ليس للفقر عقل، وليس للبحر أمان، فإذا ثار ابتلع فى أعماقه ضحاياه، وفى هذه المرة كان الضحايا معذبين فى الأرض، حلموا بالهروب من قدر الفقر، فلم يرحمهم قدر الموت.. إن «الغلابة» فى هذا الوطن، يفرون من القضاء إلى القضاء.. من الكارثة إلى المأساة، من الرمضاء إلى النار. الجديد فى حادث غرق مركب الهجرة غير الشرعية «الرسول»، الذى حصد أرواح نحو 51 إنسانًا، حسب الإحصاء الرسمي، «حتى كتابة هذا السطور»، لا يتمثل فى أن المركب الغارق حمل فوق ظهره أربعمائة من البؤساء الذين ابتغوا الوصول إلى «بلاد اليورو»، عبر سواحل رشيد، وإنما الجديد والأكثر ايلاما أن رحلة الهجرة إلى المجهول، أصبحت تستقطب أسرًا كاملة، صار أفرادها يهربون جماعيًا، إلى حد أن أبًا اصطحب معه زوجته وطفله الرضيع، الذى لم يتجاوز عمره العامين. قد يغامر الإنسان بحياته، أما أن يجعل «ضناه» جزءًا من مغامرة، تحفها المخاطر من كل جانب، وتتربص أشباح الموت الانقضاض عليها، من الزوايا الأربع، فهذا أمر غير مألوف، يصعب تفهمه. بالإضافة إلى ذلك، يكشف التمعن فى «فسيفساء المهاجرين»، عن أن أسرًا من خمسة أشخاص سددوا لسماسرة الهجرة غير الشرعية، مائتين وخمسين ألف جنيه، مقابل صعودهم على «متن مغامرة مجنونة»، وهى حقيقة لابد أن تفضى إلى التساؤل عما إذا كان مبلغ ال«ربع مليون جنيه»، لا يكفى لتوفير حياة كريمة فوق تراب المحروسة، وعن الدوافع التى تسوق من بحوزتهم هذا المبلغ إلى الفرار إلى «أعماق الملوحة وعويل الريح». قد يكون الطمع سببًا، لكن هل منطقى أن الطمع وحده يدفع إنسانًا إلى اقتراف هذه المحاولة البائسة وشبه اليائسة للهرب من مصر؟ فى بلد منكوب بويلات حرب بربرية مثل سورية، ربما يمكن تفهم هكذا مشهد، ويغدو منطقيًا أن يضطر أب إلى أن يضع أطفاله وزوجته على متن مركب، لأن الموت «المحتمل» فى البحر، يقابله موت «محتمل» ببراميل البارود أو سكاكين «داعش» على البر، لكن فى مصر ينبغى أن نتساءل عن حجم الضغوط الاقتصادية التى تفقد الإنسان عقله، ليتورط فى حماقة بهذا الحجم. تلك أسئلة ليست على هامش الكارثة، وهى على خطورتها، لا تغطى على حقيقة أن الحزن عشش فى قلب الوطن، أمام مشهد تراجيدي، أشبه ما يكون بمشاهد غرق السفينة «تايتانيك» فى الفيلم الأمريكى الشهير. ثمة أب أدى فزعه من الموت، فى لحظات الغرق، إلى أن يعمل بالمثل: «لو جالك الطوفان حط ابنك تحت رجليك»، لكنه لم «يحط» ابنه فحسب، وإنما زوجته، أم ابنه وشريكته، ليقفز من المركب.. تركهما وهما أقرب الأقربين، لمصيرهما الذى يعلمه جيدًا. الأب الذى لم يتجاوز الثلاثين، متولى محمد متولى استقبل حماه المفجوع صارخًا: «سامحنى كنت عايز أعيشهم عيشة زى الناس»، لا يعلم ما إذا كانت الأقدار قد رفقت به، فمنحته فرصة حياة جديدة، أم إن الموت كان له أرحم، بعد أن أصبحت قرعات ضميره كالسياط اللاهبة، وتأنيبه لذاته على ضعفه أمام موقف مهول، يدمى قلبه، ويعتصر وجدانه. أما والد الزوجة الشيخ الواهن، فلم يفعل شيئًا إلا التوجه إلى ثلاجة حفظ الموتي، لتغرق دموعه بياض لحيته، ومن ثم يمسحها بجلبابه الريفى الرث، قبل أن يطبع القبلة الأخيرة وداعًا على جبين فلذة كبده الممزق. ولا يتوقف انهمار