فكرة إنشاء برلمان شعبي بديل عن البرلمان الموجود علي أرض الواقع، فكرة ليست خيالية فقط بل خبلية أيضا ويبدو أن الدافع لظهور هذه الفكرة هو الصدمة الشديدة الناتجة عن الفشل في انتخابات مجلس الشعب بغض النظر عن أسباب هذا الفشل. وهو ما يدل علي أن أصحاب الفكر الثوري في مصر عاجزون عن تحمل الصدمات القوية علي المستوي الشخصي والسياسي وهو ما يعيب كل مشتغل بالسياسة. الإصلاحي بوجه عام يمعن النظر في الحواجز المقامة أمامه التي تمنعه من الوصول إلي هدفه، ثم يعمل بهدوء وثقة علي القفز فوقها واحدا بعد الآخر من أجل الوصول إلي هدفه وهو المزيد من رفع سقف الحرية وتحسين أحوال البشر. أما صاحب الفكر الثوري فهو ينظر إلي هذه الحواجز فيصاب بالخوف والعجز، غير أنه لا يعترف لنفسه وللآخرين بذلك بل يقفز قفزة عالية واسعة إلي الوراء بعيدا عن هذه الحواجز. هي قفزة للخلف وربما تكون أيضا قفزة إلي المجهول. غير أنه قادر دائما علي إطلاق أسماء فخمة علي قفزاته، وهو بالضبط ما نجده في هذه التسمية الغريبة، برلمان شعبي بديل، وكأن البرلمان الموجود في شارع مجلس الشعب قائم علي غير أساس شرعي مما يجعل الرغبة في وجود بديل له أمرا شرعيا ترحب به الناس في الشارع كما ترحب به مؤسسات الدولة الشرعية. الغريب في الأمر هذه المرة أن أصحاب الثوابت الشهيرة اكتشفوا فجأة أن البرلمان ليس من الثوابت في مصر وأنه من حق جماعة من البشر أن تخترع تشكيلا بديلا عنه. وإذا كنت أشعر بالتقدير للأفكار المبدعة التي تتحرر من إسار الواقع غير أنني أري في هذه الفكرة قدرا من الخزعبلات أستغربها من أشخاص كانوا يوما ما مشتغلين بالسياسة بل ونوابا في مجلس الشعب الذي يريدون له أن يختفي من الوجود، أو أن يضمحل وجوده، فيرغم علي تعليق لافتة كبيرة علي أسواره يقول فيها: ليس لمجلسنا فرع آخر. إن أسوأ الأفكار في الدنيا هي تلك التي يعرف صاحبها أنها مستحيلة التنفيذ بطبيعتها، ومع ذلك هو يعلنها علي الناس كحل سياسي لمشكلة انفعالية يعانيها. إذا كان لنا أن نفكر في الخطوات التنفيذية لتجسيد هذه الفكرة علي الأرض، سنجد أنها تتطلب أولاً عدة مئات من ملايين الجنيهات لشراء مبني كبير أو الحصول عليه مقابل خلو كبير. إذا توفر هذا المبلغ، عن طريق التبرعات مثلا، فلابد أن تظهر مشكلة في الترخيص بإقامة اجتماعات فيه لتسعين شخصا علي الأقل، تري من هي الجهة المسئولة في مصر عن منح التراخيص لمجالس الشعب البديلة، هذه عقبة حقيقية والحل هو تغيير الدستور لإعطاء القطاع الخاص الحق في إنشاء برلمانات شعبية خاصة. غير أن هذا الحل يتطلب تقديم طلب بذلك في مجلس الشعب الرسمي لتغيير الدستور، فإذا تم ذلك بأمر الله وليس بموافقة أعضاء الحزب الوطني الذي يمثل الأغلبية، فستظهر مشكلة جديدة، الاستجوابات وطلبات الإحاطة التي سيتقدم بها السادة أعضاء المجلس الشعبي البديل، لابد من تقديمها للحكومة يعني لوزراء ومسئولين، من أين سيحصلون عليهم؟ هل سيقومون باقتراضهم من مجلس الشعب القديم. هنا نكتشف أن المجلس الجديد في حاجة إلي حكومة جديدة يعارضها، مرة أخري نواجه عقبة دستورية، وهو ما يتطلب تعديلا دستوريا يسمح بقيام حكومتين في مصر، الحكومة الشرعية أو التقليدية أو الأساسية وحكومة أخري تخصص للمجلس البديل، وإذا حدثت معجزة وتمت الموافقة علي ذلك، فمن سيدفع مرتبات العاملين في هذه الحكومة؟.. يا جماعة، الفكرة في حاجة لمزيد من الدراسة.