انتهت الانتخابات، والتأم شمل مجلس الشعب الجديد رغم الأوهام التي علقت بذهن البعض بسبب الطعون الانتخابية المعتادة مع كل انتخابات ومع ما تمناه البعض من توقف الحياة النيابية وتعطيل عمل البرلمان بسبب تلك الطعون. مضت القافلة في طريقها متجاوزة أرض المعركة الانتخابية بالمجلس الجديد الذي فاز فيه الحزب الحاكم بأغلبية كاسحة صدمت المراقبين الذين اعتمدوا علي تقارير غير دقيقة عن طبيعة الحياة السياسية في مصر، كما ركزوا علي بعض وجهات النظر التي لا تفرق بين الأحلام والتمنيات وبين الواقع العملي وظروف البيئة السياسية التي يعيش فيها الشعب المصري. الصدمة التي أصابت أولئك المراقبين لم يكن سببها الحقيقي - كما زعموا - سيطرة الحزب الحاكم علي غالبية المقاعد وتضاؤل وجود تمثيل الجماعة المحظورة في المجلس الجديد لدرجة شبه الانعدام من 20 بالمائة إلي صفر، بينما لم يتمكن الحزب المعارض الرئيسي، أي حزب الوفد، من الفوز إلا بخمسة مقاعد فقط، إنما يرجع سبب الصدمة الي الانسياق وراء معلومات مضللة عن طبيعة الحياة السياسية، وعن عملية الانتخابات في حد ذاتها وعن العوامل والعناصر التي تتحكم فيها. جاءت هذه الانتخابات بعد أن اعتمدت مصر سياسة السماح بالحراك السياسي الواسع كان من نتيجتها أن مجلس الشعب خلال الاعوام الأخيرة شهد نشاطاً وحيوية، رغم سيطرة الحزب الوطني الحاكم علي الأغلبية فيه، بالإضافة إلي وجود صحافة مصرية وقنوات تليفزيونية مستقلة أعطت الانطباع للبعض أنها نجحت في تغيير البيئة السياسية بحيث تؤثر في النتائج، لكن الواقع أكد أن هذا النشاط في البرلمان والصحافة لم يغير المشهد السياسي في مصر لدرجة تعطي أي قوي سياسية الأهلية للمشاركة في الحكم. الحقيقة أن أصحاب نظرية مشاركة المعارضين للحزب الحاكم في الحكم، والباكين علي ضياع فرصة المشاركة في الانتخابات التي عززت قبضة الحزب الحاكم علي عكس توقعاتهم، أسسوا نظريتهم علي افتراضات غير مؤكدة ثبت فيما بعد أنها غير صحيحة، فمن قال إن الأداء السياسي للقوي المعارضة نضج لدرجة تعطيها فرصة المشاركة، صحيح هناك حراك سياسي واسع لكن نتائجه لم تتبلور بعد، ربما تظهر لاحقا وربما لا تظهر، لكن المؤكد أن هذه الدورة الانتخابية لم تشهد ظهوراً لنتائج سياسية للحراك السياسي. الأمر الآخر أن تلك النظرية تتحدث عن تخلي الحزب الحاكم عن جزء أو جانب من السلطة للمعارضة، وهذا الأمر غير مفهوم بالمرة ، فاذا كان الحديث عن المشاركة السياسية، فهي مكفولة لمن يريد من مقاعد المعارضة، وإذا كان الحديث عن المشاركة في السلطة التنفيذية يكون السؤال هنا عن المبرر لتخلي الحزب الحاكم عن حقه الدستوري في أن يحكم بمفرده مادامت له الأغلبية المريحة التي تؤيده. ما يمكن أن يكون منطقياً هو التركيز علي تحسين وضع المعارضة ليس باعطائها منحة من الحكومة علي هيئة مقاعد برلمانية ، أو مشاركتها أعمال السلطة التنفيذية، وإنما ببحث جوانب القصور في أدائها التي جعلتها بعيدة تماماً عن المنافسة ما أدي إلي خسارتها فرصة الحصول علي عدد أكبر من المقاعد. ما أعرفه عن طبيعة الانتخابات في مصر يعرفه الجميع، نعرف من يذهب إلي الصناديق، ونعرف لماذا يذهب اليها، ونعرف وسائل التحفيز المتبعة والمعروفة، تعرف الأحزاب السياسية ذلك، المعارضة تعرفه كما يعرفه الحزب الحاكم، الكل يحاول الوصول الي الكتلة التي تذهب إلي الصناديق بالوسائل المتعارف عليها ويلتمس أسباب النجاح في الحصول علي الأصوات، فما بالنا بعد ذلك نتحدث عن الصورة النموذجية الخيالية عن التصويت ونعتبر أن ما حدث خلافاً لذلك هو من قبيل التزوير؟ أما فكرة قسمة الحكم ومسئولياته علي القوي السياسية لمجرد أنها موجودة نظرياً علي الورق، فهي في الواقع فكرة سخيفة أقرب الي منطق تقاسم العصابات للنفوذ في مناطق مختلفة في بعض الدول حسب قوتها، ولا أظن أن ذلك يفيد أي نظام سياسي بالمرة بل هو البداية للتشاحن والاختلاف علي حجم الأنصبة الموزعة علي المنتفعين من القوي السياسية.