رئيس لجنة الطاقة بمجلس النواب يدلي بصوته في انتخابات نقابة المهندسين    الأنبا أرساني يشارك في حفل إفطار بالسفارة المصرية في لاهاي    التحالف الوطني للعمل الأهلي يكرّم الهيئة القبطية الإنجيلية ضمن مبادرة "أثر الخير"    محافظ القاهرة: التصدي لأية محاولات للتلاعب بالأسعار أو احتكار السلع    وزير البترول: برنامج لتعظيم الاستفادة من موارد حقل ظهر بالتعاون مع شركاء الاستثمار    محافظ الفيوم يتفقد أحد المواقع المقترحة لنقل موقف سيارات العدوة وسيلا    وزير الخارجية يبحث هاتفيا مع رئيس الحكومة القطرية التصعيد العسكري الخطير بالمنطقة    القاهرة الإخبارية: مخاوف أوروبية من أزمة طاقة جديدة    استشهاد فلسطينى برصاص الاحتلال الإسرائيلى شرق غزة    موعد مباراة ريال مدريد أمام سيلتا فيجو في الليجا.. والقنوات الناقلة    مؤتمر فليك: تنتظرنا مهمة صعبة أمام بيلباو.. وبيدري وليفاندوفسكي جاهزان    القبض على شاب ضايق فتاة ب«قلم ليزر» بالإسكندرية| فيديو    فيديو متداول يقود لضبط المتهم بسرقة هاتف محمول بالإسكندرية    حملة بيطرية بدمياط تضبط لحومًا فاسدة وتؤكد حماية صحة المواطنين    الحجار وهنيدى والليثى.. مشاهير إمبابة يتصدرون مائدة إفطار شارع الاعتماد    أول حلقتين من «نون النسوة» تتصدران الترند.. وإشادات بأداء مي كساب    محمد محمود والد أحمد داود في «بابا وماما جيران»    «الصحة» تعلن اعتماد أول مستشفى تابع للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان    وزير الطاقة القطري: الحرب ستجبر الخليج على وقف صادرات الطاقة    رومان سايس: وضعت يدي على رأسي عندما اختار دياز التسديد على طريقة بانينكا    ال10 مسلسلات الأكثر مشاهدة بالنصف الأول من رمضان بأنحاء العالم فى Watch it    أذكار المساء ليوم الجمعة.. كلمات مباركة يرددها المسلمون طلبًا للطمأنينة والبركة    استراتيجية الردع والصمود..BBC: إيران تخوض حربا من أجل البقاء لا النصر    علامات تؤكد تأثير الدهون والسمنة على صحتك    فرقة الشيخ محمد أبوالعيون تحيى الليلة الختامية من ليالى رمضان الثقافية بقصر ثقافة أسيوط اليوم    محافظ الإسكندرية يستقبل رئيس جامعة برج العرب التكنولوجية والوفد المرافق    من بدر إلى فتح مكة.. لماذا ارتبط شهر رمضان بأعظم الانتصارات في التاريخ الإسلامي؟    عمرو عثمان: التوسع في برامج الدمج المجتمعي والتمكين الاقتصادي للمتعافيات من الإدمان    خسارة توتنهام الخامسة تواليا تنعكس على الجماهير في المدرجات    انفجار إطار سيارة داخل ورشة ينهي حياة شاب بدار السلام فى سوهاج    تأجيل «عمومية الصحفيين» لعدم اكتمال النصاب    الغرف التجارية: توجيهات الرئيس بشأن المتلاعبين بالأسعار رسالة حاسمة لضبط الأسواق    وزير الاستثمار يؤكد دور التمثيل التجاري في جذب الاستثمارات وتنمية الصادرات    الفيوم تحصد المركزين الأول والثاني في مسابقة حفظ القرآن الكريم    فيديو استغاثة المنتزه يقود الأمن لضبط لص المواتير وديلر المخدرات    من هم الصائمين الذين لا يُقبل صيامهم؟    