تساءلت فى مقال سابق عن الدور الغائب لمعظم الأحزاب السياسية، ومؤسسات الفكر والثقافة والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدنى والتنوير، والكنيسة والأزهر، من معركة الحياة والموت التى تخوضها مصر ضد الإرهاب، وجماعة الإخوان التخريبية، وعصابات القتل والتكفير، ونحن فى مناخ الدعوة التى وجهها إرهابيو ما يُسمّى «الجبهة السلفية»، مرتزقة الدم والخراب، للنزول إلى الشوارع بالسلاح، ورفع المصاحف على الأكف، لإعلان «انتفاضة الشباب المسلم» المزعومة، وإسقاط الدولة، وهدم المجتمع، وإحراق الأخضر واليابس! وقد أتانى الرد سريعاً، فى العدد الجديد من «مجلة الأزهر»، التى تصدر عن «مجمع البحوث الإسلامية» بالأزهر الشريف، (عدد ديسمبر 2014 ج (2) السنة 88) التى خرجت فى حُلة قشيبة، وطباعة فاخرة، فى نحو 222 صفحة من القطع الكبير، وبرفقتها «هدية العدد»، وهى كتاب عنوانه «الوشيعة (أى اللفافة أو الضميمة)، فى نقض الشيعة»، ويقع الكتاب فى 368 صفحة من القطع الأصغر، وثمنهما معاً جنيهان لا أكثر، أى أقل من ثمن ساندوتش فول، لا يُسمن ولا يُغنى من جوع!. فرحت بالمجلة ورأيت أن سعرها مناسبٌ للغاية، حتى يقرأها ويتعلم منها الفقير قبل الغنى، لكن هالنى، عندما تصفحتها، ألا أجد فيها، من قريب أو بعيد كلمة واحدة تتناول ما يجرى فى محيط بلادنا من أحداث، أو حول ما يتهددها من مخاطر، وهو ما دفعنى إلى مطالعة عامة لما تيسر أمامى من أعداد المجلة، بامتداد الشهور القليلة الماضية، فتأكد لى هذا الانطباع المروع، الذى يلقى أضواء ساطعة على ما نراه من تطرف وعدوانية، فى طلاب «معقل الاعتدال والوسطية»، بل وفى مواقف العديد من شيوخ هذه الجامعة العريضة! ومن بين عشرة أعداد صدرت خلال فترة ما بعد سقوط حكم الإخوان، (من يونيو 2013) والعديد منها مزدوج، أى كان يصدر كل شهرين، وبمتوسط نحو أربعين مقالاً ودراسة وباباً كل عدد، أى تضمنت حوالى أربعمائة مقالاً ودراسة وباباً، تم بالمطلق تجاهل مخاطر الإرهاب على أمن مصر ومصالحها، وتجنبت المجلة، بأى صورة من الصور، التصدى لجرائم التكفيريين، الذين انتشروا يوزعون القتل والتدمير فى أنحاء البلاد، بل ولم تذكر كلمة «الإرهاب» بلفظها، أو مدلولها، على الإطلاق، ولو من قريب أو بعيد، عدا مقال واحد لاغير، فى عدد شهر يوليو 2014 صدر بعنوان «ظاهرة التطرف والغلو فى الدين»، للأستاذ الدكتور ربيع خليفة عبدالصادق، (ص:1898) وبعدها صمتٌ غريب ومريب، هو فى حد ذاته موقفٌ أكثر ريبة وغرابة.. ودلالة! ولا كلمة واحدة عن إرهاب الجماعة الباغية وتاريخها الدموى المقيت، ولا موقف واحد من عصابات الفتنة وقتلة الأنفس والأوطان، ولا دراسة عميقة واحدة (من الدراسات الأربعمائة التى احتوتها المجلة)، تتناول بالدرس والتحليل أسباب انتشار هذا الوباء وكيفية مقاومته، ولا كلمة عن موقف رجال الدين من جرائم الإرهاب ومخاذيهم.. لا شىء على الإطلاق يشير من أى طرف إلى أن هذه المجلة تُعبِّر عن مؤسسة مصرية إسلامية، هى مؤسسة «الأزهر»، التى نفتخر بها جميعاً، على اعتبار أنها معقل الاعتدال