شىء طبيعى جدا من إسرائيل أن تتجاهل القانون الدولى وميثاق الأممالمتحدة وهى تعترف ب«أرض الصومال» أو «صومالي لاند» دولة مستقلة ذات سيادة، لتكون الدولة الوحيدة فى العالم التى تفعلها دون أن تخشى أى عواقب، وحين عقد مجلس الأمن جلسة لمناقشة اعترافها الأُحادى، تصدت الولاياتالمتحدة كالعادة للدفاع، واستخدمت عبارات حادة كأنها تنتقد الجلسة باعتبارها «مضيعة للوقت»، و«تشتت الانتباه عن العمل الجاد لمعالجة قضايا السلم والأمن الدوليين، بما فى ذلك الشرق الأوسط والقرن الإفريقى»، ويبدو أن أمريكا ترى فى تفكيك دولة ما فى القرن الإفريقى لا يمثل تهديدا للسلام، مع أن ما حدث فى الصومال يمكن أن تقلده أقاليم كثيرة فيها نزاعات عرقية وطائفية وحدودية، مما يسبب توترات عالمية لا يمكن السيطرة عليها! المدهش أن الولاياتالمتحدة قارنت بوقاحة بين اعتراف إسرائيل ب«أرض الصومال»، واعتراف دول أعضاء فى مجلس الأمن بدولة فلسطينية ليس لها وجود، واتهمت المجلس بازدواجية المعايير، وهى مقارنة لا تمت لحقائق الواقع بأى صلة، وتعد دليلا يضاف إلى مئات الأدلة على ما صنعته الولاياتالمتحدة من اضطربات فى العالم، بعد الحرب العالمية الثانية. والسؤال البسيط: لماذا اعترفت إسرائيل الآن ب«أرض الصومال» التى تنقب عن أى دولة تعترف بها منذ عام 1991؟ قبل الإجابة عن هذه السؤال المهم، قد نحتار فى توصيف نظام الأمن القومى العربى، ومن مكوناته البحر الأحمر والقرن الإفريقى، ونتعجب من دور مؤسسته الأم وهى جامعة الدول العربية فى حماية هذا الأمن، دور غائب كليا فى صراعات وحروب وانقسامات ضربت المنطقة العربية فى الصميم، فتمزقت أوصال دول كثيرة فيها: السودان، واليمن والعراق، وسوريا، وليبيا واليمن والصومال، بل وراحت دول منه تتفاوض على سلام وهمى مع إسرائيل باسم الاتفاقات الإبراهيمية، وهى دول بلا حدود تماس مع إسرائيل، نعم لم يعد نظام الأمن الإقليمى العربى صالحا بوضعه الحالى! نعود إلى السؤال: لماذا الاعتراف الإسرائيلى الآن؟، الإجابة لها جوانب كثير. أولا: هو محاولة جديدة من بنيامين نتنياهو للهروب من أزماته الداخلية وإنقاذ حكومته من السقوط، بنقل دائرة التوتر إلى مساحات محيطة بالإقليم، خاصة بعد الاتفاق الهش لوقف الحرب فى غزة. ثانيا: استغلال فرصة انشغال المجتمع الدولى بأزمات أكثر خطورة وأهمية مثل الحرب فى أوكرانيا، والحرب التجارية العالمية، والوضع فى غزة، لتستكمل عمل الموساد فى القرن الإفريقى لسنوات طويلة، بمد النفوذ الإسرائيلى إلى مناطق غير تقليدية. ثالثا: السعى إلى بناء قاعدة عسكرية تطل على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر، لتصبح نقطة مراقبة وتأمين لخطوط التجارة، وبلاغ من إسرائيل لحلفائها الغربيين بأنها شريك نشط وفعال فى حماية الملاحة العالمية. رابعا: رسالة مزدوجة إلى إيران والحوثيين بأن إسرائيل بات لها مسرح عمليات قريب منهم، قادر على تطويقهم من الجنوب. خامسا: تثبت قدرتها على ضم دول إلى الاتفاقات الإبراهيمية، بالرغم من كل ما فعلته فى غزة من جرائم حرب. سادسا: سبق لحكومة إسرائيل أن بحثت إمكانية نقل الفلسطينيين من غزة وتوطينهم فى مناطق بالقرن الإفريقى، وقالت فضائية إسرائيلية إن الاعتراف والدعم المالى قد يعنى قبول أرض الصومال للهجرة الفلسطينية. مؤكد أن وجود إسرائيل فى «صومالي لاند» هو تحدٍّ خطير للأمن القومى العربى فى مدخل البحر الأحمر، وهو ما تنبهت له مصر مبكرا، فقوَّت علاقاتها مع «الصومال» وصار لها وجود محسوس وأدوات ومراكز مؤثرة، يمكنها أن تعرقل إنشاء أى قاعدة عسكرية إسرائيلية فى «أرض الصومال»!