الصحة توضح ضوابط سحب تراخيص الأطباء لحماية المرضى    ننشر أبرز أنشطة وفعاليات جامعة أسيوط خلال أسبوع    نائب محافظ الفيوم يتفقد الأعمال النهائية لتطوير مواقف "دمو" و"سنهور" و"اطسا"    بلومبرج: إيران بدأت بالفعل في خفض إنتاج النفط بسبب الحصار البحري الأمريكي    لبنان يطالب إسرائيل بوقف إطلاق النار بالكامل قبل المفاوضات    وزير الخارجية يستقبل نظيره السوري غدًا    تعرف على موعد نهاية الدوري المصري    كورتوا يقترب من حراسة مرمى ريال مدريد بالكلاسيكو    الداخلية: ضبط المتهمين في واقعة "مشاجرة موكب الزفاف" بالشيخ زايد    محافظ بني سويف يوجه بحصر الخسائر بعد السيطرة على حريق مصنع الورق    وما زال الجدل مستمرًّا!    زيارة مفاجئة لوكيل صحة أسيوط لمستشفى البداري المركزي    تعيين أبو طالب مديرًا عامًا لشركة ABWAAB    جوهر نبيل يتفقد مراكز شباب السويس لتعزيز الخدمات والانضباط    محمد صلاح: لا أكن عداءً لمورينيو.. وأفكر في تجربة محتملة بأستراليا    بعد تراجع مديونية مصر للشركات الأجنبية، ساويرس يوجه رسالة لوزير البترول    زراعة الإسكندرية تحصد محصول القمح موسم 2025-2026 بزمان العامرية الزراعية    مشاجرة بسبب تصادم في موكب زفاف بالشيخ زايد.. وإصابة سائق وضبط 3 متهمين    وزارة الكهرباء: رفع الوعي بأهمية كفاءة الطاقة وترشيد الاستهلاك وتعميم النموذج الذي تم تطبيقه في عدد من القطاعات والاستخدامات المختلفة    أول تعليق من محمد أنور بعد حريق لوكيشن "بيت بابا 2": الناس كويسة وبخير    كيف قادت القوة والترف قوم ثمود إلى الهلاك؟ عالم أزهري يوضح    عالم بالأوقاف يوضح سر الصحابي الذي بشره الرسول بالجنة 3 مرات    وزارة السياحة تُهيب بالمواطنين عدم الانسياق وراء الإعلانات المضللة أو الكيانات غير الشرعية التي تروج لبرامج حج خارج الإطار الرسمي    بنك القاهرة يعتزم التخارج من شركة حراسات للخدمات الأمنية قبل الطرح فى البورصة    أجواء حارة على أغلب الأنحاء وبداية ظهور الرمال بالصعيد    الأمن يكشف تفاصيل مشاجرة شاب في الشيخ زايد بعد فيديو متداول    إسبانيا تطالب إسرائيل بالإفراج الفوري عن إسباني كان على متن أسطول الصمود    الصحة تنتقل لمرحلة جديدة في السياحة العلاجية المتكاملة    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    جماعة أصحاب اليمين الإرهابية تخضع للتحقيق.. لماذا تخشى بريطانيا من تورط إيران في الهجمات على اليهود؟    اليوم.. ختام الدورة 12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    وزيرة الثقافة: مشاركة مصر في معرض الرباط للكتاب تعزز القوة الناعمة    كشف أثري في الإسكندرية يلقي الضوء على تطور الحياة الحضرية عبر العصور    الإمارات تعلن عودة الملاحة الجوية إلى وضعها الطبيعي    انقلاب سيارة ملاكي واصطدامها بالجزيرة الوسطى بكورنيش الإسكندرية    إرشادات مهمة من «الداخلية» للحجاج أثناء أداء المناسك    مدير إدارة طور سيناء التعليمية ينفي رصد أي شكاوى في اليوم الأول لامتحانات النقل بالتعليم الفني    أكاديمية الفنون تحتفل بذكرى تحرير سيناء بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية    الأوقاف تُحيي ذكرى وفاة الشيخ محمد عبد العزيز حصّان.. من أعلام التلاوة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تشييع