الواقع السياسي الذي نعيشه بعد الثورة كله واقع جدلي، حتي إننا نعيش في دائرة الجدل لا نستطيع الفكاك منها، جدل حول تعديل الدستور وحول الإعلان الدستوري وحول انتخابات مجلسي الشعب والشوري، وحول العسكر والإخوان والفلول وعمر سليمان، ولذلك كان لابد أن يثار الجدل حول حازم أبوإسماعيل كمرشح رئاسي من أول «بوستراته» وهوس أنصاره به إلي جنسية المرحومة والدته، ونظرا لأن جنسية أم حازم - رحمها الله - قد أخذت مساحة كبيرة من الجدل تراوحت بين الإثبات والإنكار والصدق والكذب، وما تبع ذلك من تآكل مصداقية بعض أطياف الحركة الإسلامية بسبب اختلاف القول عن الفعل، فإننا كنا ننتظر أن تحسم محكمة القضاء الإداري أمر جنسية والدة حازم دون أن يترك الموضوع ذيولا وشكوكا وشبهات، إلا أن حكم محكمة القضاء الإداري لم يقطع أمرا ولم يثبت شيئا وكان كمن عرف الماء - بعد الجهد - بالماء. وبغض النظر عن الحكم نفسه وأسبابه وتحليله القانوني فإن ما يعنيني هنا كرجل قانون أن أضع أمام الرأي العام بعض الحقائق القانونية التي استفاد منها الأستاذ حازم أبوإسماعيل في قضيته، خاصة أن كل العاملين في المجال القانوني يعرفون أنه ليس دائما الحكم عنوان الحقيقة - وقد كتبت عن هذا الأمر من قبل - بل إن قاعدة الحكم عنوان الحقيقة تلك التي ظلت قابعة فوق أكتاف العلم القانوني عقودا وأجيالا حتي أصبحت من الثوابت القانونية هي في حقيقة الأمر مجرد نظرية لا يساندها واقع حقيقي، وقد آن لها أن تترك مكانها لقواعد قانونية أخري تضع فارقا بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية، فمن الممكن أن يبرئ القضاء إنسانا ارتكب جرما ولكن ليس معني هذا أنه بريء وفقا «للحقيقة الواقعية» بل قد يكون أشد المجرمين وطأة علي مجتمعه، ولكن لأن القانون إنتاج بشري فمن الوارد أن تكون فيه عدة ثغرات ينفذ منها المتهم ويحصل علي البراءة، ولكن هل البراءة هنا هي عنوان الحقيقة، لا وربي، هي فقط عنوان الحقيقة المستندية، لا عنوان الحقيقة الإنسانية، ونفس الأمر في القضايا المدنية، فقد يكون الحق مع أحد أطراف الخصومة إلا أنه لسبب أو لآخر يعجز عن إثبات حقه، فإن هذا لا ينفي الحق أو ينال منه، وفي قضايا ومنازعات القضاء الإداري قد يكون من مصلحة جهة الإدارة - خاصة لو كان لها رأي سياسي - تمكين من ليس له حق في الحصول علي ما ليس له، فتترك له الحبل علي الغارب أو تنكل عن تقديم مستندات قاطعة وهي بحوزتها فتمكنه من عنوان للحقيقة مخالف لعنوان الحقيقة!! وهذا هو مقطع النزاع في قضية حازم أبوإسماعيل. معظم دفاع الأستاذ حازم لم يتطرق إلي نفي جنسية أمه الأمريكية، ولم يرد فيه أنه ينكر حصول أمه علي الجنسية الأمريكية ولكنه فقط قال لا أعلم حقيقة هذا الأمر ويجب علي من يدعي هذه الجنسية أن يقدم أمام المحكمة ما يدل عليها، وقد استغل أبوإسماعيل في هذا ثغرات في القانون المصري تعطي له ما ليس له، فقانون الجنسية المصري يفرق بين حمل الجنسية واكتساب الجنسية، فمن الممكن أن يحمل إنسان ما جنسية أجنبية إلا أنه وفقا للقانون المصري وأمام الحكومة المصرية لم يكتسبها لأن الاكتساب يتطلب موافقة وزارة الداخلية علي هذه الجنسية، فإن لم توافق الوزارة كان لها الخيار في رفع الأمر لمجلس الوزراء لإسقاط الجنسية المصرية عنه، أو أن لا تعتد هي في أوراقها بالجنسية الأجنبية، وذلك وفقا للمادة العاشرة من قانون الجنسية، ولكن ليس معني أن الحكومة المصرية لم تعتد بالجنسية الأجنبية لذلك المصري أن يكون هذا بمثابة النفي عن حمل الجنسية الأجنبية لأنه يظل في كل الأحوال حاملا للجنسية الأجنبية إلا إذا أسقطت الدولة الأجنبية عنه جنسيتها، وهذا الأمر كثير الحدوث في وزارة الهجرة الأمريكية التي تراقب الوافدين إليها فتسقط الجنسية عنهم