، أى أن الاعتراف الإسرائيلى بمثابة فتح جبهة جديدة للصراع، وهنا نتعجب من تأييد الولاياتالمتحدة للخطوة الإسرائيلية الخطيرة، فى منطقة شديدة الحساسية وهى مدخل البحر الأحمر، ولا يمكن أن تقبل الدول المطلة عليه «نفوذا ضاغطا» على مصالحها الحيوية فيه، بينما الرئيس الأمريكى يتحدث عن السلام ويحلم بجائزة نوبل. والسؤال الآخر: لماذا احتفت أرض الصومال بالاعتراف الإسرائيلى؟ أزمة «صومالي لاند» تعود إلى عام 1991، حين نشبت الحرب الأهلية فى البلاد بعد سقوط نظام سياد برى، ونتج عنه فراغ سياسى بعد انهيار مؤسسات الدولة، فالفصائل المسلحة أطاحت بالسلطة المركزية، ولم تكن تملك خطة بديلة، فتفككت الدولة بين القبائل والحركات الدينية المتشددة، كل فصيل فرض سطوته ونفوذه على منطقة، فانتقلت السلطة من المؤسسات إلى الجماعات المسلحة، تتناقل بين المناطق حسب التغيرات التى تحدث فى موازين القوة!، ولم تفلح أبدا جهود الأممالمتحدة والاتحاد الإفريقى فى بناء سلطة مركزية، حتى مع الإبقاء على الكيانات شبه المستقلة، وقد لعبت تدخلات إثيوبيا المباشرة دورا محوريا فى دوام الفوضى، حتى تشغل الصومال عن المطالبة بأقليم «أوجادين» الذى تعتبره الصومال جزءا من أراضيها، نقله الاستعمار البريطانى إلى السيادة الإثيوبية فى سنة 1897، بالإضافة إلى أدوار إسرائيل والدعم الأمريكى الغربى فى عدم إطفاء النيران! ويبدو أن تاريخ الصومال نفسه لعب دورا فى هذا التشرذم، فالصومال كانت تحت نوعين من الاحتلال، بريطانى فى الجزء الشمالى، وإيطالى فى الجزء الجنوبى، ثم توحد الإقليمان فى يوليو عام 1960 بعد الاستقلال. وأعادت الحرب الأهلية الإقليمين إلى ما قبل 1960، فأخذت «أرض الصومال» موقفا انفصاليا، فصكت عملة خاصة بها، وجوازات سفر، وأنشأت جيشًا وحكومة مستقلة، وراحت تسعى إلى اعتراف دولى لم تحصل عليه إلا من إسرائيل. المدهش حقًا أن دوافع الانفصال ليست عرقية أو دينية، فسكان أرض الصومال فى الشمال، وعددهم ستة ملايين ومائتى ألف نسمة، مسلمون، ولهم نفس الانتماءات القبلية التى فى الجنوب « إسحاق ودارود، وسمارون»، ويبررون دوافعهم بالتهميش والتمييز الذى عانوا منه طويلا، ورغبة فى الفرار من الفوضى التى عاشتها مقديشيو سياسيا واقتصاديا بعد الحرب الأهلية. ولهذا تباينت ردود فعل أهل «أرض الصومال» تجاه الاعتراف الإسرائيلى بدولتهم بين حفاوة شديدة ومظاهرات مناهضة، وتفاوت الموقف بين السلطة الباحثة عن الاعتراف الدولى ويؤيدها غالبية نسبية من الشعب، وقطاع محسوس من الشعب يعادى إسرائيل ويرفض اعترافها. من الناحية الرسمية وفى مدن عديدة، خرج عشرات الآلاف من الصوماليين الشماليين يحتفلون وهم يرفعون علم أرض الصومال الانفصالى وعلم إسرائيل، وفى الملعب الرئيسى بالعاصمة هرجيسا تجمع الآلاف بالأعلام يهتفون بالنصر وكسر العزلة الدولية التى تجاوزت خمسة وثلاثين سنة. على الضفة الأخرى وفى بعض المدن خرجت مظاهرات أغلبها من قبيلة السمارون رافعة أعلام فلسطين، ورددت شعارات داعمة للقضية الفلسطينية، ورافضة لأى وجود إسرائيلى فى أرض الصومال، وأن الاحتفاء الرسمى لا يمثل الإرادة الشعبية، وأن الاعتراف الإسرائيلى هو قرار سياسى من السلطة الانفصالية وليس من الشعب، وأنه خيانة للقيم الأخلاقية والتضامن مع الشعب الفلسطينى! باختصار، تضع «أرض الصومال» الأمن القومى العربى والأمن القومى المصرى أمام اختبار استراتيجى جاد، وحسنا ما فعلته مصر من تكثيف اتصالاتها مع دول العالم، التى أعلنت معظمها رفضها للاعتراف الإسرائيلى، ووصفته بأنه تهديد للسلام والأعراف الدولية، بل إن الولاياتالمتحدة التى دافعت فى مجلس الأمن عن قرار إسرائيل أعلنت أنها لن تقدم على هذه الخطوة ولن تعترف ب«أرض الصومال». باختصار، اعتراف إسرائيل ليس استغلالا لانشغال العالم فى قضايا حيوية أهم من أرض الصومال البالغة 176 ألف كيومتر مربع، وإنما هو استغلال لحالة عربية مرتبكة، سمحت للذئب الإسرائيلى أن يتوحش! 1