلبي احتياجات الاستهلاك المحلي غذائيا.. ويحقق عائدا مقبولا ومعقولا من التصدير.. والمزارعون يريدون إطلاق الزراعة بدون قيد.. ورفع الغرامات عن المخالفين.. ومن ثم تتحقق دخول مرتفعة.. وينعمون بريع كبير.. حتي وإن كان بعضهم يقول إنه لم يعد كما كان.
المزارع ينظر إلي مصلحته. ويطلب من الحزب ممثلا في جمال ومن الحكومة ممثلة في وزيري الزراعة والري.. ألا تكون هناك قيود.. والدولة سواء عبر الأغلبية التي يمثلها الحزب.. أو من خلال الأجهزة المختلفة تريد تغيير الاتجاهات.. وألا يعتاد المزارع الاستسهال.. وأن يقبل التنظيم.. لكي يتم توفير المياه.. وألا يعتبر الدخل الذي يأتيه من التصدير مجرد مكسب شخصي فهو خسارة قومية ناتجة عن تصدير المياه التي زرع بها الأرز.
الحوار قد يقود إلي جسر الفجوة. جمال مبارك مثلا قال: لانريد منع زراعة الأرز بل تنظيمها.. حماية لمستقبل مصر وحصتها المتوافرة من المياه. ويضيف: بل إن زراعة الأرز قد تكون ضرورة في بعض الأحيان.. في أراض لاتصلح إلا لزراعة الأرز. ووزير الزراعة يقول: لو أن أهل الجنوب (الصعيد) قد زرعوا أرزا لن تصل مياه أصلا للبلد في الشمال.
هذا كلام له نتائج سياسية. فهؤلاء المزارعون الذين ينتمون للحزب صاحب الأغلبية والذي تتبني حكومته بدعم منه ترشيد زراعة الأرز.. لديهم أصوات انتخابية.. وهم لاشك يقايضون بها أمام ضغوطهم من أجل إطلاق زراعة المحصول السهل.. بالنسبة إليهم.. وقد يكون الحوار مفيدا.. لكنني أنتقل من جولة إلي أخري وأحضر نقاشا تلو نقاش.. وأجد نفس الضغوط تتعرض لها قيادة الحزب وممثلو الحكومة من أجل ما يمكن أن أسميه (لوبي الأرز).. جماعة ضغط هائلة ومتناغمة تبدأ من أصغر فلاح يزرع الأرز إلي أكبر مصدر لمحصوله إلي خارج مصر.
تعقيدات التغيير
يقودنا هذا إلي واحدة من مظاهر تعقيدات التغيير في مصر.. التغيير الحقيقي في قلب المجتمع ومن أجل مصلحة استراتيجية.. وليس التغيير الذي تطالب به النخبة القشرية في القاهرة.. التي تظن أن حديث التغيير يمكن أن يقتصر علي كلامها حول التعديلات الدستورية.. ومطالبها بخصوص قانون الطوارئ.. المسألة أعمق من هذا بكثير.. خصوصا ما يتعلق بكتلة أصوات انتخابية مهولة تتوزع علي كل محافظات البلد.. أصوات الفلاحين في كل مصر.
الحديث في (دماص) نحي بعضا من الوقت إلي قانون الضمان الاجتماعي الذي قال جمال مبارك إنه سوف يتم تعديله قريبا.. وبحيث يزيد عدد المستفيدين منه.. وأيضا طريقة اختيارهم اعتمادا علي رأي المجتمع المحلي.. ونحي بعضا من الوقت إلي قانون المشاركة بين القطاعين العام والخاص في مشروعات البنية التحتية.. وقد قال جمال مبارك إنه سوف يوفر فرصا ضخمة لاجتذاب قدر كبير من الاستثمارات.. ويوفر بدائل حقيقية إضافية لتمويل الاستثمارات العامة.. ونحي بعضا من الوقت إلي الحديث عن النائب الذي طالب بأن يتم إطلاق النار علي المتظاهرين.. وقال جمال مبارك إن ما قاله مرفوض.. وخطأ.. وغير مبرر.. وغير مقبول.. وليس هذا ما يمكن أن يقوله حزب يقود التغيير.
