تتساقط الأكاذيب التركية واحدة تلو الأخرى خلال الآونة الأخيرة، لتعرى حقيقة هذا النظام المتأسلم القائم على السرقة والنهب والأباطيل أمام العالم. حيث كان آخر تلك الوقائع ما كشفه تقرير رسمى عن دخول الاقتصاد التركى فى حالة ركود لم يشهدها منذ عقد من الزمن. فقد شكل النمو المزيف للاقتصاد التركى، قائمة الأساطير التى روجها حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان طوال فترة حكمه، وكانت تلك الخرافة بمثابة الحجة التى يسوقها مؤيدوه من جماعة الإخوان الإرهابية فى البلدان العربية للسيطرة على الحكم فى تلك البلدان. لذلك تفند روز اليوسف فى هذا التقرير، كافة أكاذيب صعود الاقتصاد التركى خلال حقبة زعامة أردوغان منذ عام 2002، وكيف لعبت سياسة الاعتماد على الديون الخارجية دورا رئيسيا فى وضع تركيا ضمن أكبر 20 اقتصاد فى العالم، دون تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية. أسباب الركود لأول مرة منذ عشر سنوات يدخل الاقتصاد التركى فى حالة ركود، إثر انكماش النمو لربعين متتالين الأمر الذى اعتبر ضربة موجعة للرئيس التركى رجب طيب أردوغان، مع اتجاه البلاد لانتخابات بلدية مهمة ستجرى أواخر مارس الجارى. حيث كشفت بيانات رسمية تركية أن الاقتصاد التركى انكمش بنسبة 3 % خلال الربع الأخير من عام 2018 مقارنة بالربع الأخير من العام الأسبق. ويشهد الوضع الاقتصادى فى تركيا تقلبات حادة بفعل عوامل عدة، أولها السياسات الاقتصادية لأردوغان الذى حاول دفع الاقتصاد للنمو مهما كانت كلفة السياسات المتبعة، حيث ضغط على البنك المركزى التركى لإبقاء معدلات الفائدة وتكلفة الاقتراض متدنية، وذلك لتحقيق أهداف سياسية قصيرة المدى على حساب البراجماتية الاقتصادية. وفى ظل هذه السياسات النقدية التى حاول أردوغان العام الماضى بلورتها من خلال تدخله فى قرارات البنك المركزى، مرت الليرة التركية بأزمة أفقدتها أكثر من30 % من قيمتها أمام الدولار الأمريكى، لينمو الاقتصاد خلال العام الماضى 2.6 % وهى أدنى نسبة منذ عام 2009. وكان الاقتصاد التركى فى عام 2017 من بين أسرع الاقتصادات الناشئة فى العالم، لكن لم يكن هذا النمو الذى يحققه الاقتصاد متوازنا طوال تلك السنوات السابقة، حيث كان نتيجة لزيادة الإنفاق الحكومى الزائد، والنمو السريع فى حجم الائتمان والإقراض والذى أدى إلى زيادة الواردات وبالتالى زيادة العجز فى الحساب الجارى. وهم النهضة قام مشروع النهضة التركية المزعومة لحزب التنمية والعدالة التركى، على عدة أسس أولا إعادة هيكلة القطاع المصرفى والتوسع فى منح القروض للمواطنين وهو ما أدى إلى زيادة الديون الداخلية لنحو نصف مليار ليرة، وهو ما خلق نموا تضخميا بنى على فقاعة مصرفية يمكن أن تنفجر فى أى لحظة، فى حال توقف المقرضين الدوليين عن شراء السندات وأدوات الدين التركية. ثانيا الاعتماد السياحة كمورد اقتصادى أساسى، خاصة بعد إلغاء تأشيرة السياحة مع العديد من الدول الأوروبية، وذلك على حساب التنمية الزراعية، وعلى الرغم من وصول عدد السياح الوافدين لتركيا لنحو 36 مليون سائح، إلا أن عائدات السياحة لا تتجاوز 30 مليار دولار، وهو ما يشير إلى أن معظم العائدات تذهب للشركات السياحة العالمية. ثالثا اعتمدت هذه الخطة على عنصر ثالث وهو فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية والخصخصة، وجعل تركيا بمثابة مقر للصناعات التجميعية لأوروبا، وهو ما جعل حجم الواردات التركية يفوق دائما حجم الصادرات، وهو ما يدلل على أن هذه النهضة مصطنعة حيث إن الشركات العابرة للقارات هى المستفيد الأكبر منها وليس المواطن التركى محاولة متأخرة ويعمل البنك المركزى التركى فى الوقت الحالى فى محاولة تبدو متأخرة على تحديد معدلات فائدة مرتفعة من أجل السيطرة على معدل التضخم المرتفع والحفاظ على سعر الليرة، وهو ما أدى إلى تعثر المحرك الرئيسى للاقتصاد التركى، بعد تهاوى حجم الائتمانات المصرفية بأكثر من 7 % خلال الربع الأخير. ليدخل الاقتصاد وفق هذه العوامل ضمن أسوء ثلاثة اقتصادات ناشئة هذا العام، دافعا ثمن السياسات السابقة المبالغ فيها. عجز ضخم وبحسب البيانات التى أعلنها البنك المركزى التركى الأسبوع الماضى، بلغ العجز فى ميزان المعاملات الجارية لتركيا 813 مليون دولار فى يناير الماضى، فيما وصل إجمالى العجز خلال 2018، لنحو 27.633 مليار دولار. وتراجعت قيمة إجمالى الإنتاج المحلى الذى بلغ 851 مليارا و490 