جنازة نعمان الوزير كبير مشجعي النادي الإسماعيلي إلى مثواه الأخير (صور)    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    الإسكان: 10 مايو.. بدء تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    ذكريات الهضبة في ليلة "الحكاية"، 15 صورة من حفل عمرو دياب بالجامعة الأمريكية    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    رجال طائرة الأهلي يواجه البوليس الرواندي في نهائي بطولة إفريقيا للأندية    باكستان تؤكد للكويت استمرار الجهود الداعمة للسلام بالمنطقة    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    أطباء بنها الجامعي ينجحون في إجراء 3 عمليات بجراحات القلب والصدر    تشكيل آرسنال المتوقع لمواجهة فولهام في البريميرليج    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    بعد وقف إطلاق النار| ترامب يعلن انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العرب بين زعيمين: الباشا والرّيس
نشر في روزاليوسف اليومية يوم 01 - 04 - 2010

دعوني اليوم أحلل ناقدا مسألة غاية في الأهمية، وظاهرة تاريخية تتكرر بين مركزين اثنين يستقطبان تاريخنا في كل المنطقة، بغداد والقاهرة.. وبين زمنين اثنين، أولاهما ليبرالي إصلاحي مدني متدرج التطور، وثانيهما ثوري انقلابي عسكري سريع الأحلام.. بين زعيمين اثنين أحدهما شيخ عسكري وسياسي هرم عركته السياسات والميادين والعلاقات والتجارب وبقائه مع موديلات ما بعد الحرب العالمية الأولي، وثانيهما شاب عسكري متحرر له سحره وجاذبيته وانطلاقته مع موديلات العصر الجديد لما بعد الحرب العالمية الثانية.. أولاهما كان يدعي بنوري باشا السعيد الرئيس المخضرم للحكومات العراقية إبان العهد الملكي.. وثانيهما كان يدعي بالرئيس جمال عبدالناصر الرئيس الجديد للجمهورية المصرية .
أولاهما أحب مصر وعشقها كثيرا، ولم يجد مكانا بعد بغداد إلا القاهرة، وثانيهما أحب العراق حبا جمّا، وتأثر بأحداثه وثوراته القومية، واستلهم منها كل خصبه! الفرق الزمني بين الاثنين جيل كامل أي ما يقرب من ثلاثين سنة، وكأن الأول يعد بمثابة الأب بالنسبة لولده..
هنا المعادلة ستنشطر إلي شطرين باستقطاب الثاني للجيل الجديد الذي وجد فيه البطل القومي الذي يبحث عنه، وكان الأول يتضاءل دوره ليس عربيا فقط، بل حتي عراقيا، علما بأن الأول بقي يمثل رمزا للحركة العربية في مرحلتها الأولي، ولكن الثاني حصد كل ما كان الجيل الأول قد قدمه علي مدي أكثر من أربعين سنة، بدءا بالعام 1909 وانتهاء بالعام 1952،. الأول وجد نفسه مع العراق الذي أسهم في بنائه السياسي والتنموي وفقد أمنياته التي ضمنها العديد من المشروعات القومية والدولية، ولم ينجح منها إلا مشروع جامعة الدول العربية.. في حين استقطب الثاني كل الآمال القومية ليطرح مشروع الوحدة العربية بعد أن كان مطروحا منذ زمن طويل.. وبقي الثاني يستلهم ما سمي بفكر الثورة العربية، ولكن بأسلوب خطابي، وكان قد برز بعد الحرب العالمية الثانية العديد من الحركات والأحزاب الثورية القومية مثل حزب البعث العربي لمؤسسيه ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، ثم اندمج مع الحزب الاشتراكي العربي لاكرم الحوراني.. وكلهم وقفوا ضد السياسات التي اتبعها الأول في الخمسينيات، مشاركين الريس جمال عبدالناصر طموحاته الكبري.
