ضبط نصف طن لحوم ودواجن مجهولة المصدر غير صالحة للاستهلاك الأدمي بالمنوفية    وزير التموين يُصدر حركة تنقلات وتعيينات موسعة لتعزيز كفاءة الأداء والانضباط المؤسسي    4 جنيهات ارتفاعا في أسعار الفضة محليا خلال أول 4 أشهر من 2026    مديرة صندوق الأمم المتحدة للسكان: نحتاج 198 مليون دولار لتمويل احتياجات غزة    اتحاد الكرة يكشف حقيقة الخطاب المزيف بشأن إلغاء الهبوط في الدورى    التشكيل المثالي لذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا    قناة النيل للرياضة تنقل نهائي كأس الجزائر بشكل حصري    محافظ أسوان: التنسيق لتنظيم القوافل الدعوية وترسيخ قيم الوسطية    عاجل.. سقوط دجال الغربية بعد ممارسة أعمال الشعوزة والعلاج الروحانى    أفلام الأطفال وعروض أنيميشن.. نتاج ورش أطفال مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    وزير السياحة والآثار يعقد اجتماعاً موسعاً مع مجموعة العمل الخاصة بمواقع التراث العالمي    أشرف زكى وإميل شوقى والكحلاوى فى عزاء الملحن على سعد.. صور    بالتعاون مع إذاعة القرآن الكريم.. الأوقاف تعلن بدء مسابقة «أذان الحج»    منظمة السياحة العالمية تختتم فعاليات المؤتمر الدولي للاستثمار بالمغرب    وزارة الداخلية تمد مبادرة "كلنا واحد" وتوسع المنافذ استعدادًا لعيد الأضحى    رجال يد الأهلي| عبد العزيز إيهاب: التتويج بكأس مصر يعبر عن شخصية الفريق    خاص | توروب للاعبي الأهلي: الزمالك فرصة لمصالحة الجماهير    وزير التموين يصدر حركة تنقلات موسعة تشمل 35 وظيفة قيادية في 13 محافظة    المنشاوي يشارك اجتماع المجلس الأعلى للجامعات برئاسة وزير التعليم العالي بالعاصمة الجديدة    مصرع نائب رئيس بنك مصر إثر انقلاب سيارته على الطريق الإقليمى    ضبط عنصر جنائي أطلق أعيرة نارية في الهواء لترويع المواطنين في الجيزة    الداخلية تضبط شبكة لاستغلال الأطفال في التسول بالجيزة    إدارة ترامب تدرس 3 خيارات عسكرية ضد إيران    الجمود فى لبنان سينتهى عندما يتم الحسم فى إيران    من قلب الحرب.. أربعة دروس أربكت العالم    سمير فرج: بوصلة الأزمة تتجه نحو مضيق هرمز وسط تساؤلات حول تخطيط البنتاجون    توطين صناعة النقل في مصر.. إنتاج 100 عربة بضائع متنوعة و1300 أتوبيس وتوفير أكثر من 867 مليون يورو    حسن رداد: تصديق الرئيس على قانون العمل الجديد حقق العدالة بين أطراف العملية الإنتاجية    ارتفاع الصادرات وترشيد الطاقة    البورصة وتلاميذ ثانية ثانوى    رجال على قلب رجل واحد.. لحماية مصر    منتخب المصارعة النسائية تحت 20 سنة يتوج بكأس البطولة الأفريقية بعد حصد 10 ميداليات    تأجيل محاكمة المتهم بقتل مهندس كرموز في الإسكندرية ل24 مايو لفحص تقرير اللجنة الثلاثية    رئيس وزراء فلسطين يبحث مع شبكة المنظمات الأهلية الأوضاع في غزة    وزير الأوقاف يهنئ عمال مصر: «العمران ثلث الدين»    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : عم (على) " حكاية "!?    محافظ الدقهلية ومحافظ الشرقية يفتتحان مؤتمر الشرقية لأمراض الكلى بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    عبدالرحيم علي: الاقتصاد الإيراني يخضع لحصار بحري مضاعف منذ تصعيد 2025    طريقة عمل كبدة الفراخ لغداء سريع التحضير واقتصادي آخر الشهر    فيلم إذما يطرح إعلانه الرسمي    خالد الجندى: اختيار الأفضل فى الطاعات واجب شرعى    «صناع الحاضر وبناة المستقبل».. السيسي يشاهد فيلم تسجيلي في حفل عيد العمال    بتهمة التزوير.. تأجيل محاكمة موظفى الشهر العقارى بالبحيرة لجلسة 23 يونيو    محافظ الشرقية يشهد فعاليات القافلة الطبية المجانية بمركز شباب بردين    ليفربول يطلق تصويتًا لاختيار أفضل 10 أهداف في مسيرة محمد صلاح قبل وداعه المرتقب    غذاء وأدوية.. الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة مساعدات جديدة إلى غزة    «الأعلى للإعلام» يستدعي الممثل القانوني لموقع «الغد المشرق» لنشره حوارًا غير صحيح    تحت رعاية وزارة الثقافة.. ليلة رقص معاصر تنطلق ب" كتاب الموتى" | صور    رئيس الوزراء يقرر منح الجنسية المصرية ل 48 شخصًا    الصحة: فحص 2.127 مليون طالب بالصف الأول الإعدادي للكشف المبكر عن فيروس سي    قرارات استراتيجية جديدة لمجلس إدارة هيئة الرعاية الصحية | تفاصيل    تزامنا مع عيد العمال.. الأوقاف: العمل والسعي طريق بناء الحضارات    انطلاق الجولة الثامنة من مجموعة الهبوط بالدوري الأحد.. وصراع مشتعل للهروب من القاع    وزير «التخطيط» يبحث مع البنك الدولي تطورات إعداد استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر    أميرة النشوقاتي: النساء العاديات مصدر الإلهام الحقيقي في «المقادير»    جيش الاحتلال: توقيف 21 سفينة من أصل 58 في الأسطول المتجه إلى غزة    بحضور يسرا.. العرض الخاص لفيلم "Devil wears Parada 2"    الأرصاد تحذر: شبورة كثيفة وطقس متقلب اليوم الخميس على أغلب الأنحاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بقايا هيكل !
