معجزة وحدها هي التي يمكن أن تنقذ السودان من الانقسامات والتفكك إلي عدة دول وليس حتي دولتين.. لكن هذه المعجزة تبدو حتي الآن مستحيلة!.. فكل قادة الشمال والجنوب في السودان يقاومون هذه المعجزة ولا يبحثون عنها أو بالأصح يساعدون علي إمكانية حدوثها. ويكاد الجميع في السودان قد استسلموا لهذا المصير.. أي انفصال الجنوب عن الشمال في عام 2011، وهو الانفصال الذي سوف يفتح شهية الانفصاليين في أرجاء أخري من السودان خاصة في الشرق. بل يكاد الجميع خارج السودان قد استسلموا لهذا المصير البائس الذي ينتظر السودان ويتصرفون علي أن تمزق وحدة السودان هي من قبيل القضاء والقدر لا مفر منه وكل ما يستطيع المرء تجاهه هو أن يطلب من اللَّه فقط اللطف فيه.. لذلك استقبل الجميع بدون اكتراث واضح تصريحات سيلفاكير رئيس حكومة الجنوب في السودان ونائب الرئيس السوداني، التي حض فيها الجنوبيين علي التصويت لصالح انفصال الجنوب في عام 1102، حتي لا يصبحوا مواطنين درجة ثانية، وحتي ينالوا حريتهم في بلد مستقل. لم ينتفض أحد أو علي الأقل يتحرك أحد في منطقتنا ليفعل شيئًا أو يقول شيئًا تعقيبا علي تصريحات سيلفاكير، الذي يلزمه اتفاق السلام بجعل الوحدة بين شمال السودان وجنوبه جاذبة.. بل إن كل الصحف نشرت تصريحات سيلفاكير في صفحاتها الداخلية ضمن الأخبار الأقل أهمية، وهكذا فعلت الكثير من الفضائيات لم تهتم بالخبر.. وذلك ما حدث أيضًا حينما أعلن سيلفاكير في نهاية زيارته إلي القاهرة إن مصر والعرب يبحثون عن وحدة السودان في الوقت الضائع!.. فلم نسمع تصريحا واحدًا من أحد يرد علي كلام سيلفاكير، الذي كان يشي بأنه حسم أمره وقرر الانفصال بالجنوب عن شمال السودان، إن لم يكن قد حسم أمره قبل ذلك فور توليه قيادة الجنوب خلفا لجارانج الذي لقي مصرعه في حادثة غامضة لطائرته. وهكذا.. صار الجميع في انتظار المصير المحتوم للسودان، وهو انقسام السودان إلي أكثر من دولتين، رغم أن ذلك ستتلوه تداعيات ستؤثر علي الجميع، أقلها نشر دعوات الانفصال والانقسامات في أنحاء شتي في منطقتنا العربية. ربما نحن في مصر رغم حرصنا علي وحدة السودان كنا نعمل بطريقة اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، لا نستبعد احتمال انفصال جنوب السودان عن شماله.. ولذلك سعينا إلي إقامة علاقات مع الجنوب وحرصنا علي قدر من التواجد المصري في الجنوب.. لكن الأمر الآن يحتاج لما هو أكثر ولما هو أنشط ولما هو أكثر فاعلية وأكثر تأثيرًا.. لأننا يتعين أن نعي أن النيل يمر بجنوب السودان مثلما يمر بشماله. وقد كان لافتاً للانتباه أن يقول سيلفاكير منذ شهور إن مفاوضات دول حوض النيل يجب أن يعاد النظر فيها إذا ما زاد عدد هذه الدول بانفصال جنوب السودان. كما كان لافتاً للانتباه أن يقول أيضًا إن استئناف العمل في مشروع قناة جونجلي يجب مناقشته مع حكومة الجنوب وليس مع الحكومة المركزية أو التي تسمي حكومة الوحدة الوطنية. إذن الأمر الآن بات يحتاج لأسلوب جديد ونهج جديد في التعامل عربيا وليس مصريا فقط مع السودان ومشاكله وأموره وقضاياه.. والبداية هي اهتمام أكبر بالسودان استعدادا للتداعيات التي ستلحق بالجميع إذا ما انفصل جنوب السودان عن شماله، خاصة أن هذا الجنوب ليس ببعيد عن الإسرائيليين مثله كبقية دول حوض نهر النيل. لقد عقد قادة الجنوب العزم علي الانفصال، وهناك في الشمال من يعتقدون أن مثل هذا الانفصال ربما كان حلا لمشاكل الشمال!.. إن هذه الحقيقة المؤسفة هي نتيجة واضحة للدولة الدينية أو للعلاقة المختلة بين الدين والدولة.. ففيها ليس كما نقول في مصر الدين للَّه والوطن للجميع ولكن فيها كل يسعي لإقامة وطن خاص به، أي يسعون لتمزيق الوطن. وهذا هو الدرس الذي يتعين أن نعيه جيدًا حتي نحمي بقية دولنا العربية من الانقسامات التي يتم التحضير لها حاليا.