ترامب لميسي: «لقد واجهتم أفضل نادٍ في مصر».. كواليس حديث الرئيس الأمريكي عن الأهلي    وزير دفاع أمريكا يوجه رسالة الى الإيرانيين.. ويؤكد: الانتفاضة قادمة    هيئة التأمين الصحى الشامل ترصد إقبالا متزايدا على المنافذ بالفترات المسائية    اسعار الفراخ البيضا والبلدى اليوم الجمعه 6مارس 2026 فى المنيا    الإمارات تدرس تجميد الأصول الإيرانية الموجودة في نظامها المالي    شعبة الذهب تكشف أسباب انخفاض الأسعار    الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»    تشكيل بايرن ميونخ المتوقع لمواجهة مونشنجلادباخ في الدوري الألماني    باريس: 52 سفينة فرنسية عالقة في مياه الخليج و8 في البحر الأحمر    الصحة: اعتماد أول مستشفى تابع للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان من GAHAR    الأسبوع الثالث من رمضان.. الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس حتى الأربعاء    النقل تحذر المواطنين من اقتحام مزلقانات القطارات    الرئيس السيسي يتوعد كل من يرفع الأسعار: محاكمة عسكرية بانتظاره    لعزومة مشرفة، طريقة عمل كفتة الحاتي في خطوات بسيطة    مسلسل رأس الأفعى الحلقة 16.. مجلات الإخوان قديمًا تروج للمظلومية وتعيد إحياء فكر سيد قطب.. الجماعة الإرهابية تغتال المقدم محمود عبد الحميد.. ومحمد كمال يوجه بالإعلان عن حركة حسم.. ومحمود عزت يخطط لانفلات أمنى    "المتر سمير" يشعل محركات البحث.. ثنائية كريم محمود عبد العزيز ومحمد عبد الرحمن تخطف الأنظار    ماهر همام: أفتقد روح الفانلة الحمراء داخل الأهلي    الفنانة الجزائرية مريم حليم تنفي زواجها.. ومحمد موسى يفاجئها بفستان العرس    ترامب ل ميسي: نحن نحتفل بالأبطال.. وتعادلتم مع أفضل نادٍ في مصر    حقيقة نشوب حريق بالنادي الأهلي في مدينة نصر    عالم أزهري: احتكار السلع في وقت الحروب تخريب يضاعف الأزمات ويضغط على الدولة    عالم بالأوقاف: حروب المنطقة مفتعلة لاستنزاف الثروات وتكريس التبعية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



زياد الرحبانى سيرة الغضب والجمال والحرية
حين عزف خارج السرب وصار صوتا لجيل ب: بلا ولا شى

فى بدايات السبعينيات، وبينما كانت بيروت تحترق على مهل وتتهيأ لحرب أهلية طاحنة، ظهر فتى فى السابعة عشرة، يحمل إرثًا ثقيلًا على كتفيه، لكنه لا يشبه أحدًا ممن سبقوه. ذلك الفتى كان «زياد الرحبانى»، نجل «عاصى الرحبانى وفيروز»، لكنه لم يأتِ ليكمل مشروع العائلة، بل ليكتب مشروعًا خاصًا، فوضويًا، ناقمًا، حداثيًا.
كانت أولى خطواته الموسيقية العلنية حين لحن أغنية (سألونى الناس) فى بداية السبعينيات ل«فيروز» وهو فى عمر الرابعة عشر، بعد مرض والده عاصى. الأغنية بدت فى ظاهرها استمرارًا للأسلوب «الرحبانى»، لكنها كانت تحمل توقيعًا عاطفيًا جديدًا: نبرة الحزن لم تكن رومانسية فحسب، بل واقعية، موجعة وحادة.