إذا ما بدر منهم ما يدل علي عدم قدرتهم علي الانخراط في مجتمعها. التعديل الدستوري الذي دافع عنه الأخ حازم أبوإسماعيل وعض عليه بالنواجذ ودعا الناس إلي التصويت عليه بنعم تحدث في هذا الشأن عن حمل الجنسية الأجنبية في أي وقت من الأوقات حتي لو تخلي عنها بعد ذلك، ولكن علي الضفة الأخري لم ينف دفاع الأستاذ حازم حمل أمه للجنسية الأمريكية ،لكنه نفي اكتساب الجنسية وفقا للمفهوم القانوني المصري أي أنه قال أن أمر هذه الجنسية لم يعرض علي وزارة الداخلية وبالتالي تصبح أمام القانون المصري مصرية فقط!! ولأن القانون المصري والإعلان الدستوري في خصوص جنسية مرشح الرئاسة «هو أو أي من والديه» لم يعوِّل علي اكتساب الجنسية ولكن عوَّل فقد علي حمل الجنسية بمعني أنه يمتنع عن الترشيح في حالة حمل الجنسية الأجنبية هو أو أي من والديه وليس اكتسابها فيكون قد رتب آثاره القانونية علي خبر «الحمل» حتي ولو لم يكن ثابتا في الأوراق المصرية لأن حمل الجنسية كما قلت يثبت بأوراق الدولة الأجنبية أو أي وسيلة أخري من وسائل الإثبات.. وكانت هذه هي الثغرة القانونية التي استغلها الأستاذ حازم، ثغرة عجز وزارة الداخلية عن الإثبات - أو نكولها عن ذلك قاصدة - وثغرة عدم اكتساب الجنسية - لا حملها - وهو الأمر الذي لم تعقب عليه هيئة قضايا الدولة ولم تتبينه أو تثره في دفاعها وبالتالي لم يطرح أمام المحكمة. لم يكن هذا هو الشيء الوحيد ولكن هيئة قضايا الدولة لم تقدم إلا صورا ضوئية من شهادة تحركات والدة الأستاذ حازم ودخولها وخروجها من وإلي مصر بجواز سفر أمريكي ولم تقدم أصل شهادة التحركات هذه رغم أنها كانت تستطيع تقديم الأصل، فشهادة التحركات هي مستند رسمي مصري فعلام تقديم الصورة والأصل لديهم!! وكان من ناتج ذلك أن استغل الأخ حازم ذلك الخطأ - المقصود - واستخدم رخصة قانونية مصرية اسمها «حق جحد الصورة الضوئية من المستند» وهذا الجحد يترتب عليه عدم اعتراف المحكمة بهذه الصورة المقدمة وهو الأمر الذي حدث والذي أثبتته المحكمة في حكمها، وكان من المفروض قانونا أن يقوم الأستاذ محامي الدولة بتقديم الأصل فهذا هو الأمر المعتاد في حالة جحد الصورة أو علي الأقل كان في إمكانه أن يطلب تأجيل الدعوي لليوم التالي لتقديم هذا الأصل وساعتها ووفقا للقانون كانت المحكمة ستؤجل له الدعوي لتقديم أصل المستند الفاصل في الخصومة، إلا أنه لم يفعل وسكت، وسكوته هنا يعني الموافقة ضمنا علي طلب الجحد، ومع ذلك أيضا ومن غرائب دفاع الحكومة أنها لم تقدم صورة جواز سفر والدة الأستاذ حازم الأمريكي، رغم أنه لديها ويعرف الجميع أن وزارة الداخلية من حقها أن تعتمد الصورة الضوئية لهذا الجواز فيصبح ورقة رسمية لها حجيتها في الإثبات لأن أوراق الوزارات ومخاطباتها ومكاتباتها هي أوراق رسمية بحكم القانون. ولكن دعنا من هذا كله وقل لي بربك: لماذا لم تقم وزارة الداخلية المصرية في عهد حبيب العادلي برفع أمر جنسية أم الأخ حازم لمجلس الوزراء عندما تبين لها أنها دخلت مصر عام 6002 بجواز سفر أمريكي وأنها حصلت علي الجنسية الأمريكية، هذه السيدة ليست من المجاهيل بل هي زوجة الشيخ صلاح أبوإسماعيل بجلالة قدره وبقيمة معارضته الوطنية، كما أنها أم الشيخ حازم الذي يخوض الانتخابات ضد آمال عثمان، وزارة الداخلية كانت في هذا الوقت لا تسكت إلا إذا أرادت ذلك، ثم وزارة الداخلية الحالية تتقاعس عن تقديم مستندات بحوزتها، ويبدو أنها كانت تنتظر ما سيسفر عنه الطعن المقام علي خيرت الشاطر فهي تحب أن يكون أحدهما في المنافسة إما هذا أو ذاك والدليل علي ذلك أنه عندما لاحت بوادر الإطاحة بحازم تقدم خيرت وكشفت ابنة خيرت عن أن تقدم هذا مرتبط بخروج ذاك، وأن تلك الوزارة، تنتظر ذلك الحكم ونحن جميعا سنقع في هذه المعمعة!!