تلجأ المرأة إلى العيادة النفسية بنسبة تتراوح ما بين 60٪ و70٪ من عدد المترددين على تلك العيادات وهذا ما أظهرته أحدث الأبحاث النفسية الإنجليزية.. فهل يعود ذلك لأن المرأة أكثر عرضة للاضطرابات النفسية نظرًا لتكوينها البيولوجى ذى الإيقاع المتغير من دورة شهرية إلى حمل وولادة مرورًا بأزمة منتصف العمر.. هل لأنها أكثر شجاعة وقدرة على التعبير عن معاناتها النفسية أكثر من الرجل الذى يعجز عن ذلك ويخجل من طلب المساعدة؟! هذه الأسئلة وغيرها هى التى دفعت الكلية الملكية للأطباء النفسيين بإنجلترا للاعتراف والاهتمام بدراسة الاضطرابات النفسية لدى المرأة، وتشجيع الأبحاث اللازمة لذلك منذ عام 1995 وحتى يومنا هذا.
وعلى مستوى المؤتمرات تم عقد أول مؤتمر دولى عن المرأة والصحة النفسية فى معهد الطب النفسى بإنجلترا منذ عام 1970 ومازال يعقد كل عام حتى وقتنا هذا.
أثبتت الدراسات الحديثة أن المرأة قبل المراهقة أقل عرضة لهذه الاضطرابات، ولكن فى مراحل نموها التالية نجد أنها تحتاج دائمًا وبشدة للرعاية النفسية سواء أثناء الحمل أو ما بعد الولادة أو فى فترة منتصف العمر.
ويبدو أن ارتباط المرأة بالاكتئاب هو الأكثر وضوحًا فقد وجد د.بايكل (DR.Paukel 1991) أن نسبة الاكتئاب فى المرأة هى ضعف النسبة فى الرجل وخاصة عند النساء المتزوجات ما بين ال25 و50 عامًا.. ومن ضمن النساء اللاتى يعانين بشدة من اضطرابات نفسية هى المرأة المطلقة نتيجة لنظرة المجتمع لها على أنها فاشلة ثم تعانى من شكوكه فيها على أنها أكثر قابلية لإقامة علاقات غير مشروعة، وقد تكون فى حقيقة الأمر مظلومة وتعانى من وحدة وفراغ عاطفى وجنسى رهيب!! وقد تعانى نفسيًا بسبب حرمانها من أبنائها «حين يأخذهم منها الزوج» أو تعانى من مسئولية تربيتهم وحدها «إذا تركهم لها الزوج»!!
نفس الشىء ينطبق على المرأة الأرملة، فيعتقد الناس أن مشاعرها وأحاسيسها العاطفية والجنسية قد ماتت أيضًا بوفاة الزوج!! فى حين أنها قد تكون فى معاناة نفسية شديدة نتيجة حرمانها أيضًا العاطفى والجنسى.
ومثل هؤلاء النساء يلجأن دائمًا للعيادات النفسية للفضفضة عما يجيش فى صدورهن من ألم وحرمان وعذاب.
وهناك أيضا زوجة الرجل المسافر دائمًا للعمل ويترك زوجته تعانى الوحدة والفراغ وتقاسى من صعوبة تربية الأبناء وحدها، وقد تكسب هذه المرأة صفات الرجولة شيئًا فشيئًا للسيطرة على نفسها وحرمانها والسيطرة على أبنائها.. وربما حين يعود الزوج يجد نفسه غريبا على أسرته ونجد المرأة غير قادرة على تغيير أسلوب حياتها وحياة أبنائها، فيقع الخلاف ويحدث الطلاق بعد كل هذا العذاب والحرمان!!
