لم تكن معركة رواية «عزازيل» تخص يوسف زيدان وحده، بل كانت – فى جوهرها – معركة حرية الإبداع فى مواجهة محاولات الوصاية الدينية على النص الأدبى، ومحاولات إخضاع الخيال لمحاكم الإيمان. يومها، وقفت روزاليوسف فى الصفوف الأولى دفاعًا عن رواية قُرئت بوصفها عملًا تخيليًا خالصا، لا كتاب عقيدة، ولا مرجع تاريخ، ولا بيانا لاهوتيا، وعن كاتب ارتقى فجأة إلى مصاف النجومية الثقافية، محمولا على أكتاف نص أدبى جرىء، مختلف، إشكالى، لكنه يستحق النقاش لا المصادرة. كان انحيازنا آنذاك انحيازا للمبدأ لا للشخص؛ لحرية الكاتب فى أن يتخيل، وحرية القارئ فى أن ينتقد، ورفض تحويل الأدب إلى متهم فى محكمة الإيمان، أو محاضر فى درس لاهوتي. قلنا بوضوح لا لبس فيه إن ما يرد على ألسنة الشخصيات يُحاكم فنيا، لا دينيا، وإن الرواية تخضع للنقد الأدبى الصارم، لا لبيانات التحريم والتجريم. وكان هذا هو جوهر المعركة، لا يوسف زيدان فى ذاته. لكن المسافة بين «عزازيل» و«سفر العذارى» روايته الأخيرة- ليست مسافة زمنية فقط، بل مسافة مسار، وانحدار فى الخيارات، وتحول فى الدور. فالرجل الذى صعد بموهبة سردية حقيقية، وبحساسية لغوية لافتة، وبقدرة على الاشتباك مع التاريخ بوصفه مادة فنية، يبدو اليوم أسيرا لوهج آخر أكثر إغراءً وأقل قيمة. وهج التريند، وضجيج الجدل، وإغواء الكاميرا. فى روايته الأخيرة، المعروضة حاليًا فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، لا يبدو الجدل نابعا من النص بقدر ما يُصنَع خارجه. فبدل أن يترك يوسف زيدان عمله يواجه قراءه ونقاده فى ساحة الأدب الطبيعية، آثر أن يجعل من صفحاته على مواقع التواصل، ومن لقاءاته التليفزيونية، منصات مفتوحة لإطلاق آراء صادمة، أو قراءات تاريخية هشة ومبتسرة، يُعاد تدويرها بعناية، لا لإثراء النقاش، بل لاستدعاء الغضب، وإعادة الضوء إلى اسم خفت بريقه منذ سنوات. الأدب، حين يفقد ثقته فى قوته الذاتية، يلجأ إلى الاستفزاز. والكاتب، حين يشك فى قدرة نصه على الحياة، يستعين بالضوضاء. النص الواثق لا يحتاج إلى هذا القدر من الصراخ، ولا إلى وصاية صاحبه، ولا إلى معارك جانبية تُفتعل خارج الصفحات. لكن هكذا بدا يوسف زيدان اليوم.لا كروائى يراهن على «سفر العذارى» بل كإعلامى يفتش عن معركة بأى ثمن، حتى لو كان الثمن هو النص ذاته. الذروة الفجة لهذا المسار تمثلت فى ادعائه سحب ومصادرة الرواية من معرض القاهرة الدولى للكتاب، فى محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج صورة الكاتب المضطهد. ادعاء لم يصمد طويلًا أمام النفى القاطع من أحمد مجاهد، وإدارة المعرض، اللذين أكدا دون مواربة أن الرواية لم تُسحب ولم تُصادر. هنا لا نتحدث عن اختلاف فى التقدير، بل عن واقعة مختلقة، ولعب صريح بورقة القمع الوهمى، فى مناخ ثقافى لا يحتمل هذا القدر من التضليل. لقد دافعنا عن يوسف زيدان حين كان الدفاع عنه دفاعا عن الحرية ذاتها. أما اليوم، فإن محاكمته – أدبيا واعلاميا– باتت واجبا نقديا لا مهرب منه. لا خصومة شخصية هنا، بل موقف واضح ضد اختزال الإبداع فى إثارة، والثقافة فى شو إعلامى، والاختلاف فى افتعال معارك زائفة تبحث عن التريند أكثر مما تبحث عن المعنى. يوسف زيدان لم يُحاصَر، ولم يُصادَر، ولم يُمنَع.لكنه، للأسف، حاصر نفسه داخل دائرة الجدل الرخيص. وسقوط الكاتب لا يبدأ حين يُهاجَم، بل حين يتخلى طوعا عن شروط الكتابة، ويستبدل الأدب بالضجيج، والفكرة باللقطة، والتاريخ بالادعاء. وهو سقوط مؤلم، لا لأنه مفاجئ، بل لأنه سقوط كان يمكن تفاديه، لو اختار صاحبه أن يثق فى الأدب أكثر من ثقته فى الضجيج.