نوري باشا السعيد.. من يكون؟
ربما لا يعرفه الجيل الجديد، ولكنه كان أحد أبرز الزعماء السياسيين العرب إبان النصف الأول من القرن العشرين، وهو من قلب بغداد، ولد عام 1889 وقتل عام 1958 . كان ضابطا قديرا للأركان، واشترك في حروب الدولة العثمانية، ثم التحق بجمعية العهد، ليغدو رئيس أركان جيش فيصل إبان ثورة الشريف الحسين بن علي المنطلقة من الحجاز، ووقف إلي جانب فيصل ودخل دمشق معه، ووجد نفسه في بغداد مع تأسيس الدولة العراقية والجيش العراقي، واعتمد عليه الملك فيصل الأول اعتمادا كبيرا.. كما أن الانجليز قد اعجبوا بقدراته السياسية.. وساهم إلي جانب نخبة من العراقيين في تأسيس الدولة وعلي امتداد قرابة اربعين سنة، تنقل في مناصب وزارية خطيرة ورئيسا للوزراء عدة مرات.. كان وفيا للبيت الهاشمي المالك، وكان وراء عقد اتفاقيات مع دول الإقليم، فضلا عن كون الباشا نوري كان وراء عدة مشروعات قومية منها مشروع الهلال الخصيب، ومشروع الأمم المتحدة، ومشروع الاتحاد العربي الكونفدرالي الذي أصبح بعد ذلك مؤسسة قائمة بذاتها اسمها جامعة الدول العربية..
كانت للباشا رؤيته السياسية بالاعتماد علي بريطانيا اعتمادا أساسيا، وقد كلفّه ذلك الكثير.. وقد سعي لكي ينطلق ميثاق بغداد بين العراق وتركيا، وقد دخلته دول الإقليم الكبيرة ثم بريطانيا وأمريكا.. كان نوري السعيد قد قّدم للعراق الكثير، وكان خصما لدودا للشيوعية والشيوعيين، وكان من أهم المنجزات التي حصل عليها تتمثّل ب"حلف بغداد" الذي يقترن باسمه. كان العدو رقم 1 بالنسبة للضباط الأحرار الذين قاموا بحركتهم الشهيرة وقلبوا النظام الملكي العراقي إلي نظام جمهوري كان الريس عبدالناصر اول المعترفين به، وأول من دافع عنه واعتبر أي عدوان عليه هو عدوان علي مصر. وقد انتهي يوم 15 يوليو 1958 نهاية مأساوية بمصرع الباشا العجوز نوري السعيد وسحلت جثته في شوارع بغداد وتمّ تقطيعها اربا اربا، بحيث لم يبق له أي قبر! لقد اشاد به البعض وانتقده البعض الآخر منذ خمسين سنة حتي يومنا هذا.. ولكن التاريخ سيبقي شاهدا علي منجزات رجل كان له تأثيره البالغ في بناء العراق الحديث، وكانت له اخطاؤه الكبيرة. فأين محمد حسنين هيكل من هذا وذاك كله؟
مفاوضات الأحلاف بين نوري السعيد وعبدالناصر
1- متي استيقظ المغرب العربي؟
حول هذا العنوان نفسه، يقول محمد حسنين هيكل: " المغرب العربي بدأ يستيقظ، السعودية بدأت تقرب من العمل العربي المشترك حتي وإن كان دافعها مواجهة الهاشميين وكسب مصر صراعهم مع الهاشميين وبعدين هأمشي مع تسلسل الحوادث في ذلك الوقت لأنه في ذلك الوقت كنت بأقول إنه فيه معركة دارت علي قلب وعلي مستقبل وعلي عقل وعلي ضمير العالم العربي وأنا قلت مع الأسف إنه إحنا بعد 55 سنة بنشوف إن إحنا خسرناها، لكنه علي أي حال في ذلك الوقت الآمال كانت مطلقة والآفاق مفتوحة والرؤي تبدو واضحة والهِمم تبدو مستعدة أن تحتشد وراء الرؤي.. " (نص هيكل).
المغرب العربي كان مستيقظا دوما يا هيكل، متمنيا عليك أن تقرأ تاريخه الحديث، وخصوصا تطور الفكرة الوطنية في كل من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب في ظل التجربة الاستعمارية المريرة فرنسية كانت أم ايطالية أم اسبانية.. لقد كانت المنطقة المغاربية كلها مستيقظة منذ بدايات القرن العشرين، ولقد شهدت ساحات القتال أو ميادين السياسة رجالا افذاذا ومواطنين قد ترسخت وطنيتهم في كل المعاقل.. شهدت هذه البلدان المغاربية نزعات وأفكارًا سياسية، فضلا عن أحزاب يسارية أو هيئات لعلماء الدين.. فهل كان تاريخ المغرب العربي بطوله وعرضه نائما، كي تأتي أنت لتوقظه، أو يستيقظ علي يديك؟!
