تفاصيل لقاء السيسي ورئيس جامعة هيروشيما اليابانية (صور)    اجتماع مهم مساء اليوم بشأن سعر الفائدة على الدولار.. تعرف على القرار المتوقع    النائب عبدالمنعم إمام يرفض تعديلات المعاشات: غير كافية ولا ترقى لمعالجة قانون يمس 40 مليون مواطن    "الإحصاء": تراجع معدل البطالة إلى 6.3% عام 2025    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    عاجل غارات إسرائيلية مكثفة تتجاوز "الخط الأصفر" إلى شمال الليطاني جنوب لبنان    وزير الرياضة ومحافظ شمال سيناء يتفقدان مشروعات التطوير باستاد العريش    إشادة دولية بعد حصوله على بطولة أفريقيا للمصارعة.. عبد الله حسونة يروى كواليس التتويج    مصرع طفل أثناء لهوه بطيارة ورقية بجوار محول كهرباء فى طوخ    تأجيل محاكمة متهمي اللجان الإدارية لجلسة 20 يونيو    خيري بشارة: أتحمل نتيجة إخفاقاتي وفاتن حمامة آمنت بي    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. خيري بشارة: كابوريا نقطة تحول بعد أفلام الواقعية    وزير الداخلية: عمال مصر يمثلون أحد أعمدة البناء الأساسية    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    الدوري المصري، موعد مباراة الجونة وحرس الحدود والقناة الناقلة    مجلس جامعة بني سويف يوافق على تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات بكليات ومعاهد الجامعة    وزيرة التضامن الاجتماعي: دعم وتمكين ذوي الإعاقة على رأس أولويات الدولة    مريض نفسي وراء ضرب شقيقتين أثناء سيرهما بأحد شوارع الجيزة    وزير التخطيط: نتطلع لآفاق أوسع من التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية    كارثة إثيوبية جديدة، شراقي: توربينات سد النهضة توقفت والبحيرة ممتلئة    وزير التعليم العالي يتابع أداء الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية    عمرو يوسف: "الفرنساوي دفعني للتفكير في العودة لممارسة المحاماة"    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    حملة "صحتنا حياتنا" بجامعة قناة السويس: طلاب علوم الرياضة يقودون مبادرة توعوية لمواجهة أمراض سوء التغذية    رفع 2031 طن قمامة وتحرير 132 محضرا تموينيا بكفر الشيخ    أقل شقة بمليون جنيه …الإسكان الإجتماعى للأغنياء فقط والغلابة خارج حسابات الحكومة    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    خلافات على الأرض.. النيابة تحقق في واقعة سرقة محصول قمح بالشرقية بعد ضبط المتهم الرئيسي    إسرائيل تمهل لبنان أسبوعين للاتفاق وتلوح بتصعيد عسكري    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    وادي دجلة يستضيف الاتحاد السكندري بالدوري    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس اليوم.. احذروا الظواهر الجوية    مسؤول أممى: اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة يزداد تدهورا    قمة أوروبية مشتعلة الآن.. أرسنال في اختبار صعب أمام أتلتيكو مدريد بنصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2026 (بث مباشر + القنوات والتشكيل)    ترامب: الملك تشارلز يتفق مع منع إيران من امتلاك قنبلة نووية    تحرير 38 محضرا لمخابز بلدية لمخالفتهم مواصفات الإنتاج بالبحيرة    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    "أبيض من الداخل وغريب الشكل".. علامات تشير إلى معرفة البطيخ المسرطن؟    أسعار اللحوم اليوم الأربعاء 29 أبريل في الأسواق    الكونجرس يستجوب وزير الحرب الأمريكي لأول مرة منذ بدء الحرب ضد إيران    فيفا يتخذ إجراء صارما بعد واقعة فينيسيوس قبل كأس العالم 2026    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    9 مصابين في حادث انفجار شعلة غاز ببني سويف    شراكة صحة دمياط والصيادلة تعزز القرار الصحي لخدمة الأسرة    الأهلي وسبورتنج يتأهلان إلى نهائي دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    سقوط «إمبراطور الكيف» في قبضة أمن القليوبية بالخصوص    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بقايا هيكل !
