بحضور المفتي وأمين البحوث الإسلامية ورئيس الجامعة ..افتتاح معرض جامعة الأزهر للكتاب بالتعاون مع هيئة الكتاب    وكيل لجنة القوى العاملة: موقف وزيرة الهجرة مشرف وندعمها    الوزراء: مصر تتولى رئاسة الاتحاد الإفريقي العام المقبل ..فيديو    شيخ الأزهر: حريصون على دعم اليمن في كافة المجالات التعليمية والدعوية    تركيا تسجل فائضا في الحساب الجاري خلال سبتمبر الماضي    مجلس جامعة بنى سويف يقر نظام الشكاوى الإلكتروني    رسميًا فيات تطلق موديلا خاصا من أيقونتها 500    المقاومة الفلسطينية تدرس الرد على عدوان الاحتلال    نشر قوات أفغانية إضافية لشن عملية عسكرية واسعة شرقي البلاد    ترامب يشكر رجال الإطفاء بولاية كاليفورنيا    بيراميدز يهزم المقاصة بثنائية ويطارد الزمالك    تيتي يستدعي رافينيا لقائمة السامبا استعدادا لوديتي أوروجواي والكاميرون    اتحاد المكفوفين: الجمارك تهدد بطولة العالم لرفع الأثقال بالأقصر    ضبط مهندس زراعى و تاجر هاربان من 14 حكم قضائى بالإسماعيلية    بعد حادث تصام أتوبيس بسيارة نقل.. أهالي سيوة يستغيثون بالرئيس السيسي    فيديو| نقيب المهن التمثيلية: «بيكا وشطا» خطر على سمعة مصر    بالصور.. وزيرة الثقافة تسلم جوائز مسابقتي الغناء والعزف بختام مهرجان الموسيقى العربية    «إفريقية النواب» تبحث مع السفير الياباني رؤية اللجنة تجاه القارة السمراء    البرلمان يقرر حذف التربية من وزير التعليم    طارق الجيوشي: أسعار الحديد تراجعت بشكل كبير    شيكابالا يصنع هدف أبولون فى الدوري اليوناني    محافظ البحيرة: مبادرة «ابني وطنك» تستهدف إعادة بناء الإنسان والنهوض بالدولة    المحافظين يعد خطة تهدف لزيادة أعداد السائحين في مصر    مصدر أمني عراقي: اعتقال 6 دواعش شمال غربي الموصل    المشدد 10سنوات لمحافظ المنوفية المرتشي وتغريمه 15مليون جنيه    الحرب العالمية الاولي أكثر الصراعات دموية في التاريخ    41 قتيل ومصاب من الحوثيين إثر مواجهات مع الجيش اليمنى شمالى الضالع    عامان على رحيل «الساحر»    بالفيديو.. بوسي شلبي تزور قبر محمود عبد العزيز في الذكرى الثانية لوفاته    مباردة من أجل مصر بثقافة أحمد بهاء الدين للطفل    الأرصاد: طقس الثلاثاء معتدل والعظمى بالقاهرة 24 درجة    فيديو| أستاذ قانون: لا بد من إعادة النظر لكل الأحزاب الدينية بمصر    4 مكاسب من فرض ضريبة على إعلانات «فيس بوك»    أبو العينين يفوز بجائزة الاقتصاد من منظمة البحر المتوسط    رد مفتي الجمهورية على المتشددين محرمي شراء حلوى المولد    "ما كانش داخل يعمل جراحة".. "بنها الجامعي" مبررًا عدم إجراء عملية لمريض الإضراب    مجلس الإسماعيلى: لن نفرط فى أى لاعب للقلعة الحمراء    الزمالك يصرف مكافآت الفوز قبل الإجازة    تجديد حبس متهم بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية    بسبب الديون... انتحار بواب فى الإسكندرية    البابا تواضروس الثاني يستقبل سفير بريطانيا بالعباسية    بالفيديو.. رمضان عبدالمعز: الزواج لا ينتهي بالوفاة.. وعلى ابن أبي طالب غسّل زوجته    "عبدالعال" محذرًا وزراء حكومة "مدبولي": لن نقبل التهاون في الرد علينا    بالصور|| «الأهرام العربي» ترصد