مليون دولار ما يعادل 3 تريليونات و106 مليارات و537 مليون ليرة تركية فى عام 2017، إلى 784 مليارا و67 مليون دولار (3 تريليونات و700 مليار و989 مليون ليرة تركية) فى عام العام الماضى بسبب انهيار الليرة أمام العملات الأجنبية. وبحسب البيانات الرسمية للبنك المركزى التركى، فإن معدل النمو الذى وصل إلى 7.4 % فى الربع الأول من العام الماضى، تراجع إلى 5.3 % فى الربع الثانى من العام ذاته، ليسجل 1.8 % فى الربع الثالث، فيما لم تظهر حتى الآن معدلات النمو الخاصة بالربع الأخير من 2018، بينما ذكرت تقارير أن المركزى سيعلنها فى وقت سابق. وبحسب هذه المؤشرات فإن نسبة النمو ال7 % التى طالما تباهى بها أردوغان منذ أواخر 2009، تتلاشى شيئا فشيئا بسبب انهيار العملة التركية التى فقدت 40 % من قيمتها أمام الدولار منتصف العام الماضى، على خلفية العقوبات الأمريكية على أنقرة، والتى من المتوقع أن يتم تشديدها وفق تهديدات واشنطن مؤخرا لأنقرة بعدم شراء منظومة «أس 400» للدفاع الجوى من روسيا. مقاطعة السياحة وبجانب التوقعات المتعلقة بتعرض الليرة التركية لهزات خلال الفترة القادمة، فإن هناك تراجعا ملحوظا فى معدل تدفق السياحة الوافدة لتركيا خاصة السياحة العربية والسعودية بشكل خاص. وتراجع عدد السياح والعائدات التركية، خلال الربع الثالث من العام الماضى، بعد أن حقق الربع الأول، زيادة بنسبة 36 %، مقارنة مع العام السابق، وزاد عدد السياح عن 5 ملايين سائح. وتعاظم هذا التباطؤ بسبب حملات المقاطعة الشعبية للسياحة التركية التى نظمها بعض السعوديين، عقب تدهور العلاقات السياسية بين المملكة وتركيا على خلفية قضية مقتل الصحفى جمال خاشقجى فى القنصلية السعودية باسطنبول فى أكتوبر العام الماضى. وبلغ عدد السياح السعوديين لأنقرة فى عام 2018 نحو 827 ألف سائح، حيث تحتل السعودية ثالث أكبر دولة مصدرة للسياحة لتركيا بعد ألمانيا وإيران. وأظهرت البيانات الصادرة عن معهد الإحصاء التركى خلال مارس الجارى، تراجعا فى عدد السياح القادمين من ألمانيا إلى نصف ما كان عليه بسبب السياسات القمعية للحكومة. وجاء هذا التراجع نتيجة لتصريحات وزير الداخلية التركى سليمان صويلو، والتى أعلن فيها عن إمكانية اعتقال السياح الذين وجهوا إهانات للرئيس التركى رجب طيب أردوغان. وحذرت السلطات الألمانية مواطنيها من السفر إلى تركيا، خشية اعتقالهم بسبب التعبير عن الرأى. ويشكل السياح الألمان أكثر من ربع السياحة الوافدة لتركيا، حيث بلغ عددهم نحو 10 ملايين سائح فى 2018، من إجمالى عدد سائحين بلغ 36 مليونا. إفلاس الشركات وإضافة للمؤشرات السابقة فتعد ظاهرة تزايد إفلاس الشركات التركية، التى تفاقمت خلال العالمين الماضيين، أحد أهم المؤشرات التى تؤكد تدهور الوضع الاقتصادى فى تركيا. وأكدت مؤسسات دولية أن هذا العام سيواجه الاقتصاد فيه انكماشا كبيرا على خلفية هذه الظاهرة، حيث أفلست أكثر من 15 ألف شركة العام الماضى، فى ظل توقعات بزيادة هذه النسبة خلال العام الحالى. وأدى هذا الإغلاق إلى زيادة معدل البطالة إلى 11.6 % خلال أكتوبر الماضى، حيث تخطى عدد العاطلين عن العمل 3 ملايين شخص. ديون متراكمة تعد الديون الضخمة أحد أكبر المخاطر التى تحيق بالاقتصاد التركى، وبلغت الديون التركية الخارجية طويلة الأجل أكثر من 210 مليارات دولار، فيما بلغت الديون الخارجية قصيرة الأجل 118 مليار دولار. فيما تبلغ ديون القطاع الخاص قصيرة الأجل أكثر من 87 مليار دولار، بينما تجاوزت ديون الأتراك المستحقة للبنوك التركية نحو 500 مليار ليرة. واردات ضخمة تشكل زيادة حجم الواردات التركية مقارنة بمعدلات التصدير أحد أكبر التشوهات التى تواجه الاقتصاد التركى خلال العقدين الآخرين. وبحسب بيانات هيئة الإحصاء التركية، فإن قيمة الواردات التركية خلال 2018، بلغت نحو 223مليار دولار، فيما بلغت الصادرات خلال العام، نحو 168 مليار دولار. ونتيجة لتلك المخاطر تحاول الحكومة التركية خفض معدل الاستيراد لإحداث توازن فى الحساب الجارى، غير أن هذا العجز الكبير يحتاج إلى إجراءات سريعة، وهو الأمر الذى يراه محللون صعبا، نتيجة اعتماد الحكومة خلال عقدين على سياسة الاستدانة التى خلفت تلك المشكلة. فى النهاية نحن أمام أكذوبة بدأت تتكشف جميع تفاصيلها، فى ظل التقارير العالمية والمحلية التى تشير إلى أن الديون التركية تمثل أكبر المخاطر التى تهدد العالم فى عام 2019، بعد كارثة الديون فى الأرجنتين.