والوسطية، وكأنها مجلة تصدر، والعياذ بالله، فى دولة الواق واق! بل ونحن فى عز معركة التمييز بين الدين والسياسة، لمصلحة الدين والسياسة، وفى الوقت الذى يُجرِّم الدستور الجديد خلط الدين بالسياسة، وفى شهر إقرار هذا الدستور بأغلبية كاسحة، تدوس مجلة الأزهر، ورئيس تحريرها، على إرادة الأمة بالحذاء، وتصدر، فى عدد شهر يناير / فبراير 2014 مرفقة بكتاب يبدو مضمونه من عنوانه: «ضلالة فصل الدين عن السياسة»، ل«الإمام الشيخ محمدى الخضر حسين»! وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل إن المجلة والكتاب، وإمعاناً فى التعمية على العدو الرئيسى الذى يُهدد الوطن، اختلقا الآن عدواً ليس هو العدو الذى تواجهه مصر اليوم، واصطنعا عداوات لم تعهدها مصرنا، التى عاش فيها المسلم السنى، والمسلم الشيعى، والمسيحى الأرثوذكسى، والمسيحى الكاثوليكى، واليهودى، فضلاً عن الأرمنى والكردى، والقبرصى واليونانى، إلخ، فى وئام وسلام، منصهرين فى أتون «البوتقة» المصرية الجامعة، قبل أن يبذر دعاة التكفير والغلو، بذور الشقاق والفتنة، بين صفوف أبناء الوطن الواحد، بل والدين الواحد! فها هى مطبوعة رسمية تصدر عن الهيئة التى تبنت، ذات يوم ليس بالبعيد، مهمة «التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وبالذات بين السنة والشيعة، على عهد الشيخ «محمود شلتوت»، وخلفائه من قامات العلماء الأجلاء الكبار، تخرج لكى تتهم دون تريّث أو تبصّر كل الشيعة، على إطلاقهم، بالمروق عن الدين وخيانة الملّة، بل والعمالة!!.. العمالة لمن؟!،ل«هولاكو»، والتحالف مع من؟!. مع «جحافل التتار»!. ومتى؟!: فى عهد الوزير «ابن العلقمى!»، الذى عاش بين عامى (1197 و1258)! أى منذ أكثر من سبعة قرون ونصف القرن!. فهل هذا كلام يُعقل يا فضيلة شيخ الأزهر الموقر؟!. هل انتهينا من دحر كل أعداء الأمة، وألحقنا بهم الهزيمة النكراء، وطردناهم من أرضنا وبلادنا شر طردة، ولم يبق لدينا سوى الانتقام من الشيعة الحاليين على جريمة واحد منهم مر عليها سبعمائة وخمسين عاماً وأكثر؟!. ثم، وبفرض صحة هذا الأمر، فأولم يُعلمنا الدين أنه «لا تذر وازرةٌ وزر أخرى؟!»، ثم وبفرض دقة هذا الاعتقاد الكارثى، ألا يعرف الأزهر، (وإن كان د.«محمد عمارة»، رئيس تحرير «مجلة الأزهر»، يعرف بالتأكيد) أن هناك ما يُسمّى «التناقض الرئيسى»، الذى لا يلغى وجود «تناقضات ثانوية»، ليس اليوم موعد تفجيرها، حتى نهزم العدو الأساسى، وهو الآن مؤامرات وجرائم الإرهاب، التى تهدد فى الصميم البلاد والعباد، لتآمر ودعم، مادى وسياسى، من الولاياتالمتحدة والغرب وإسرائيل، وتركيا! نعم وتركيا، التى تجاهلها تماماً، السيد رئيس التحرير، وتجاهل دورها التخريبى ضد مصر وثورتها وشعبها، كما تجاهل تماماً أى ذكر للجماعة الضالة المارقة، جماعة إخوان الإرهاب وحلفائها، بل وراح ينفض التراب عن كتاب صدرت طبعته الأولى عام 1935 أى منذ نحو ثمانين عاماً، لكى يطبع منه عشرات الآلاف من النسخ، يوزعها مجاناً مع المجلة، لمؤلف من أصل روسى فرّ من الثورة البلشفية، اسمه «موسى جار الله»، وشارك بحماس «فى الأنشطة والمؤتمرات الإسلامية، التى حاولت إحياء «الخلافة الإسلامية»، كرمز ورابطة جامعة للمسلمين!»