أهم معارض «فن أبو ظبى» وحى دبى للتصميم    شركات الأدوية تتحدى "الصحة" برفع الأسعار سرًا    في غياب الشحات.. العين يتأهل لربع نهائي كأس الخليج العربي    الصحة العالمية: اختلافات كبيرة في استهلاك المضادات الحيوية حول العالم    أوقاف القليوبية تنظم مؤتمر محمد رسول الإنسانية    تسمم 11 تلميذًا بعد تناول مياه غازية في الإسكندرية    مقال ب"وول ستريت جورنال": هيلاري كلينتون ستترشح للرئاسة عام 2020    أمير كرارة يصور برومو برنامجه الجديد "سهرانين" وعرضه على on e قريباً    وزير البيئة للنواب: أغلقنا بعض المدافن.. وخطة لإعادة تأهيل منظومة القمامة    تطوير عقار من زيت السمك للوقاية من النوبات القلبية    أمين الفتوى يكشف عن نصائح لكل من يتكاسل عن الصلاة    فرق طبية تجوب المصانع والشركات للكشف عن "فيروس سي" بالقليوبية    عضو مجمع البحوث الإسلامية: ليس من الشرع إنجاب الأطفال دون الإنفاق عليهم    مصرع أشخاص 4 وإصابة 19 فى تصادم أتوبيس مع سيارة نقل بمطروح    رئيس الوزراء الإسرائيلي يقطع زيارته لفرنسا على خلفية هجوم غزة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هل أصبحت الدولة المصرية أرضا خصبة لنمو الطائفية؟!

من يصدق أن مصر التي أقامت أعظم حضارة إنسانية في التاريخ، والتي قادت حركة الإحياء في المنطقة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، والتي عرفت الدولة المدنية والحياة النيابية والأوبرا قبل العديد من دول أوروبا، والتي تحتضن الأزهر الشريف قلعة الإسلام الصحيح يمكن أن تسقط في براثن التخلف الحضاري علي يد حفنة من مشايخ السلف والإخوان.
من يصدق أن مثقفي مصر من أحفاد رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين وسلامة موسي وهدي شعراوي وطه حسين ولويس عوض وزكي نجيب محمود يخوضون اليوم من جديد معارك الحجاب والسفور، والوحدة الوطنية، والمرجعية المدنية والدستورية للدولة، وهي المعارك التي حسمها أجدادهم العظام بدمائهم منذ أكثر من مائة عام.
من يصدق أن مصر في مشارف القرن الواحد والعشرين تبحث لنفسها عن حركة إحياء جديدة بعد أن أعادها تحالف الاستبداد والرجعية الإسلامية قرونا إلي الوراء.
من يصدق أن مصر التي قهرت مستعمريها بسيف وحدتها الوطنية، ونقل عنها العالم شعارها الحضاري العظيم الدين لله والوطن للجميع ، يتمزق اليوم نسيجها الوطني بفعل التحريض الطائفي، الذي يقوم به هؤلاء.
إن نشر الحجاب الذي لم ينزل الله به من سلطان ومن بعده النقاب، وإشعال الفتنة الطائفية هما الركيزتان الأساسيتان في استراتيجية هذه الجماعات لتقويض أسس الدولة المدنية، وزعزعة الأمن والاستقرار في المجتمع، والنيل من هيبة الدولة وتحدي مؤسساتها السياسية والدينية والقانونية والأمنية، من أجل توفير المناخ المناسب للخروج عليها وإسقاطها. فبعد أن أصبح الحجاب بقدرة قادر الركن السادس في الإسلام، أصبح التربص بالمسيحيين المصريين واجبا دينيا مقدسا أيضا. فالخطاب السلفي لاينظر إليهم كمواطنين يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات وإنما كأغيار أو موالٍ أو أهل ذمة يجب مواجهتهم وحصرهم والحد من طموحاتهم، كما صرح بذلك مرشد الإخوان الأسبق مصطفي مشهور.