2- مصر بين عهدين
اما السعودية، فقد جعلتها، وكأنها كانت بعيدة عن مسألة العمل العربي المشترك، في حين أن لها ادوارا خطيرة قبل خمسينياتك.. اما قضية صراع الهاشميين مع السعوديين أو بالعكس، فلا أدري لماذا انت مصّر علي هذه الفرية التي لم يعد لها وجود في الخمسينيات! وهل تعتقد أن السعودية قد كسبت مصر علي العهد الجديد؟ إنني أري العكس تماما، ذلك انها كانت علي أقوي العلاقات مع مصر الملك فاروق ومنذ أيام الملك عبدالعزيز.. ولكن العلاقات انتكست انتكاسات مريرة علي عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وخصوصا علي عهدي الملكين سعود وفيصل آل السعود وما كان من تشهير وحرب اذاعية شهدناها طوال الخمسينيات والستينيات
3- المعركة خاسرة من بدايتها؟
اما بصدد المعركة التي تتحدث عنها والتي بتشوف انكم خسرتموها! من انتم؟ لماذا تتحدث بصيغة النحن؟ انها ليست معركتكم وحدكم من وجهة نظري.. انها معركة كل الشعوب المضطهدة إزاء المشروعات الكبري التي يخطط لها الكبار.. إنها معركة كل القوي الوطنية والسياسية عربية كانت أم غير عربية ضد الهيمنة والتوسع.. إنها معركة كل الحكومات الوطنية التي ناضلت منذ زمن طويل ضد الاستعمار والطغيان والقهر.. لماذا تتحدث وكأنك قد احتكرت التاريخ لنفسك؟ لماذا تتحدث وكأنك قد ناصفت الزعيم جمال عبدالناصر كل أدواره التاريخية؟
إعادة تقييم وحكم متسرع لهيكل في الباشا نوري السعيد يستطرد هيكل ليقول: " تقريباً نصف 1954 . جاء نوري السعيد باشا في مصر يشوف جمال عبدالناصر وأظن ده كان أول لقاء بينهما وأظن ده كان في يونيو وهذا اللقاء كان في الفترة ما بين توقيع اتفاقية الجلاء المرة الأولي اتفاقية إطار المبادئ وما بين التوقيع النهائي وبين المسافة بين الاتفاقيتين بين التوقيعين حوالي أربعة أشهر، في هذه الفترة جاء نوري باشا.. نوري باشا.. نوري السعيد وأنا.. ده واحد من الناس اللي أنا بأعيد تقييمي له.. لدوره من زاوية الحكم المتسرع يمكن وعدم رؤية وجهة النظر الأخري.. " (نص هيكل).
قبل أن استرسل في تفكيك النص. هنا نقطة جدا مهمة من هيكل انه بعبارة واحدة ينسف كل تاريخ الصراع بين جمال عبدالناصر ونوري السعيد.. هنا أجد هيكل يتراجع في مثل هذه العبارة عن تاريخ صراع سياسي كامل بين مصر والعراق إبان الخمسينيات! هنا اجد هيكل يعترف اعترافا واضحا بأنه يعيد تقييمه لزعيم عراقي ساهمت مصر جمال عبدالناصر في تقويض حكمه في العراق عام 1958 لتصفق للتغيير في العراق وتصفق لواحد من الضباط الأحرار العراقيين الذي انتصر في تقويض الملكية ونوري السعيد وتأسيس الحكم الجمهوري، ولكن لم تمض إلا ثلاثة أو أربعة أشهر حتي انقلب الحال، ليبدأ الصراع بين مصر والعراق وعلي عهدين جمهوريين.. ولم ينته الصراع حتي رحيل عبدالناصر . اليوم، يعترف هيكل بأنه كان صاحب حكم متسرع، بل ويعترف بعدم رؤية وجهة النظر الأخري!!