هناك المرأة التى تعانى أيضا من عنف الزوج وقد يكون عنفًا ظاهرًا كالضرب مثلاً.. أو قد يكون عنفًا سلبيًا أوخفيًا وهو الأكثر انتشارًا ويتمثل فى الإهمال والتجاهل والانشغال والتحقير والقهر والاستبداد.. والعناد والمكابرة والسب الدائم من جانب الزوج، وهذا العنف السلبى يكون أخطر تأثيرًا على المرأة من العنف الظاهر لأنها لا تستطيع إثباته لمن حولها فتعانى وتتألم فى صمت.. ويتسبب كل ذلك فى الاضطرابات «النفسجسمية» أى أن تظهر عليها أعراض مرضية جسدية كالقىء.. والإحساس بصداع دائم.. اضطرابات فى النوم والشهية.. سرعة ضربات القلب أو هبوط مفاجئ وتنميل فى اليدين والقدمين.. وتلجأ إلى عمل العديد من التحاليل والفحوصات، ولكنها تكون كلها سلبية لأن كل ما تعانيه ليس إلا كونه صرخة استغاثة من جسدها حينما تعانى نفسيا ولا تستطيع التعبير عن مشاعرها لمن حولها فيتولى جسدها هذه المهمة عنها فيشكو هو ويئن!!
وعلى الرغم من أن المرأة أكثر قبولاً لفكرة طلب المساعدة النفسية وتكون أكثر مرونة فى العلاج وأكثراستجابة له إلا أن هناك عوائق كثيرة قد تعوقها فى ذلك أهمها أسباب اجتماعية ومادية.. وللأسف المرأة المصرية غير مدربة على التعامل مع المشاكل ومواجهتها وحلها وهذا نتيجة تربيتها السلبية التى تربت عليها فى مجتمعنا الذكورى على أساس أن البنت يجب أن تكون مطيعة وعيب تتكلم فى أى موضوع.. ولذلك لو تعرضت فيما بعد لمشاكل مع زوجها أو فى مجال عملها تكون غير قادرة على تحملها ومواجهتها فتتألم فى صمت وقد تصاب بالاكتئاب والتوتر.
قد يتساءل كثيرون لماذا كثرت هذه الأيام المشاكل الزوجية والأهم من ذلك لماذا لم تعد المرأة تتحملها وتعانى منها غير أمهاتنا وجداتنا أيام زمان؟!
هذا يعود إلى أننا لو شبهنا العلاقة الزوجية بوعاء ضخم.. زمان كان هذا الوعاء مملوءًا بالمشاكل أيضا فلم يخلو أى زمن من المشكلات الزوجية منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا ولكن الميزة أن أيام زمان كان هذا، الوعاء يمتلئ بالتدريج وتحتويه الأسرة كلها ويحاولون إفراغه أولاً بأول نظرًا لترابط الأسرة والمحبة السائدة بينهم، فكانوا يمتصون الأزمات بسرعة ولم تصل الأمور إلى درجة أى معاناة نفسية.
أما الآن فهذا الوعاء يمتلئ بسرعة جدًا نظرًا لإيقاع العصر السريع الذى نعيشه والغييرات والتطورات التكنولوجية الحديثة، ولكن وبما أن معظم الأسر الآن مفككة وغير مترابطة، لذلك لا نجد أحداً حولنا يساعدنا فى تفريغ هذا الوعاء أولاً بأول ولا أحد مستعد أن يستمع إلينا ويمتص عنا الأزمات التى تحدث لنا.. فأصبح كل واحد يكتم بداخله معاناته وبالأخص المرأة التى لا تبوح لأحد بسهولة بما يجيش فى صدرها فتكتم كل ذلك بداخلها إلى أن تنفجر!!
وأخيرًا وبوجه عام كل إنسان منا يتعرض فى حياته لأزمة ما أو مشكلة ما ويحاول يحلها ويتخطاها بطريقته الخاصة سواء بتحملها أو بطلب مساعدة من أحد الأصدقاء أو الأهل إذا وجد.. ولكن فى بعض الأحيانيفشل فى ذلك وتتأزم الأمور وهنا عليه أن يطلب مساعدة من استشارى نفسى للفضفضة معه وطلب مساعدته!!