لقد نجح مشايخ السلف والإخوان في إشاعة مناخ هستيري من كراهية المسيحيين في مصر تجلي منذ أحداث الزاوية الحمراء الشهيرة في مسلسل مخزٍ لم ينته بعد من الاعتداءات المنظمة أو العفوية علي أرواح وممتلكات المسيحيين المصريين.
فإلي جانب الحوادث الصغيرة التي تحدث نتيجة للتعاملات والاحتكاكات اليومية والتي كثيرا ما تأخذ منحي طائفيا بفضل التعبئة الطائفية المستمرة، تعرض إخواننا المسيحيون لعدد من الاعتداءات كان أهمها إمبابة 1991 وأسيوط 1994 والكشح 1998 والكشح 2000 ومحرم بك 2005 والعديسات 2006 وبنها 2007 وأبوفانا 2008 وأخيرا ديروط .2009
وغالبا مايتكرر نفس السيناريو لإشعال الحريق الطائفي، حيث يتلقف المتطرفون خبرا عن إقامة كنيسة أو صومعة في مكان ما أو تجديد مكان قائم للعبادة، أو إقامة صلاة أو احتفال ديني بمنزل أحد المسيحيين لكي تقوم القيامة ولا تقعد، وكأن المسيحيين ليسوا بمواطنين وليس من حقهم وفقا للدستور أداء صلواتهم أو تشييد دور العبادة الخاصة بهم.
كذلك يتم استغلال التفاعلات الاجتماعية العادية في التحريض الطائفي، كما حدث في أزمة ديروط الأخيرة. حيث تم استغلال خبر عن قيام شاب مسيحي بتسريب شريط به أوضاع مخلة بالآداب لفتاة مسلمة كان علي علاقة غير لائقة بها ليتم تحويل الأمر من قضية جنائية يفترض أن تنظر فيها النيابة العامة إلي قضية طائفية استنفر لها المجاهدون من كل حدب وصوب، للذود عن حمي الإسلام والمسلمين، وقطع شأفة أعداء الدين!
وقام أقارب الفتاة بقتل والد الشاب وعمه المسنين رغم عدم ضلوعهما في الجريمة الأصلية، لتمتد ردود الفعل بعد ذلك من قرية أمشول حيث وقعت الواقعة إلي مدينة ديروط التي تتبعها، حيث قام عشرات من المسلمين بالاعتداء علي منازل ومتاجر وممتلكات المسيحيين في المدينة مطالبين بإطلاق سراح أقارب الفتاة المتهمين بقتل والد الشاب وعمه، مما كاد أن يؤدي لإحراق المدينة بأسرها لولا التدخل الأمني المكثف.
الجدير بالذكر هنا أن وتيرة هذه الاعتداءات تتصاعد يوما بعد يوم علي الرغم من اختفاء الجماعة الإسلامية التي كان ينسب إلي عناصرها المسئولية عن هذه الأعمال، مما يدل علي أن جذور الفتنة قد تم زرعها بنجاح في نفوس العوام، وأن هذه الاعتداءات أصبحت تحدث بشكل تلقائي وعفوي وتلقي استجابة ومشاركة جماهيرية وكأنها من صالح الأعمال الوطنية أو التعبدية.
ونحن هنا لا نحاول إثبات أن العنف مكون أساسي في الدين الإسلامي دون بقية الديانات، ولكننا نقول إن العنف يصبح مفهوما بل وقدرا محتوما متي أصبحت المرجعية في المجتمع مرجعية دينية وليست مدنية وإنسانية، ويروي لنا التاريخ كيف أن المسيحيين أنفسهم قد مارسوا هذا النوع من العنف كثيرا ضد أصحاب الديانات الأخري سواء في مصر أو في أوروبا وأمريكا.