نشر في روزاليوسف اليومية يوم 27 - 10 - 2009


سؤال : هل ما يقوله هيكل.. كلام عقلاء ؟
الإجابة : تضييع وقت .. وكلام أبله !

أي دولة هذه غيرت اتجاهها؟
نبقي مع هيكل وهو يقسّم علي مزاجه وهو يطلق الأحكام جزافًا.. ويستطرد مطنبًا مسهبًا فيقول: "لما جت حتي الخلافة والخلافة.. ماكنش حد بيفكر قوي في إنه ينسلخ، التفكير في الانسلاخ عن هذا الجامع المشترك، في واقع الأمر بدأ لما دولة الخلافة مش بس انهارت بل غيرت اتجاهها وبدأ يطلع اتجاه القومي التوراني التركي وبالتالي أحس جَمْع هذا المجتمع اللي موجود في هذا الجامع المشترك العربي الإسلامي، أحس بأنه والله الرباط بيفك وأننا في حاجة إلي شيء آخر.." (انتهي النص) .
هذا تفسير خاطئ آخر لما كان قد حصل، وأسألك يا هيكل: متي (جت) الخلافة؟ بمعني أنها لم تكن موجودة.. أسألك متي جاءت؟ وتقول: ما كنش حد بيفكر قوي في أن ينسلخ.. وأسأل: عمّن ينسلخ؟ وهل هناك من كان يفكّر (قوي أو غير قوي في أن ينسلخ)؟ التفكير في الانسلاخ عن أي جامع مشترك؟ ما معني ذلك؟
لابد أن تقرأ يا هيكل تطور المفاهيم والأفكار التي كانت سائدة عصر ذاك والأفكار التي كانت رائجة، ومنها: الملة العثمانية (=الأيديولوجية العثمانية السائدة)، ومن ثم تبلور الرابطة العثمانية الجديدة التي صرّح بها العديد من الكتاب والمفكرين الجدد، وأيضًا تبلور النزعة التورانية التركية التي نشأت في تضاعيف النصف الثاني من القرن التاسع عشر.. ثم تبلورت فكرة الجامعة الإسلامية في مطلع القرن العشرين من خلال خطاب السيد جمال الدين الأفغاني.. ولم تظهر فكرة الخلافة العثمانية إلا فيما بعد والتي التزمها السلطان عبدالحميد الثاني ليعلن نفسه خليفة عثمانيا في مطلع القرن العشرين، ليثير عليه ردود فعل عنيفة خصوصا من المفكرين العرب وفي مقدمتهم السيد عبد الرحمن الكواكبي الذي كتب كتابيه: طبائع الاستبداد وأم القري، وينتقد فيهما مشروع الخلافة العثمانية، معتبرًا إياها ناقصة للشروط التي جاءت بها الأحكام السلطانية إلي للحسن البصري، كون الخلافة لابد من عروبتها وقرشيتها!
جهل مطبق بالتاريخ
أعود إلي فقرة هيكل لأسأله: متي انهارت دولة الخلافة حتي تغير الدولة اتجاهها كي يبدأ يطلع اتجاه قومي توراني تركي؟ هذا جهل مطبق بالتاريخ وتشويه له.. إن التاريخ ليس وجهات نظر يا هيكل كي تجلس وتوزع نظراتك الخاطئة علي الناس فيه.. التاريخ معلومات وحقائق دامغة.. فإذا كنت تخطئ أخطاء شنيعة في ظواهر التاريخ، فكيف يمكننا أن نصدّق ما تكتبه عن أحداث التاريخ ووقائعه؟ أي رباط (بيتفك)؟ لِمَ لم تعرف ما الذي أحدثه الاتحاديون في حزب الاتحاد والترقي في العام 1908 ؟ ولماذا لم تعرف ما الذي فعله الائتلافيون كرد فعل ضد الاتحاديين؟ لماذا لا تعرف متي تطورت الفكرة التورانية في الدولة العثمانية؟ لماذا لم تعرف متي اتبعت الدولة العثمانية سياسة التتريك؟ لتشكّل تلك السياسة ردود فعل عنيفة في حياة الملل والأقليات في الدولة العثمانية؟ لماذا لم تقرأ ما كتبه مؤرخون متخصصون عربًا واتراكًا وغيرهم من أوروبيين حول تطور ذلك وعلاقة مصر والعالم العربي؟ ولابد أن تدرك أن القومية العربية قد ظهرت علي أيدي المثقفين النهضويين العرب من العراق وبلاد الشام .