الدمع إزاء ما يرويه عجوز آخر، هو محمد عبدالحافظ، قرية فى محافظة الشرقية، من أنه باع «ما وراءه وما أمامه» حتى يسدد المال للسمسار، فيقبل بتسفير ابنه البالغ تسعة وعشرين عامًا، إلى القارة العجوز، أملاً فى أن ينتشل إخوانه الصغار من الفقر. إما أن تصيب أو أن تخيب.. هكذا فكر الرجل، لقد وجد نفسه أمام احتمالين، إما أن تنجو المركب، فيتحررون جميعًا من أغلال الفقر، أو أن يغرق ابنه، فاختار أن يغامر. فى ألعاب المقامرة، لا يلجأ المحترفون إلى الخيارات المؤلمة، فالمغامرة يجب أن تكون محسوبة، فلا تؤدى إن فشلت إلى كسر الظهر، لكن العجوز غامر.. غامر بحياة ابنه، رغم أن احتمالات النجاة واهنة للغاية.. فأى درجة من درجات الفقر تلك؟.. وهل ثمة أمان فى وطن فيه فئة من البشر بلغوا هذا المبلغ من اليأس فى أن تتحسن حياتهم؟ ورغم أن الابن كان من ضمن الناجين، يبقى المشهد محرضًا على التفكير فى الحال الذى بلغناه؟ على الدرب ذاته، سارت «أم محمد» التى رضيت بخسارة خمسين ألف جنيه، لأن ابنها كتبت له الحياة من جديد، لكنها رغم وطأة ذهولها، لم تتردد فى القول إنها ستدفع ابنها العشرينى مجددًا لركوب البحر، فليس لديها من خيار آخر، من أجل إنقاذ أبنائها من الفقر المدقع، الذى ازدادت وحشيته بعدما توفى الأب الذى كان يعيلهم جميعًا، من عمله حرفيًا «أرزقى على باب الله» باليومية. ووفقًا لسجلات الذين تحفظت الأجهزة الأمنية، من الناجين، تحت ذريعة اتهامهم جريمة الشروع فى الهجرة غير الشرعية، فإن تسعة وعشرين راكبا على المركب كانوا دون الثامنة عشرة، أى أنهم بحكم القانون محض أطفال، وبحكم الأعراف الاجتماعية فى فترة «تفتح براعم الشباب»، حيث الانتقال إلى الفتوة والقدرة على العمل والمشاركة فى الإنتاج. ومن هؤلاء أحمد جمال عبدالدايم، الطالب بالصف الثالث بالثانوية الصناعية، ابن قرية كفر شكر بمحافظة القليوبية، الذى اتفق مع مهرب على أن يسدد أهله 35 ألف جنيه، متى يصل سواحل الحلم على الضفة الأخري، فإذا بالمركب يتأرجح، ليغوص فى الأعماق، ويظل يصارع الموت بذراعين مرهقين، حتى أدركته قوارب الإنقاذ، ولم يبق فى ذاكرته من الرحلة الملعونة، سوى ملامح الفزع، وقسمات «اسفكسيا الغرق» على وجوه الضحايا. غير أن ما لاقاه أحمد، لا يعدو شيئًا بالمقارنة بمصير هيثم محمد ظافر، ابن التاسعة عشرة الذى ينحدر إلى قرية مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، والذى أصبح رقمًا فى قائمة تحمل أسماء الغرقي. لم يقتله البحر، وإنما البطالة.. بهذه الجملة القصيرة العميقة يحلل ابن خالته عمرو محمد الدراما القدرية، فيما كان يقف أمام بوابة المستشفى لحمل جثمان الشاب حتى يوارى الثري، بعدما أصيبت أمه بانهيار عصبى حاد. «كعب داير» من مشرحة مستشفى كفر الدوار العام إلى قسم الشرطة، حتى وقعت عيناه على الجثمان وقد انتفخ وجهه الأزرق، وذوبت أملاح البحر شيئًا من أرنبة أنفه. أما محمد سامح عبدالدايم، ابن قرية الجزيرة الخضراء، الذى احتجزته الشرطة، فقد وقف أبوه يذرف الدمع أمام باب القسم الحديدي، وهو يقول: «يعنى حرام نحلم.. شباب كثيرون من القرية سافروا وعادوا، وهم يملكون سيارات وأراضى وعمارات، الولد صعبت عليه