نحي إلي كل هذا.. لكن لا النائب الذي ثارت عليه المعارضة وانتقده حزبه كان يشغل بال الفلاحين.. ولا هم طلبوا وقتا لمناقشة قانون المشاركة بين القطاعين العام والخاص.. ليس لأن هذا أقل أهمية.. ولكن لأن الاهتمامات في القطاعات الأعرض في الريف وبعيدا عن القاهرة تتعلق بأمور أخري.. ويتطلب التغيير فيها تعديلا جذريا في المفاهيم المتوارثة منذ قرون.. وفي العادات الزراعية التي تطبق منذ بدأت مصر.. والعلاقات الاجتماعية التي قامت منذ زمن بعيد جدا.
قياسا علي القمح
دعك من الأرز . وانظر إلي القمح. الفلاحون حصدوا محصولهم منذ مايزيد علي أسبوعين. وقد وجدوا فرصة في لقاء أمين السياسات لكي يطالبوا بفتح (الشون) الحكومية لكي تتسلم المحصول. الوزير أمين أباظة ممثلا للحكومة وعد بأن يتم هذا خلال أيام.. وأعلن عن أن الحكومة قد خصصت في الميزانية 2 مليار جنيه لدعم الفلاحين.. مبلغ طائل سوف تشتري من خلاله محصول القمح.. لكن المسألة ليست بهذه البساطة.. وهي بدورها تحتاج إلي تغيير لا يلتفت إليه أحد.. وبالتأكيد لن تنشغل به تعليقات الواشنطن بوست حين تتناول شئون الحراك الديمقراطي في مصر.
الفلاح زرع.. حصد.. بعد ذلك هو لايطيق التخزين والانتظار.. لأن رأسماله ضعيف ويريد استعادته ليبدأ به زراعة جديدة. فيأتيه تاجر.. يشتري المحصول.. سعر الحكومة المعلن 270 جنيهاً للأردب. التاجر يشتري من الفلاح ربما بأقل من هذا ما بين سبعين ومائة جنيه.. وعلاقته مع الفلاح توفر له مرونة تجعله يدفع الثمن علي أقساط.. ويذهب التاجر ليورد للحكومة القمح.. وفي الطريق يكون قد خلط القمح المصري بقمح مستورد.. سعر المستورد 170 جنيها.. ومن ثم فإنه ينهب من دعم الحكومة للفلاح مائة جنيه في الأردب.
الحكومة تريد أن تضمن أن المبلغ الذي ستدفعه سوف يذهب للفلاح.. وإلا فإنها يمكن ألا تشتري هذا القمح وأن تستورد بمبالغ الدعم قمحا من الخارج. ومن ثم قررت أن يكون الفلاح هو الذي يورد بنفسه.. ولديها ضوابط لهذا.. فهل سوف تستطيع أن تحقق هذا دون أن تصادف مشاكل وضغوطا؟.. حين تفلح سوف يكون هناك تغيير قد حدث.. ولكنه تغيير من نوع مختلف جدا ولا تكتب عنه الصحف.
الزارع الوحيد
محمد علي باشا، حين أسس الدولة الحديثة في مصر، منذ بدأ عهده في 1805 جعل من نفسه - باعتباره ممثلا الدولة - الزارع الوحيد، والتاجر الوحيد، والصانع الوحيد.. وهذه العلاقة بين الوالي (الحكومة) وبين الفلاح ظلت لها تأثيراتها سنوات طويلة.. الفلاح ينتظر من الحكومة أن تقرر.. وأن تشتري.. وأن تعطيه كل شيء.. مقابل ثمن بالطبع.. ولهذا فإنه لا يمكنه أن يستوعب علاقات جديدة.. وإذا ما حاول فإنه يخسر.
علي سبيل المثال يزرع كثير من الفلاحين البنجر.. تشتريه مصانع السكر.. ولكن هذه المصانع في أغلبها قطاع خاص.. ومن ثم قد تبخس الفلاح سعر محصوله.. وفجأة تجد البنجر ملقي علي جانبي الطرق لا يجد من يقبل توريده.. أو يشترونه بسعر غير عادل.. والفلاح يريد من الحكومة أن تتدخل.. لكن الحكومة ممثلة في وزير الزراعة تحاول إقناع الفلاح بالتفاوض الجماعي مع الشركات لكي يضمن حقه.. وأنها لايمكن أن تتدخل بالضغط.
