لم تكن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في جلسة الحوار الخاصة ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مجرد حضور مصري تقليدي في محفل دولي، بل جاءت محمّلة برسائل سياسية واقتصادية متشابكة، تعكس موقع مصر في لحظة عالمية شديدة الاضطراب. فبين تصاعد الصراعات الجيوسياسية، وتآكل الثقة في النظام الدولي، وتباطؤ الاقتصاد العالمي، اختارت القاهرة أن تقدم نفسها كنموذج للدولة التي تراهن على الاستقرار كشرط للتنمية، وعلى التنمية كمدخل للاستقرار. في كلمته، حرص الرئيس عبدالفتاح السيسي على وضع السياق الدولي في صدارة المشهد، مؤكدًا أن التحديات الراهنة لم تعد اقتصادية بحتة، بل باتت نتاجًا مباشرًا لاختلالات سياسية عميقة، أبرزها تجاوز قواعد الشرعية الدولية، وتصاعد منطق القوة على حساب القانون. هذا التشخيص لم يكن توصيفًا نظريًا، بل مقدمة منطقية لفهم الرؤية المصرية التي ترى أن غياب الاستقرار الإقليمي والدولي يقوض أي جهود تنموية، مهما بلغت جاذبية الأسواق أو مرونة السياسات الاقتصادية. الشق السياسي من الكلمة، لا سيما ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حمل دلالة خاصة.. فإصرار الرئيس على اعتبار القضية الفلسطينية "جوهر الاستقرار الإقليمي" يعكس إدراكًا مصريًا بأن تجاهل جذور الصراع في الشرق الأوسط يظل العائق الأكبر أمام أي تصور لازدهار إقليمي حقيقي. ومن هنا جاء الترحيب بجهود وقف الحرب في غزة، والدعوة إلى البناء على مخرجات قمة شرم الشيخ، باعتبارها محاولة لإعادة السياسة إلى مسارها الطبيعي، بدل ترك الساحة لمنطق السلاح والفوضى. لكن ما ميّز خطاب دافوس هو هذا التداخل المحسوب بين السياسة والاقتصاد... فالرئيس لم يفصل بين الحديث عن السلام، والحديث عن الإصلاح الاقتصادي، بل قدمهما كمسارين متوازيين ومتكاملين. فمصر، بحسب الخطاب، اختارت الاستمرار في برنامج إصلاحي صعب، رغم الضغوط الإقليمية والدولية، واضعة القطاع الخاص في قلب المعادلة التنموية، ومحددة سقفًا للاستثمارات الحكومية، وماضية في تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، بما يعكس تحولًا هيكليًا في دور الدولة من منافس إلى منظم ومحفز. من هذا المنطلق، طرح الرئيس السيسي، مقاربة تستهدف تحقيق السلام والاستقرار والتنمية معًا، بصفة مستدامة، قائمة على أربعة محاور أساسية، تبدأ بالتمسك بالحوار والتعاون الدولى، وإعلاء مبادئ الاحترام المتبادل والتعايش السلمى، واحترام القانون الدولى وميثاق الأممالمتحدة. وثاني المحاور، ضرورة الالتزام بتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتجنب التصعيد، وتهيئة المناخ للتوصل لحلول مستدامة لمختلف الأزمات، وثالثاً، السعى لتعزيز التكامل والاندماج بين الدول، ومنح أولوية للقضاء على الفقر والجوع، وفي محورها الرابع ضرورة تعزيز دور مؤسسات الأعمال الوطنية والإقليمية والدولية، وتمكين القطاع الخاص من القيام بدور محورى، فى جهود تحقيق التنمية الشاملة. الرسالة الأخرى كانت للمستثمرين، حينما قدم الرئيس استعراضا لمؤشرات تحسن الأداء الاقتصادي، وإشادات مؤسسات التمويل الدولية، ورفع التصنيف الائتماني، وهذه رسالة أساسية للمستثمرين في دافوس، وليست وعودًا مستقبلية بقدر ما كانت عرضًا لمسار قائم بالفعل. فمصر لا تطرح نفسها كسوق واعدة فحسب، بل كنقطة ارتكاز إقليمية مدعومة ببنية تحتية حديثة، ومنطقة اقتصادية استراتيجية في قناة السويس، وشبكة اتفاقيات تجارية تفتح أبواب إفريقيا والعالم العربي. في المحصلة، حملت مشاركة الرئيس السيسي في دافوس رؤية مصرية متكاملة، لا تفصل بين الاستقرار والتنمية، ولا بين الداخل والخارج. رؤية تقول إن الدولة الوطنية القوية، المنفتحة على الشراكات، الملتزمة بالقانون الدولي، هي القادرة وحدها على جذب الاستثمار وصناعة النمو المستدام. وبينما يترنح النظام الدولي تحت وطأة الأزمات، حاولت القاهرة من دافوس أن تذكّر العالم بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من احترام القواعد، وأن الاقتصاد، مهما بلغ من قوة، لا يمكن أن يزدهر في فراغ سياسي مضطرب.