أي كلام استراتيجي يا هيكل؟
وتستمر المهزلة وكل هذا الاهتراء الفكري ونحن نحرق زمننا ليستمع العرب أو يقرءوا هذيانًا غارقًا في تشويه الحقيقة.. كي يصبح الشاعر الذي تغرقه عواطفه وتملؤه تناقضاته صاحب كلام استراتيجي.. يقول هيكل: "وإنه يعني أنا بافتكر باستمرار وبلاقي إنه الأدب والثقافة بتُعبر عنStrategy) ) في الدول المتخلفة أكثر من الفكر، لما جت.. لما جاء الخلافة العثمانية بتقع والخلافة.. الدولة هزمت الدولة العلية هزمت، أنا قارئ طبعا مش فاكر ما كنتش موجود يعني لكن قارئ لوعة أحمد شوقي مثلا علي سبيل المثال لما بدأ كمال أتاتورك يظهر أبص ألاقي قدامي أقرأ حاجة ألاقي شوقي بيكلم كمال أتاتورك وبيقول:
الله أكبر كم في الفتح من عجبي يا خالد الترك جدد خالد العربي " (انتهي النص) إنني أسأل: بالله عليكم هل هذا كلام عقلاء؟ هل إن الأدب والثقافة تُعبر عن Strategy) ) في الدول المتخلفة أكثر من الفكر كما يقول هيكل بالنص؟ هذا منطق أبله لمن يريد توزيع العواطف بين الناس.. فالنخب المفكّرة تعيش دوما شقاء الوعي نتيجة ما تصادفه في المجتمعات المتخلفة من قهر وشظف ومشقات.. ليس من قبل الناس الطيبين العاديين الذين يستمعون ولا يدرون أين وجه الحقيقة، ولكن كل المعاناة والشقاء يأتي من أناس يعتبرون أنفسهم مثقفين وأدباء وشعراء وإعلاميين يبيعون كلامهم لهذا أو مديحهم لذاك.. ويغيرون اتجاههم من عهد لآخر.. وهم فنانون في تشويه الحقائق والتنكر للعلم والمعرفة.. فكم ظهر من مفكر عملاق في بيئاتنا المتخلفة وسحقه المأجورون والسفهاء من شعراء وكتاب وصحفيين لأنه يخالفهم ليس في طريقتهم ومنهجهم فحسب، بل في صلب القيم التي يحملها والمبادئ التي يؤمن بها .
إذا لم تكن يا هيكل موجودًا ولم تعش تلك الأحداث، فالتاريخ موجود ويمكنك أن تعيد قراءته حتي إن كنت قارئًا بليدًا.. فالشاعر أحمد شوقي وغيره من عمالقة الشعراء العرب لا يمكن التعويل علي قصائدهم في الشأن الاستراتيجي.. صحيح أن الشعر هو تعبير عن واقع، ولكن ما كتبه أحمد شوقي عن عزل السلطان عبدالحميد الثاني علي أيدي الاتحاديين هو غير ما كتبه عن الغازي مصطفي كمال أتاتورك في مرحلة متغيرة تماما، فعزل عبدالحميد كان في العام 1909 وإلغاء الدولة والسلطنة علي يد أتاتورك كان في العام 1923 والعام 1924.. وإذا كان الشاعر أحمد شوقي قد تعاطف مع سياسة عبدالحميد الثاني ومشروع الخلافة العثمانية، فإن الشاعر ولي الدين يكن، وهو مصري أيضًا، كان مناوئًا لسياسة عبدالحميد الثاني وتعّرض للنفي.. فلماذا لم يستشهد شوقي به أيضًا؟.. وإذا كان ولي الدين يكن سياسيا فإن شوقي لم يشتغل سياسة.. فلماذا لم تستشهد بكتاب "المعلوم والمجهول" لولي الدين يكن وبقصائده العنيفة في ديوانه؟
الخلافة ليست عروسًا دفنت في يوم زفافها!