كيف؟ كيف كنتم أصحاب حكم متسرع إزاء سياسة نوري السعيد؟ هل الزمن قد علمكم ذلك ليكون نوري السعيد في العراق أقدر منكم في فهم السياسات الدولية في المنطقة؟ أم هل أن خمسين سنة مضت من تشظيات العراق علي عهوده الجمهورية، أن الباشا نوري السعيد كان أدري منكم في فهم العراق وطبيعة العراق ومركزية ثقل العراق ومخاطر الإقليم عليه..؟ لقد قلتها يا هيكل ومضيت، وهذا من أبرز مثالبك، انك ترمي بعض الأفكار التي تعترف بالأخطاء التي مورست، ولكنك لا توضّح الاسباب ولا تفسّر لماذا؟ انك بهذا الاعتراف قد نسفت فعلا سياسة عبدالناصر من أساسها. فهل يا تري أن كان الرئيس عبدالناصر حيا يرزق، وسمع ما تقول، أو قرأ ما تكتب.. سيربت علي كتفك متجاوبا معك ويعترف انه كان أيضًا صاحب حكم متسرع عن نوري السعيد وأنه لم يدرك وجهة نظر الباشا جيدًا، أم أنه سيبقي يصّر مدافعا عن سياساته التي مارسها في كل المنطقة، وخصوصا إزاء العراق، وبالذات إزاء الباشا نوري السعيد؟؟ ماذا تسمّي ذلك يا هيكل؟ هل هي عودة وعي تاريخي؟ أم هل هي خروج عن منطق مناخات ذلك الزمن الذي شغلتنا فيه الاخيلة وضيعتنا الأوهام؟ إذا كنت قد حسمت أمرك إزاء الباشا نوري السعيد الذي يبدو انك قد غيرّت أحكامك عنه.. معني ذلك أن سياسات عبدالناصر كانت مخطئة وأن سياسات غريمه في العراق كانت علي صواب.. دعونا ننتقل إلي متابعة ما سيحكيه هيكل تباعا..
التبريرات الواهية
يقول هيكل: "نوري باشا جاء وأظنه علي أي حال ما شرحش وجهة نظره بطريقة كافية لأنه ركز علي حكاية إنه هو لا يفهم لماذا أصر جمال عبدالناصر طول فترة المفاوضات مع الإنجليز مباشرة أو الاتصالات مع الأمريكان بالطرق الجانبية أو بالطريقة الدبلوماسية بأي طريقة إنه لا يمكن.. لن يناقش الدفاع عن الشرق الأوسط إلا في إطار أن تنتهي قصة الاحتلال البريطاني كاملةً.." (نص هيكل).
هذا تبرير غير مقبول يا هيكل.. هذا تبرير مبني علي الظنون! كيف تظنان نوري باشا لم يشرح وجهة نظره بطريقة كافية حتي تفهمون؟ وطبعا يرّكز علي الحكاية التي ذكرتها، لأنها قلب المشكلة بين السياستين.. ويبدو لي أن زعماء مصر القدماء علي العهد الملكي كانوا يفهمون من يكون الباشا نوري السعيد، وما دوره، وما قيمته في القرن العشرين.. عندما تقرأ مذكراتهم، ستجد ما الذي وجدوه فيه، هم ومعهم كل القادة السوريين والفلسطينيين واللبنانيين. كان الأجدي بك أن تقول إن عبدالناصر والقادة من الضباط الأحرار لم يفهموا ما قاله لهم الباشا نوري السعيد.. علما بأنني اعتقد أن كلا الاثنين يعرف ما سيقوله احدهما للآخر، وكان الحوار بين نظامين مختلفين، وبين عقليتين مختلفتين، وبين استراتيجيتين مختلفتين، وبين جيلين مختلفين.. وتختزل كلها في مصالح متضادة لبلدين اعتبرا عبر التاريخ بطوله من أبرز مراكز الثقل للمنطقة كلها.