فى السنوات التالية، بدأ «زياد» يخرج عن عباءة العائلة. لم يعد فقط الابن الذى يكتب لأمه، بل الفنان الذى يؤسس لغته المستقلة. أسس مع فرقة «المسرح السياسى» مسارًا غنائيًا وموسيقيًا جديدًا، وخاصًا جدًا، يقوم على المزج بين الجاز والمقامات الشرقية، وعلى نصوص تقترب من العبارات اليومية، الساخرة والعنيفة والحميمية أيضًا.
ألبوماته الغنائية لم تكن ألبومات طربية بالمعنى المعروف، بل يوميات مسموعة، يسجل فيها حالته النفسية، وسخريته، ويأسه، ومرارته، بل وحتى عزلته. من (بما إنو) إلى (مونودوز) إلى (ولا شي)، تغنّى «زياد» بصوته الهش، المتعب، الذى لا يخجل من الخروج عن المقام، لأن ما يهمه هو الشعور، لا التقنية الفنية.
لم يكن «زياد» مغنيًا تقليديًا، بل أقرب إلى راوٍ غنائى، يقترب من الشاعر المؤدى أكثر مما يقترب من المطرب. صوته كان مليئًا بالتشويش والهمس والتعبير اللحظى، وهذا ما جعله صادقًا ومؤلمًا، ومرفوضًا أحيانًا. اعتمد فى موسيقاه على أسلوب التوزيع الكثيف والثرى: آلات النفخ، البيانو، الإيقاعات الغربية، والوتريات المتوترة. كانت ألحانه أشبه بمقطوعات مسرحية مصغرة، تبدأ بهدوء، وتتصاعد دراميًا، وتنفجر، ثم تنهار.
من خلال أغانى مثل (أنا مش كافر، بتعرف شو المشكلة، بما إنو، وشو هالأيام)، رسم «زياد» خريطة لمزاج لبنانى وعربى مأزوم، يتقاطع فيه الحب بالخذلان، والسياسة بالخوف، والوطن بالمنفى.

زياد وفيروز.. علاقة فنية نادرة لا تشبه أى منهما
لم تكن علاقة «زياد الرحبانى» بوالدته «فيروز»، مجرد علاقة أم بابنها، بل كانت علاقة مركبة، عاطفية وفنية، مبنية على صمت طويل، وحنين أبدى، وتمرد متبادل من نوع خاص. منذ الطفولة، لم يكن «زياد» طفلًا عاديًا فى البيت «الرحبانى». كان يرى والديه قديسين على مسرح الغناء، لكن خلف الكواليس، كان هناك خلل مبكر فى صورة «العائلة النموذجية». انفصال «فيروز» عن «عاصى» زعزع إحساس «زياد» بالأمان، وربما زرع فيه أول بذور الغضب والشك.
(سألونى الناس) كانت التعاون الأول بين «زياد» ووالدته «فيروز»، بل كان أيضًا الانفجار العاطفى الأول له، لحنها وهو فى عمر الرابعة عشر، ودمج فيها كل ما يشعر به من فقد وارتباك حين مرض والده وغاب عن المسرح. لم تكن مجرد أغنية، بل كانت نداء شخصيًا: «سألونى الناس عنك يا حبيبى... كتبوا المكاتيب وأخدها الهوا، بيعز على غنى يا حبيبى.. لأول مرة ما بنكون سوا».
كانت هذه الأغنية بمثابة تخليدًا لقصة حب «عاصى وفيروز». فعندما غنتها «فيروز» لأول مرة بعد وفاة «عاصى الرحبانى»، بكت فيروز وهى تقول: «ولأول مرة ما بنكون سوا».