ويستمر هيكل في فوضويته الفكرية وآرائه المقصرة.. دعنا نستمع لما يقول: "في هنا ده كلام مش بس شعر ولا أدب لكن ده كلام فيهStrategy) )، لكن جاء بعدها شوقي فوجئ بأنه شوقي وغيره يعني فوجئ بأنه كمال أتاتورك لغي الخلافة لأنه تركيا كانت بدأت تتوجه بالنظر إلي مجال جغرافي ثقافي جامع آخر وهو أوروبا فإذا بشوقي اللي تصور إنه.. وهنا برضه التعبير الاستراتيجي أكثر منه الأدبي والفني وهو ده اللي بيهمني فيه، تبص تلاقي شوقي بيعمل إيه فوجئ هو لقا قائد بيجدد شباب الخلافة وتصور أنه والله نحن علي باب عصر جديد، لكن فوجئ بكمال أتاتورك بيلغي الخلافة وهو لسه أول إمبارح مدحه وبيقول الله وأكبر كم في الفتح من عجبي طب يعمل إيه؟ فعمل قصيدته الهايلة وأنا بأعتقد أنها أيضاStrategy) ) أكثر منها أدب اللي هي بيقول فيها:
عادت أغاني العرس رجع نواح ونُعيت بين معالم الأفراح كُفنتٍ في صبح الزفاف بثوبه ودُفنت عند تبلج الإصباح كأنه الخلافة حلم الخلافة اللي راوده كان عروس هتُزف، فإذا بها تموت في ليلة الزفاف وإذا بها تُدفن قبل صبح الزفاف، " (انتهي النص) .
إنني اسأل كل المفكرين والمؤرخين المختصين العرب أن يتأملوا ولو قليلا في " النص" أعلاه، فهل هذا كلام عقلاء؟ هل يمكننا أن نعوّل علي أحمد شوقي الذي أكثر من مدائحه لهذا وذاك ولم يكن بمفكر ضليع ولا بمحلل بارع له تفكير استراتيجي لتلك المرحلة حتي نطلق عليه هذه "الصفة"، فكلامه شعر جميل فيه المديح والأمنيات والإطراء والوصف.. ولكن ما الذي يدعونا إليه هيكل؟ أو بالأحري: ما الذي يريده هيكل من هذا الغثاء؟ لماذا لم يقرأ أفكار عدد من الكتاب والمفكرين المصريين الذين عاشوا تلك المرحلة وكانت لهم أدوارهم التي لم تكن في يوم من الأيام استراتيجية؟.. فالاستراتيجية لا يصنعها الكتاب والصحفيون والشعراء ولا حتي المفكرون والمحللون.. ولكنها وبرفقتها التكتيكات (= التدابير) يصنعها القادة السياسيون وكبار الضباط العسكريين من صنف أركان حرب.. وصناع القرارات الإدارية والسياسية والعسكرية.