إلا أن الذي يستعصي علي الفهم حقا هو لماذا يفعل المصريون المسلمون هذا بإخوانهم المصريين المسيحيين؟ لماذا يذبحون وطنهم من الوريد؟ ذلك أن هذا السلوك العدائي تجاه شركاء الوطن لايصب بأي حال في صالح الأغلبية المسلمة المطحونة التي تمارسه، فماذا يستفيد المواطن المسلم الغلبان من حرق كنيسة أو قتل مواطن مسيحي غلبان مثله؟ إن المستفيد الحقيقي من الفتنة الطائفية إلي جانب جماعات الإسلام السياسي، هما الدولة والكنيسة، وليس المواطن العادي، فالدولة يريحها أن تتناحر الجماهير المطحونة فيما بينها ولا تتوحد في مواجهة
سياساتهاالفاشلة، والكنيسة تزيد الفتنة من نفوذها باعتبارها حامي حمي المسيحيين، مما يزيد من انطواء هؤلاء علي أنفسهم، ويمنع انخراطهم في العمل الوطني ويعرقل كل جهود الإصلاح السياسي والاقتصادي.
كذلك لا نستطيع أن نفهم سلبية الدولة تجاه تصاعد وتيرة العنف الطائفي .
فإذا كنا مع التحفظ الشديد قد تفهمنا منطق النظام عندما تحالف مع التيار الديني في بداية السبعينيات لاستخدامه في تجريف الشارع السياسي، وإقصاء المعارضة اليسارية والليبرالية، من أجل تمرير مخططاته في تحويل المجتمع المصري من مجتمع اشتراكي إلي مجتمع رأسمالي، وإطلاق سياسات الانفتاح الاقتصادي والخصخصة والتقارب مع السعودية والصلح مع إسرائيل وغيرها، فقد كانت خطة الرئيس السابق أنور السادات تقضي باستئجار هذا التيار لأداء هذه المهمة المحددة ثم صرفه فور انتهاء مرحلة الهدم، لأنه لا يصلح حليفا في مرحلة البناء فما دوافع النظام الآن في استمرار تحالفه مع هؤلاء بل وتواطؤه معهم في تفتيت وحدتنا الوطنية، إذا كانت توجهاته صادقة نحو الإصلاح والتنمية؟
إن تساهل أجهزة الدولة في مواجهة التحريض الطائفي، وعدم تفعيل القوانين المجرمة له، وعدم إنزال العقاب القانوني الرادع بالجناة والإكتفاء بجلسات التصالح العرفية التي تعيد إنتاج حوادث العنف من جديد، فضلا عن عدم استكمال المنظومة التشريعية اللازمة لتفعيل مادة المواطنة والقوانين الخاصة بمناهضة التمييز الديني ساهم في زيادة الاحتقان والصراع الطائفي في البلاد! إنه ليؤسفنا أن نري الأنظمة ذات الثقافة السلفية من حولنا التي قامت بتصدير هذه البضاعة الفاسدة إلينا، تفيق اليوم من سباتها، وتنضو ثوب البداوة عن كاهل شعوبها، وتبدأ في الضرب بيد من حديد علي أيدي المتطرفين، بل تقوم بعزلهم عن منابر المساجد ودور العلم ووسائل الإعلام، كما حدث مؤخرا في بعض بلاد الخليج، بينما نحن مازلنا نمنحهم المنابر والمواقع اللازمة لينفثوا من خلالها سموم العداء للعقل والمدنية والسلام الاجتماعي.
لم يعد السكوت ممكنا أو جائزا تجاه هذه الهمجية السلفية التي تمزق نسيجنا الوطني، وتعبث بأمننا القومي، وتخرج لنا أجيالا من القتلة والمجرمين، بل إننا نستطيع أن نعلن، وبأعلي صوت، أن كل من يتواني عن مواجهة هؤلاء، ولا يضع التصدي لمخططاتهم السوداء علي رأس برنامجه السياسي، وقائمة أولوياته، ومن اليوم قبل الغد، لا خير فيه، ولا يستحق أن يتطلع لقيادة هذه الأمة.
باحث في الإسلام السياسي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.