وفى نهاية السبعينيات أصدرا «فيروز وزياد» معا ألبوم (وحدن)، الذى مثّل نقطة تحول فى مسيرة «فيروز» الفنية بعد توقف والده «عاصى الرحبانى» عن التلحين.. حافظ «زياد» فى الألبومات الأولى على الجوهر الكلاسيكى لصوت «فيروز» لكنه أضاف موسيقى تعكس روح العصر واستمر ذلك فى الأعمال التالية ومنها ألبوم (معرفتى فيك) عام 1987 ثم ألبوم (كيفك أنت) عام 1991، الذى صدم جمهور «فيروز»، وصدمها هى أيضًا حيث لم تكن قد غنت من قبل لهجة «بيروت الشعبية» بهذا الشكل. لم تكن قد غنت «كلمات شارع» فيها عتاب خافت، ولهفة مكبوتة، وحنين يشبه الحب البكر. (كيفك إنت؟) لم تكن أغنية، كانت مواجهة: بين أم وابنها، بين مطربة وألحان ابنها الذى قرر أن تغنى لا كما كانت، بل كما يراها هو.
فى تلك الفترة، «زياد» لم يكن فقط يكتب أغانى، بل كان يكتب علاقته مع والدته من جديد. يروض المسافة الطويلة بين الصمت والبوح، بين النجومية والبيت، بين ما كانت تمثله كرمز للبنان، وبين ما أراد أن يفعله بهدم لبنان الرمزى ليعيد بناءه على طريقته.
علاقة «زياد» ب«فيروز» هى من أكثر العلاقات العصية على الفهم، وربما تكون الأكثر تعقيدًا على الإطلاق. لم تكن حنونة بالمعنى التقليدى، لكنها كانت مفعمة بالولاء الصامت. لم يكن «زياد» ابنًا مطيعًا، ولا فنانًا تابعًا. وكان هذا تحديدًا ما يجعل لقاءهما الفنى حدثًا كونيًا استثنائيًا. هو لا يعاملها كأم، وهى لا تغنى له كطفلها. هو يرى فيها «الصوت»، وهى ترى فيه «القلق والعبقرية».
فى كل مرة لحن لها، كانت النتيجة كأنها تغنى لأول مرة. وفى كل مرة يغيب عنها، كأنه يتركها تتأمل صورته فيه، التى لا تشبه أحدًا من قبله.
فى ألبومات مثل (وحدن وكيفك انت وإلى عاصي)، ظهرت «فيروز» بصوت مختلف. أصبحت قادرة على التعبير عن الحب المعقد، والخذلان، والانكسار، ليس فقط الحنين والرومانسية والبطولة كما فى زمن «الأخوين رحبانى». «زياد» كتب لها أغانى عن الندم، والانتظار، والتعب، والخسارات اليومية.
مع السنوات، بدأت العلاقة المهنية بين «زياد وفيروز» تتآكل، بصمت. لم يعلنا القطيعة، لكنها حدثت. لا خلافات علنية، ولا تراشق بالكلمات. فقط صمت طويل، وابتعاد تدريجى، وانفصال لم يكن فنيًا فقط، بل ربما عاطفيًا أيضًا. ومع ذلك، ظل اسم «زياد» مرتبطًا ب«فيروز»، وظل صوتها هو الجسر الأجمل الذى عبر منه إلى الجمهور.

حياة شخصية شائكة.. وعلاقة مربكة بالأم
لم تكن حياة «زياد» الشخصية أقل التباسًا من أعماله الفنية. فهو ابن المرأة الأعظم فى الغناء العربى، لكنه لم يكن أبدًا ابنًا مطيعًا ولا متمردًا صاخبًا، بل كان كائنًا معقدًا يصطدم بأمه حينا ويذوب فى تقديرها حينا آخر. كتب لها ألحانًا من أعمق ما لحن، ورفض فى الوقت نفسه أن يكون ظلا فى مؤسستها.