وأقول: إن كانت مصر في يوم من الأيام قد اعتمدت علي هيكل لصناعة استراتيجيتها، فلا يستغربن أحدكم إن هزمت مصر وانتكست إن كان الرجل ليس باستطاعته أن يقول قولاً سليمًا أو أن يفكّر تفكيرًا عقلانياً! وإذا كان أحمد شوقي قد عشق الخلافة ووصفها بالعروس التي دفنت يوم عرسها، فهل معني ذلك أن شوقي غدا يتكلم استراتيجيا؟؟ والشيء بالشيء يذكر، إن كان الشاعر نزار قباني قد وصف الراحل جمال عبد الناصر بآخر الأنبياء، فهل معني ذلك أن نزار قد صنع استراتيجيا؟ لنكن عقلاء جدا ونحن نخاطب الملايين من البشر.. إن كنت تنشر مثل هذا " الغثاء " في كتبك السابقة التي لم يكن يقرؤها إلا حفنة من المعجبين بك، فإن بضاعتك الحقيقية نشرتها بنفسك علي شاشات التليفزيون وجلس الناس يستمعون إلي هيكل الذي طالما تداول اسمه في الأوساط العربية.. فوجدوه كما قال لي أحد المثقفين من الشباب اللبنانيين: طبلاً فارغًا!
المفاضلة بين المدن العربية
ينتقل هيكل في حديثه ليوزع أحكامه علي المدن العربية الأساسية مقارناً إياها بالقاهرة.. يقول: "طيب فين القاهرة في ده كله؟.. القاهرة في ده كله في اعتقادي كان بيحصل فيها حاجة غريبة قوي هنا ده فعل التاريخ، فعل التاريخ في الجغرافيا، فعل التاريخ في الاجتماع، فعل التاريخ في السياسة في الوقت اللي كان فيه الخلافة بتضعف علي نحو ما، هذا المجتمع اللي كان في دولة الخلافة، هذا المجتمع العربي الإسلامي الحضاري الثقافي الموجود في هذه المنطقة بدأ يدور عن شيء، بدأ يبحث عن مكان، بدأ يبحث عن جامع عن نوع من الرابط المشترك الذي يجمع، القاهرة قبل كده لو نفتكر.. " (نص هيكل) . إن الأمر لا يحتاج إلي هذا كله يا ناس.. كلنا يعرف ويدرك أن القاهرة قد انطلقت في مطلع القرن التاسع عشر انطلاقة لا يمكن لغيرها أن يضاهيها أبدًا خصوصا بعد حملة بونابرت علي مصر، ومن ثم تولّي محمد علي باشا مقاليد الأمور . إن الانطلاقة قد حدثت من خلال هذين العاملين التاريخيين الاثنين، فكل منهما ساهم بدرجة أو بأخري في القضاء علي بنية المماليك المصرية القديمة التي أوصلت مصر إبان القرنين السابع عشر والثامن عشر إلي الحضيض، فإذا كان بونابرت قد قضي علي بنيتهم العسكرية في معركة أبي قير، فإن محمد علي باشا استأصل نفوذهم السياسي تماما في مذبحة القلعة.. لقد خرجت القاهرة بثوب تاريخي جديد علمًا بأن مدنًا ومراكز وولايات عربية أخري كانت تعيش حياة اللامركزية الإدارية العثمانية، ولكن لم تنطلق انطلاقة القاهرة عند مطلع القرن التاسع عشر.