، على حد وصف رئيس التحرير، فى دراسته الطويلة التى تصب أيضاً فى تسعير نيران الكراهية والبغضاء بين السنة والشيعة!. بل إن فكرة «الخلافة الإسلامية»، التى يرفع لواءها مقاتلو داعش ومن لف لفهم، ومنهم من يقاتله أبناء مصر وجيشها فى جبال سيناء وفى القاهرة والمحافظات، ويسقط منهم الشهداء كل يوم برصاصات دعاة هذه الفكرة، وجدت فى قلم رئيس التحرير، أ.د.«محمد عمارة»، مدافعاً شرساً، ومروجاً متحمساً، راح يُهيل التراب على واحد من أعلام المدنية والتمدين، الشيخ «على عبدالرازق»، وكتابه الشهير: «الإسلام وأصول الحكم»، الذى اعتبر مضمونه افتراءً على «الخلافة الإسلامية»، (افتتاحية عدد شهر أغسطس 2014 ص:1998) مُهللاً، فى الوقت ذاته، لأطروحات د.«عبدالرازق السنهورى»، التى تروِّجُ للخلافة الإسلامية، وتمهد الأرضية الفكرية لمن يأتى لكى يسعى إلى فرضها بالقوة المسلحة، ويرفع أعلامها السوداء هنا وهناك، بعد أن يُمزق وحدة الوطن وأراضيه وإرادته، ويُعلِّق رءوس أبنائه المجزوزة على أفرع الشجر!. فإذا كان أهل العالم العربى والإسلامى، ومصر فى طليعته، يُعانون اليوم، هذا العناء الرهيب، من الخراب الذى تنشره جماعات من القتلة والمهووسين بسفك دماء العرب والمسلمين، وآخرهم «داعش»، الذين عاثوا فى الأرض العربية فساداً، تحت زعم بناء دولة «الخلافة الإسلامية»، فلماذا نرفضهم ونقف ضد أفكارهم، ونقاوم احتلالهم لبلادنا، ونثور على تحريضهم لشبابنا، وندين تهديداتهم بنقل العمليات الإرهابية إلى أرضنا، مادامت مؤسسة الأزهر تتبنى هذا المفهوم، وتروِّج له عبر مطبوعاتها التى تتكلف الملايين من حر مال دافعى الضرائب المصريين، وليس من جيوب من يروجون لهذه الأفكار الخبيثة والمسمومة.. والمسمّمة؟!. لكن الأخطر فى مقالات السيد رئيس التحرير، هو ما أفصح عنه فى افتتاحية عدد المجلة لشهر أبريل من هذا العام، التى تناول فيها كتابات ثلاثة من المفكرين المصريين المتميزين، المستنيرين، هم د.«محمد سعيد العشماوى»، ود.«نصر حامد أبوزيد»، ود.«حسن حنفى»، مُفندا مواقفهم التى اعتبرها خارجة عن الالتزام بالشريعة، وصادرة عن «زنادقة»، لا يُقرون يمبادئها، ولذا يحق عليهم ما أصدره «الوليد بن رشد» بحق أمثالهم من أحكام: أى وجوب قتال هؤلاء «الزنادقة»!، وقتلهم، وهو أمر يُحرّضُ، فى المقام الأول على إباحة دم المفكر الكبير «حسن حنفى»، بعد أن رحل الآخران تباعاً! وبعد. النداء موجهٌ إلى فضيلة شيخ الأزهر، د.أحمد الطيب: هل هذه المجلة تمثل بالفعل صوت الأزهر، الذى كان منبراً للوطنية والانتماء والاعتدال، أم أنها منصة لإطلاق دعاوى التكفير والتطرف والغلو؟!. وهل يليق، ومصر، حاضنة الأزهر، تخوض معركة الوجود، ضد مؤامرات إرهابى الجماعات الإجرامية، وجماعة «الإخوان» فى المقدمة، أن تتجاهل «مجلة الأزهر» تماماً، هذا الأمر، الذى يهز البلاد هزّاً، وبما يوحى أنها ليست ضده، وضد ما يُشيعه من ترويع وأفكار هدّامة! ننتظر الجواب!.∎