لم يكن سهلًا أن تكون ابن «فيروز». كان «زياد» مدفوعًا بحس عالٍ بالاختلاف، يبحث عن صوته الخاص بعيدًا عن صوت والدته، فيرفض ما تعتبره قداسة فنية، ويعيد تشكيله بنزعة ساخرة، عبثية أحيانًا، وموجعة دائمًا. لكن مهما ابتعد، ظل الحبل السرى يشده إلى هذه الأم، لا فقط بصفتها «فيروز»، بل بصفتها المرأة الوحيدة التى لم تتخلَّ عنه، مهما اشتدت حدة خلافاتهما.
من تلك العلاقة ولدت أكثر ألحانه صدقًا، وأكثرها حزنًا أيضًا. كان يكتب لها كمن يكتب لنفسه التى لم يعرف كيف يُحبها.
كانت علاقة «زياد» بوالدته «فيروز» وهو الابن الأكبر لها، ساحة للدهشة والتوتر معًا. الأيقونة الهادئة، الساكنة، التى لا يعرف عنها الجمهور إلا ما يسمح له بمعرفته، و«زياد» هذا الابن الثائر، الصارخ، الذى يفرغ قلقه علنًا، فى كل أغنية ولحن وحتى مسرحية.
ورغم هذا التباين، فقد تشكلت بينهما علاقة فنية نادرة، امتدت لأربعة عقود، قدم خلالها «زياد» ل«فيروز» ألحانًا صنعت وجهًا جديدًا لها.

السياسة على طريقته.. الشيوعى الذى لم يُقنعه اليسار
لم يكن «زياد» فنانًا محايدًا يومًا. انحاز للفقراء، للمهمشين، للعمال، وللقاع الشعبى بكل ما فيه من قبح وجمال. انتمى للحزب الشيوعى اللبنانى، لكنه لم يكن يومًا داعية حزبيًا. بل كان دائم الانتقاد لليسار التقليدى، ولسلوك الأحزاب، وللنفاق السياسى.
لم يُخفِ «زياد» يومًا انتماءه اليسارى. كتب مقالات فى الصحف، وعبّر عن دعمه للفقراء والعمال، وانتقد زعماء الطوائف دون استثناء. دعم الحزب الشيوعى اللبنانى، ووقف ضد الحرب الأهلية، واعتبر أن الطائفية أخطر أمراض لبنان.
كان ساخرًا حتى من رفاقه، كما فى مسرحية (شى فاشل). التى عبر فيها عن خيبته من اليسار اللبنانى وكيف كانت موازية لخيبة جيله من حلم التغيير. ظل ماركسيًا، لكن على طريقته: موسيقى لا يثق بالشعارات، وكاتب يفضح التناقضات من الداخل.
فى مسرحياته، هاجم المارونية السياسية، والزعامة السنية، واليسار المترهل، والسلاح الفلسطينى، والتدخل السورى. لم يسلَم منه أحد. وبهذا، كسب محبة الجميع.. وعداء الجميع أيضا.
وقت ذروة الحرب الأهلية اللبنانية، كان «زياد» يقدم مسرحياته وأغانيه فى بيروت الشرقية والغربية، يكتب عن القتل الطائفى، والحصار، والخوف، والفساد، والخذلان. كان جزءا من زمن الانقسام، لكنه لم يكن جزءا من أى طائفة أو فئة.
فى بلد أنهكته الحرب الأهلية، وأعادت تشكيل طبقاته وقيمه، كان «زياد» أقرب إلى ضمير يقظ، لا ينتمى إلى طائفة أو حزب، بل إلى الإنسان. حمل هم المواطن المقهور فى مسرحياته، وعرى نفاق السلطات، وفضح هشاشة النُخب، وسخر من انهيار التعليم والاقتصاد والخطاب الإعلامى.
وفى الوقت الذى غرق فيه كثير من الفنانين فى مجاراة ذوق السوق أو الابتعاد عن الشأن العام، تمسّك «زياد» بحقه فى التعبير، وحق الناس فى الغضب، فكان جريئا أكثر مما يُحتمل، وصادقا أكثر مما يغفر. كان يعرف أنه يدفع ثمنا، لكنه لم يتراجع.