أما أن تكون الخلافة بتضعف.. فهذا هراء لا أساس له من الصحة، فلم يكن هناك أي خلافة، بل يقصد السلطنة التي لم يكن لها أي تأثير علي متغيرات القاهرة . السؤال: هل يمكن لأحد أن ينكر بأن تغيير القاهرة لم يأت من خلال عاملين اثنين أولهما خارجي متمثل ببونابرت، والثاني داخلي متمثل بمحمد علي باشا وأسرته. إن المجتمع العربي الذي وصفه هيكل اليوم ب "الإسلامي الحضاري الثقافي" الموجود في هذه المنطقة بدا يبحث عن شيء، بدا يبحث عن مكان، بدا يبحث عن جامع عن نوع من الرابط المشترك الذي يجمع، القاهرة.. هذا المجتمع لم ينس القاهرة حتي يستعيد رابطته بها، وإنما جاء الوعي بمكانتها لاحقا خصوصا عند نهايات القرن التاسع عشر وليس عند بداياته يا هيكل . إنك بدأت تدرك قيمة محمد علي باشا مذ نبهتك إلي ذلك في "تفكيك هيكل"، بل استعدت رؤيتك لمكانة الأسرة العلوية في تاريخ مصر علي امتداد مائة وخمسين سنة بعد أن أقصيتها وهمشتها ونلت منها كثيرًا في كتبك ومقالاتك.. إنني أعجب منك اليوم لتأتي كي تعطي محمد علي باشا مكانته الحقيقية بعد أن غيّبته طويلا.. كنت أتمني لو اعترفت بتقصيرك هذا والذي انتقدت عليه انتقادًا مريرًا.. ولكنك لم تفعل ذلك مكابرة واختيالاً. لننظر ما تقول:
" محمد علي جاء الحقيقة عمل حاجة مهمة قوي لأنه أدي دور بدا فأدّي دور للقاهرة لازم نلاحظ قبلها أنه القاهرة شأنها شأن أي عاصمة عربية ليس فيها ما يميزها عن غيرها عشان نبقي واضحين وأنا لأنه في بعض إخوانا بيتصوروا أوهام، دمشق هي أقدم مدينة في العالم، بغداد كانت عاصمة عربية لا تقل أهميتها عن القاهرة، الرباط كانت في وقت من الأوقات، القاهرة كانت مهمة جدًا في فترات، لكن أهمية القاهرة بدت في القرن التاسع عشر، أهمية القاهرة الحديثة، بدأت في القرن التاسع عشر تأخذ وضعًا علينا أن ندرسه باهتمام ليه؟ لأنه في الوقت اللي الرباط الجامع فيه العثماني بينزل وبيتهاوي وبتخف قوته، بتضيع قوته وبتضيع سلامته.. قدرته علي حفظ سلامة هذا الجمع هذا المجتمع الموجود داخل هذا الرباط رباط الخلافة المشترك والقوي الأجنبية عمالة تنزل في الخليج وعمالة تنزل في البحر الأبيض علي.. " (نص هيكل) .
يا سيد هيكل إن لكل مدينة تاريخها وتراثها وجذورها.. والمدينة كالإنسان تحيا وتموت أو تبقي حية ترزق لتعمّر طويلا.. ولكن تبقي لكل مدينة من مدننا العربية استراتيجيتها في الزمان الذي تنضج فيه أو تحيا عليه.. ربما كانت دمشق أقدم مدينة في العالم، وربما كانت بابل أقدم منها وأن نينوي أقدم منها أيضًا.. ولكن ليس معني هذا أن أي مدينة تصلح لأن تعمّر عاصمة امبراطورية طويلاً.. فإن كنت تتكلم بلغة العواصم فهذا يختلف عن كيفية معالجتنا مسألة المدن . وإنني أعتقد أنه لا مفاضلة بين هذه العاصمة أو تلك إلا بالقدر الذي شاركت في صنع التاريخ . ولا أحد ينكر أبدًا ما تمتّعت به القاهرة من مكانة تاريخية ونهضوية في القرن التاسع عشر، ولكن ذلك لم يمنع أبدًا من الدور النهضوي الرائد الذي اضطلعت به بيروت ولما تكن عاصمة بعد.. أما منزلة الطلوع والنزول عند هيكل بناء علي ما يتخيله من رباط مشترك وخلافة في الوجود.. فهذا من قبيل إنشاء الكلمات، إذ لا وجود لمثل ما يقول أبدًا.. ذلك أن القاهرة تعرّضت هي الأخري للاحتلال البريطاني كما تعرّض غيرها أيضًا.. وعاشت تحت نير الإنجليز ردحًا طويلاً من الزمن، من دون أن يفقدها الاحتلال قوتها النهضوية أو طابعها الحضاري .
سنواصل معاً بقية الحلقات
الكاتب.. مفكر عربي عراقي مقيم في كندا
وأستاذ في جامعات عربية وأمريكية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.