هيكل يبني أحكامه علي الظنون
يتابع هيكل كلامه قائلا: ".. فجاي نوري باشا ورأيه إنه.. وأنا أظن إن هنا نوري باشا أخطأ في ال «Approves » في اقترابه من الموضوع لأنه بدأ كما لو كان كلامه جزءا من حملة الضغط في سبيل الإقناع وقبل التوقيع النهائي وبالتالي أظن الزيارة لم تنجح أو علي الأقل كانت عملية استكشاف كانت ضرورية، لكن ما أظنش إنها تركت انطباعات لا كويسة عند جمال عبدالناصر ولا كويسة أيضاً عند نوري باشا خصوصاً إنه كان فيه مسألة غريبة قبلها لافتة للنظر قبلها، إنه في أزمة مارس.. " (نص هيكل )
مرة أخري يبني هيكل احكامه علي الظن، وهذا خطأ جسيم في تحليل التاريخ، لأن من يبني احكامه هكذا وبهذا النوع من الكلام فإما يكون ناقص معلومات، أو انه يغالط الحقيقة التي يعرفها جيدا.. واعتقد جازما أن هيكل هنا يجمع النقيضين، فهو ناقص المعلومات، ولا يعرف ولم يكن يعرف شيئا عن نوري السعيد اولا، وهو يعرف الحقيقة التي بدت ظاهرة للعيان منذ تلك اللحظات التاريخية لكل صاحب عقل وحكمة.. ويريد اليوم أن يغالطها، كما غالطها منذ خمسين سنة لتبرير سياسات معينة اعتقد انه لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في الآتي يؤمن بها أبدا!
هل كان الباشا يخشي أحدا؟
يتابع قائلا: " في وسط أزمة مارس ومصر مشغولة بدأ نوري باشا يتصرف باعتقاد إنه مصر سوف تتلهي في مشاكلها الداخلية ولن يكون لها رأي في أوضاع الإقليم وبالتالي راح هو قابل عدنان مانداريس رئيس وزراء تركيا في شهر أبريل وبأوا يتكلموا في تنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط وفي فكر نوري باشا إنه علي أي حال مصر مشغولة بهمومها ولن تكون جاهزة لأي كلام مُجدٍ قبل فترة طويلة... " (نص هيكل ).
لم يكن الباشا نوري السعيد يخشي من مصر أن صنع قرارا في بغداد لا إبان العهد الملكي بمصر ولا في العهد الجمهوري الجديد.. كان نوري باشا رجل سياسة من الطراز الأول، ولم يكن يخشي من مصر حتي ينتهز فرصة انها ملتهية بمشاكلها الداخلية حتي يذهب لمقابلة عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا من أجل تنظيم الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط! هذه مزحة جديدة تضاف إلي كاريكاتيرات محمد حسنين هيكل، وظنونه التي يسوقها علي الناس كحقائق، وهي خيالية ولا يمكن أن نجد لها أي أساس من الصحة..
إن علاقات العراق بتركيا يا هيكل قديمة جدا، وهي دولة كبيرة في الشرق الأوسط، ولها حدود مع العراق.. ومنذ تشكيل الدولة العراقية المعاصرة عام 1921 علي يد الملك فيصل الأول، والعلاقات راسخة مع الجمهورية التركية بزعامة مصطفي كمال أتاتورك.. ويعد الباشا نوري السعيد محور العلاقات الراسخة بين البلدين، فلا حاجة أن ينتهز الباشا انشغال مصر بهمومها حتي يسنح له المجال أن يخطو خطواته التي شهدناها. لم يعتمد نوري السعيد علي معلومات كاذبة يقولها هذا أم ذاك بصدد مصر حتي يبني علي أسسها خططه.. لم يعتمد علي أي كلام حول مصر..
لم يبن قراراته علي احلام للبيع، بل بالعكس كان يعتمد خططا للتنفيذ، ويسرع في تنفيذها إن وجد نفسه واثقا من قوتها.. وسواء كانت مصر مهمومة بدواخلها أم لم تكن، فإنها أبعد ما تكون عن رسم السياسات العراقية التي مورست في العراق منذ تأسيس الكيان العراقي.. حتي بدأت التدخلات المصرية بشأنها في الخمسينيات علي عهد الرئيس عبدالناصر .
للموضوع بقية..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.