صرخته لم تكن فقط سياسية أو اجتماعية، بل جمالية أيضا؛ صرخة ضد الابتذال، ضد التفاهة، ضد أن تتحول الموسيقى والكلمة والمسرحية إلى سلعة. فى زمن سادت فيه الرداءة، اختار «زياد» أن يظل وفيا للمعايير العالية، حتى لو كلفه ذلك العزلة والقلق وسوء الفهم.
لقد كان «زياد الرحبانى»، مشروع مقاومة شاملة: مقاومة للجهل، للظلم، للسطحية، وللخوف. فنان خرج من قلب المؤسسة «الرحبانية»، لكنه كسر جدرانها حين شعر أنها تضيق به، ومشى فى طريقه الخاص، وحيدا أحيانا، لكنه مرفوع الرأس.
صرخة «زياد» كانت مؤلمة، وجارحة فى أحيان أخرى، لكنها كانت دائمًا صادقة. وحين خفت صوته فى السنوات الأخيرة، شعرنا بأن شيئا من الوعى قد تراجع، وشيئا من الأمل قد انطفأ.

تمرد الشاب المحتضن للحياة
إلى جانب الثورة فى السياسة وبلده لبنان، كان التمرد الآخر ل«زياد» تمردًا على الواقع العائلى. ففى عمر الرابعة عشر، غادر منزل والديه، أولا إلى منزل عمه «إلياس الرحبانى»، ثم انتقل إلى بيت صديقه الأقرب «جوزيف صقر»، قبل أن يستقل تمامًا.
وفى أحد اللقاءات التليفزيونية، قال «زياد»: «لم أكن أشعر بالراحة فى منزل أهلى. بعد فترة، بدأ يدخل إلى البيت أرستقراطيون ومنتجون يريدون إعادة تصميم كل شيء: لازم يكون فى كذا بالصالون، ولازم يتغير كذا.. صار البيت غريبًا علينا».
هذا الانفصال المبكر لم يكن مجرد قرار مراهق بالهرب من قيود الأهل، بل كان إعلانًا لبدء بناء ذات مستقلة، فنيًا وماديًا.
فى ذهن «زياد»، لا يمكن أن توجد حرية حقيقية دون استقلال مادى، وهو ما جعله يعمل مبكرًا فى استديوهات التسجيل والعزف والمسرح، ويختبر الحياة خارج العباءة «الرحبانية». أتاح له هذا الابتعاد أن يكتشف موسيقات لم تكن مسموعة فى بيت أهله: الجاز، البلوز، الراب، وأن يُدخل هذه الأنماط إلى أغنيته اللبنانية بشجاعة. لقد حرر نفسه فنيًا بقدر ما حرر نفسه شخصيًا.

مسرح الشارع الذكى.. عندما يصبح العبث
أشد صدقًا من النظام!
بدأ «زياد» فى كتابة المسرح فى سن مبكرة، وكانت أولى أعماله اللافتة هى (بالنسبة لبكرا شو؟) عام 1978، التى قدم فيها شخصيات مهزومة، مضحكة، ومأساوية فى آن واحد. كان الحوار باللهجة اللبنانية، مليئًا بالشتائم، والتعليقات السياسية، والانهيارات النفسية.
وجد «زياد» فى المسرح منصة مثالية للتعبير عن آرائه السياسية والاجتماعية. كتب وأخرج ومثّل مسرحيات غلبت عليها الكوميديا السوداء، النقد السياسى، والاشتباك مع الواقع اللبنانى بتعقيداته الطائفية والطبقية.
تميز مسرح «زياد» بما يمكن تسميته «مسرح الشارع الذكى»، حيث لا ينفصل الفن عن السياسة، ولا السخرية عن الغضب. كان يكتب بعين الصحفى ولسان العاشق المكسور، ويمثل بشخصه الحقيقى لا بأقنعة.