ويحدث اللبس حين تقوم الحكومة بفعل مختلف.. ربما مناقض.. فهي لأول مرة تنوي أن تتدخل لكي تضمن عملية شراء محصول الذرة.. سوف يشتريه القطاع الخاص بدلا من أن يستورد من الخارج.. لكي يتم تصنيعه علفا لمزارع الدواجن التي هي بدورها صناعة ضخمة وتتزايد.. وتمثل الدقهلية بالتحديد نموذجا ناجحا فيها.. وإلي جوارها القليوبية.
هنا من حق الفلاح أن يسأل الحكومة: إذا كنت لاتريدين أن تتدخلي في العلاقة بيني وبين مصانع البنجر.. ألست أنت التي تعرضين أن تتدخلي فيما بيني وبين تجار الأعلاف عن طريق الذرة؟ وهكذا.. عشرات من الموضوعات التي لايتم تناولها في نقاشات القاهرة.. لكنها حيوية جدا في مصالح الفلاحين.. ولذا ليس مدهشا أبدا أن يكرر جمال مبارك التعبير عن الاهتمام بما يشغل الفلاح.. ووصفه بأنه عصب المجتمع.. والتأكيد علي أنه عماد البلد.. وهو كلام يتكرر بصورة صادقة ومنظمة ومعبرة عن توجه حقيقي منذ زمن.. وخصوصا منذ شغلت ملفات الزراعة نقاشات المؤتمر الأخير للحزب في نوفمبر الماضي.. وقد تابعت مناقشة حادة وساخنة جدا بين ممثلي الفلاحين وقيادات الحزب والحكومة إبان ذلك.. كلها تدور حول تفصيلات تحتاج إلي تطوير مذهل وطموح في التنظيم والعلاقات والرؤي والعادات.. وتعبر عن مصالح حقيقية وشرسة.. صغر أو كبر حجم صاحبها.
نصيب الناس
يقودنا هذا إلي لب مقولة طرحها جمال مبارك في بعض نقاشات (دماص) يوم الخميس.. إذ كان يتكلم عن أن الشارع السياسي قد تغير.. وأن هذا التغير هو الذي دعا الحزب إلي أن يبدأ عملية تطوير ذاته في 2002، ولكن المواطن يجد حوله كثيراً من الصخب.. والضجيج.. ومن ثم فإن من الطبيعي - كما يقول جمال - أن يسأل هذا المواطن: ما هو نصيبي من كل هذا الضجيج؟ بماذا يعود علي؟ وفي ماذا ينفعني؟
ورد جمال: إذا لم يشعر المواطن أنه جزء من الحياة العامة فإنه لن يتفاعل معها. وقد أضاف موضحا، معبرا عن التفاعلات المختلفة في الشارع السياسي وبما فيها الضجيج: نحن مطالبون بألا نترك الساحة وأن نرد ونتفاعل.. ونحن نفعل هذا وسوف نواصل.. ولكن هذا لن يكون علي حساب التزامنا بتعهداتنا للناس.. ولن يكون علي حساب اهتمامنا بالمسائل الحيوية.
هذه المعادلة تعبر عن رؤية مختلفة لطبيعة التطوير الذي ينحوه أمين السياسات، ومن جانبي فإنني أثق فيها.. باعتبارها منهجا يقوم علي التوازن ما بين المظاهر المستجدة للحراك في البصلد.. علي المستويات القاهرية.. ومع الأمور العميقة في طبيعة تكوين المجتمع.. واهتمامات فئاته.. توازن يريد ألا يندفع وراء اهتمامات قشرية لنخبة من نوع خاص في العاصمة.. وأن يدفع المصالح الفئوية علي مستوي القطاعات العريضة في البلد إلي أن تصب في المصالح العامة.. من خلال سياسات جامعة توفر بدائل علمية.. وبدون أن تكون لها سلبيات مؤثرة علي مصائر الناس.. سياسات تحقق فوائد.. حتي لو كانت بعض الأساليب تبدو موجعة من الوهلة الأولي.
عبد الله كمال
يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى
www.abkamal.net
www.rosaonline.net
أو على المدونة على العنوان التالى: http//alsiasy.blospot.com
Email:[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.