العيشة، فمضى يقتفى أحلامه فى الهرب من البطالة، لكن البحر عصف بالحلم، ولم يعد لى أمل إلا أن آخذه فى حضني». فى هذه الغضون، كان محافظ البحيرة الدكتور محمد سلطان، يجتمع بالقيادات الأمنية داخل قسم الشرطة، بحضور قنصل السودان بالإسكندرية محمد الصغيرون الذى هرع لتفقد أحوال مواطنيه الذين كانوا على متن المركب، لبحث العقوبات القانونية على «الناجين المقبوض عليهم»، وخرج الرجل من الاجتماع بقرار توجيههم إلى النيابة، فإذا بالأهالى يحاصرون القسم، ليعود أدراجه ومن ثم تنفتح البوابات بعد نحو نصف ساعة، ليرتمى الناجون من الموت، أو العائدون إلى الفقر، فى أحضان ذويهم، وتنهمر الدموع من العيون الكسيرة. ووسط طوفان الدموع وفوضى الأحضان، أخذ أب يقبل رأس ابنه الذى يوحى مظهره بأنه لم يتجاوز من العمر سن الثانية عشرة، وهو يبكى: «سامحنى يا ضنايا.. أبوك يستاهل القتل»، لكن رفض الإدلاء بحرف عن قصته، أو حتى تصويره، قبل أن يقبض على راحة طفله، ليغادرا المكان يدًا بيد. وكان المقبوض عليهم من الأفارقة وتحديدا من السودان والصومال وتشاد وإثيوبيا مازالوا خلف القضبان، ومنهم سيدة إفريقية، أخذت «تتمرغ» على أرض الزنزانة، وهى «تبرطم» بكلمات سواحلية، قبل أن تقول لمن استوضحوها عما بها، بإنجليزية متعثرة مكسرة، إنها رأت لحظة زهوق روحى طفليها غرقًا، وها هى سجينة سيكون مصيرها الترحيل إلى بلدها، بعد خسارة خمسة آلاف دولار، عمولة سماسرة الهجرة غير الشرعية. ولا تنتقى المأساة المصريين فقط، فالفقر «ديمقراطي» للغاية، لا يفرق بين إنسان وآخر بسبب جنسيته، وكذلك الموت الذى لا يمارس الانتقائية. من هذا المنطلق، لم يفلت شاب صومالى من الوجيعة، بعدما سحب الموج صديقًا له أمام عينيه، كان يحاول أن يتشبث به، لكنه نزع يديه من على كتفه، ودفعه بعنف حتى لا يغرقا معًا. وبطريقة ال«فلاش باك» فى الأعمال الدرامية، أخذ متوكل عبدالرحمن، وهو شاب سودانى من الناجين، يروى كيف غرق المركب، عيناه تحدقان فى الفراغ، ترتسم على شفتيه ابتسامة، تعقبها تقطيبة بجبينه، يرتفع صوته مجلجلًا، ثم يغدو أشبه بالعويل: «تحرك المركب من مدينة إلى مدينة، حتى صار مكتظًا، ولم يستجب كبير الملاحين «المراكبي» لتوسلاتنا بعدم التحميل فوق الطاقة، حتى أخذ يتأرجح وتسرب الماء إلى حوافه، ومن ثم ملأ سطحه، حتى غرق فى المجهول». ولم يملك محمد عبدالدايم القدرة على كبح دموعه، لما كان يحتضن نجله سامح البالغ من العمر سبعة عشرة عامًا، ومن ثم صفعه على وجهه: «كده يا ابن .... كنت هتروح منى». ثم سجد الرجل الأربعينى شكرًا على عودة الشاب الذى اختفى فجأة، ثم تلقى منه اتصالاً ليخبره أنه على متن مركب يغرق، ويطلب منه أن يسامحه قبل أن يلقى ربه، لكن الأقدار رحمت قلبه وقلب أمه المريضة بالسكر والضغط. إلى جوار التفاصيل المأساوية، ثمة ملامح إجرامية للحكاية.. فالتربح من الفقر، الذى أصبح طابعًا عامًا، أسفر عن خلق طبقة من المتاجرين بالأرواح، من الصيادين الذين هجروا مهنتهم الأصلية، وأصبحوا سماسرة هجرة غير شرعية، طمعًا فى الأرباح السهلة، حتى لو كان «البيزنس» يهدد حياة المساكين المعدمين. وتنشط تجارة هؤلاء فى القرى الأشد فقرًا، وعلى رأسها برج