فى مسرحيات: (فيلم أمريكى طويل، نزل السرور، بخصوص الكرامة والشعب العنيد، شى فاشل)، كان «زياد» يكتب للناس، لا للنخبة. لغته شعبية، ساخرة، لكنها مشبعة بالفكر.. كوميديا سوداء، تنتهى دائمًا بانهيار البطل، أو موته، أو انتحاره، أو سكوته الأبدى.. لم يكن يثق فى الحلول، بل فى الأسئلة. عبثه لم يكن يائسًا، بل واقعيًا لدرجة الخوف. كان يدعو الجمهور للضحك على مآسيه، لأنه لا يملك حلًا آخر.

صوت المدينة.. وجرحها
أغانى «زياد الرحبانى» لم تكن فقط رسائل سياسية، بل كانت أيضًا قصائد حب وخيبة وانهيار. غنى لبيروت حين سقطت، وغنى لها حين نهضت مجددًا، وغنى من داخل الحطام لا من فوقه. مزج اللهجة العامية بالفصحى، السخرية بالبكاء، العتاب بالتحريض. لم يغنِّ كمن يُقدم عرضًا، بل كمن يُبلغ رسالة.
ولم تكن ألحانه مجرد جُمل موسيقية، بل طقوسًا كاملة من النَفَس الطويل والاحتدام الداخلى. يتعمد التكرار أحيانًا كمن يحفر فى الجرح، ويكسر الإيقاع فجأة كمن يصرخ.
لم يكن «زياد» فنانًا سهلًا ولا إنسانًا بسيطًا. عاش تناقضات حادة: بين العبقرية والعزلة، بين الحنين والنقمة، بين الحضور الكاسح والانسحاب الطويل.
تأثرت شخصيته بمرض والده، وبصمت والدته، وبخذلان السياسة، وبالخذلان الشخصى أيضًا.
لم يكن «زياد الرحبانى» مجرد فنان كبير تجاهله العالم، بل كان فنانًا كبيرًا تجاهل نفسه أولًا. عبقريته، التى تكسرت بين شكه ويقينه، وبين نزعته للتدمير ونزوعه للحب، لم تجد احتضانًا حقيقيًا لا من المجتمع ولا من ذاته. لم يسعَ إلى النجومية، بل احتقرها أحيانًا، ووقف على هامش بيروت لا لأنه لا يستحق الصدارة، بل لأنه كان يرفضها بشروطها المبتذلة. فنان لا يتقن التسويق ولا يجيد الدبلوماسية، اختار أن يكون خارج اللعبة، حتى لو دفع ثمن ذلك عزلةً واختناقًا وشعورًا مستمرًا بالخذلان.
سخر من السياسة ثم غرق فيها، سخر من الإعلام ثم لجأ إليه لينقذ أغانيه من الغرق، أحب النساء لكنه لم يعرف كيف يحتفظ بأى منهن. حياته خليط نادر من الحدة والجمال، من الاحتجاج والحنين، من العبقرية المشتتة والموهبة الخائفة من ذاتها.
«زياد الرحبانى» كان يستحق عالمًا يُنصفه، لكنه قبل كل شيء كان يستحق نفسًا تُنصفه.
برحيله، لا نفقد فقط مجرد موسيقى أو كاتبًا أو مسرحيًا، بل نفقد مرآة صادقة كانت تعكس بشاعة واقعنا، ونورًا خافتًا كان يضىء فجوات الروح.
«زياد الرحبانى» لم يمت كفنان عادى. مات كواحد من آخر الأصوات الحرة فى منطقتنا العربية المكسورة والمهزومة. سيظل صوته باقيًا، فى كلمات أغانيه، فى تسجيلات حفلاته، فى نكتة قالها، فى لحن صنعه، فى حنينه إلى حب لم يأت، وفى حكاية مدينة لم يعرف أحد كيف يحبها مثله.
2
3
4
5
6


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.