رشيد بالبحيرة، وبرج مغيزل بكفر الشيخ، وعزبة البرج بدمياط، إلى حد أنهم أصبحوا يستخدمون أعوانًا يقنعون الشباب بالسفر لا شرعيًا، بما سيجدون فى القارة العجوز والثرية من أعناب وعيون وفاكهة مما يشتهون وحور عين من بنات الروم كأمثال اللؤلؤ المكنون. ويحصل السمسار على ألف جنيه «عن كل رأس» يقدمه إلى المهرب، بينما أقدم المهربون أنفسهم على تقديم «عروض خاصة» لاجتذاب الحالمين بالثراء، ومنها سداد نصف المبلغ أو أقل من ذلك مقدمًا، وتأجيل الدفعة الثانية بعدما يرسو القارب على شاطئ من شواطئ إيطاليا أو اليونان أو فرنسا.. بحسب الاتفاق. وإذا كان رجال حرس الحدود أحبطوا برشيد وإدكو خلال شهرى أغسطس وسبتمبر تسع محاولات هجرة غير شرعية، إلى إيطاليا، وشمل عدد الذين منعتهم السلطات من الهرب نحو ثمانمائة وخمسين، فإن أحدًا لا يعرف على وجه الدقة، عدد الذين تمكنوا بالفعل من الهرب، فالأرقام المعلنة وإن كانت تقدر عدد المهاجرين إلى إيطاليا من مصر وسورية وليبيا غيرها بنحو مائة وخمسة آلاف مهاجر، وإلى اليونان بمائة وثلاثة وستين ألفًا، تبقى أرقامًا غير حاسمة، لكن المؤكد أن رحلات الهجرة أسفرت عن مقتل ثلاثة آلاف ومائة وسبعة وستين قتيلا العام الجاري، وأكثر من ثلاثة آلاف وسبعمائة وسبعين قتيلا العام الماضي. ولا يبدى رئيس مدينة رشيد إبراهيم الشيمى أى شعور بالعجب إزاء تلك الأرقام «لأن كل شيء متوقع»، وهناك ثلاثمائة صياد يرتادون البحر يوميًا، وهذا رقم ليس سهلا السيطرة عليه، لكنه يرى أن التصدى لهذه الجريمة، يتطلب تغليظ العقوبات، إلى حد إعدام الصيادين الذين يتورطون فى جريمة تهريب الشباب إلى أوروبا. ويقول: «الحل هو قطع رقبة سماسرة الهجرة غير الشرعية.. قطع رقبة فوري، فى بعض الحالات لابد من حسم وشدة». رأى شبيه بذلك يتخذه أيضا محافظ البحيرة الدكتور محمد سلطان، الذى يؤكد أن تغليظ العقوبات أصبح مطلبا ملحًا، لوقف الجريمة التى وصفها بأنها إساءة بالغة إلى سمعة مصر. أما الدكتور حسنى البشبيشى وكيل وزارة الشئون الاجتماعية فيرد على انتقادات الأهالى بأن الحكومة لم تتحرك بالسرعة المناسبة لانتشال الضحايا قائلا: «هذا كلام فارغ.. لقد بذلنا جهدًا كبيرًا، وهناك دور يؤديه حرس الحدود وفرق الإنقاذ، أما من ناحية وزارة الشئون فقد قدمنا للناجين مواد الإعاشة التى تمثلت فى ستمائة وأربعين رغيفا وثلاثمائة زجاجة ماء وثلاثمائة وست وسبعين زجاجة عصير وخمس وعشرين علبة جبنة «مثلثات».. ربما على غرار «جبنة نيستو يا معفنين»! تسعيرة الهجرة: إيطاليا 55 وفرنسا 70.. وليبيا 7 آلاف يحدد سماسرة الهجرة غير الشرعية تسعيرة إجبارية عن «كل رأس» من راغبى الهروب إلى القارة الأوروبية. وينبغى على راغبى السفر إلى إيطاليا سداد 55 ألف جنيه، و50 ألفا إلى اليونان، وفرنسا 70 ألفًا باعتبارها من البلاد التى توفر للمهاجرين لجوءاً بصورة أسهل. ويبلغ متوسط المهاجرين غير الشرعيين على متن كل قارب نحو 200 مهاجر، ما يعنى أن السمسار يحقق أرباحًا تقدر بحوالى مليون جنيه عن الرحلة الواحدة. ولا تقتصر عمليات الهجرة على القارة الأوروبية، فهناك الهجرة برًا إلى ليبيا، التى يلزم سداد 7 آلاف جنيه من قبل كل راغب فيها.