نشر في روزاليوسف اليومية يوم 27 - 10 - 2009


سؤال : هل ما يقوله هيكل.. كلام عقلاء ؟
الإجابة : تضييع وقت .. وكلام أبله !

أي دولة هذه غيرت اتجاهها؟
نبقي مع هيكل وهو يقسّم علي مزاجه وهو يطلق الأحكام جزافًا.. ويستطرد مطنبًا مسهبًا فيقول: "لما جت حتي الخلافة والخلافة.. ماكنش حد بيفكر قوي في إنه ينسلخ، التفكير في الانسلاخ عن هذا الجامع المشترك، في واقع الأمر بدأ لما دولة الخلافة مش بس انهارت بل غيرت اتجاهها وبدأ يطلع اتجاه القومي التوراني التركي وبالتالي أحس جَمْع هذا المجتمع اللي موجود في هذا الجامع المشترك العربي الإسلامي، أحس بأنه والله الرباط بيفك وأننا في حاجة إلي شيء آخر.." (انتهي النص) .
هذا تفسير خاطئ آخر لما كان قد حصل، وأسألك يا هيكل: متي (جت) الخلافة؟ بمعني أنها لم تكن موجودة.. أسألك متي جاءت؟ وتقول: ما كنش حد بيفكر قوي في أن ينسلخ.. وأسأل: عمّن ينسلخ؟ وهل هناك من كان يفكّر (قوي أو غير قوي في أن ينسلخ)؟ التفكير في الانسلاخ عن أي جامع مشترك؟ ما معني ذلك؟
لابد أن تقرأ يا هيكل تطور المفاهيم والأفكار التي كانت سائدة عصر ذاك والأفكار التي كانت رائجة، ومنها: الملة العثمانية (=الأيديولوجية العثمانية السائدة)، ومن ثم تبلور الرابطة العثمانية الجديدة التي صرّح بها العديد من الكتاب والمفكرين الجدد، وأيضًا تبلور النزعة التورانية التركية التي نشأت في تضاعيف النصف الثاني من القرن التاسع عشر.. ثم تبلورت فكرة الجامعة الإسلامية في مطلع القرن العشرين من خلال خطاب السيد جمال الدين الأفغاني.. ولم تظهر فكرة الخلافة العثمانية إلا فيما بعد والتي التزمها السلطان عبدالحميد الثاني ليعلن نفسه خليفة عثمانيا في مطلع القرن العشرين، ليثير عليه ردود فعل عنيفة خصوصا من المفكرين العرب وفي مقدمتهم السيد عبد الرحمن الكواكبي الذي كتب كتابيه: طبائع الاستبداد وأم القري، وينتقد فيهما مشروع الخلافة العثمانية، معتبرًا إياها ناقصة للشروط التي جاءت بها الأحكام السلطانية إلي للحسن البصري، كون الخلافة لابد من عروبتها وقرشيتها!
جهل مطبق بالتاريخ
أعود إلي فقرة هيكل لأسأله: متي انهارت دولة الخلافة حتي تغير الدولة اتجاهها كي يبدأ يطلع اتجاه قومي توراني تركي؟ هذا جهل مطبق بالتاريخ وتشويه له.. إن التاريخ ليس وجهات نظر يا هيكل كي تجلس وتوزع نظراتك الخاطئة علي الناس فيه.. التاريخ معلومات وحقائق دامغة.. فإذا كنت تخطئ أخطاء شنيعة في ظواهر التاريخ، فكيف يمكننا أن نصدّق ما تكتبه عن أحداث التاريخ ووقائعه؟ أي رباط (بيتفك)؟ لِمَ لم تعرف ما الذي أحدثه الاتحاديون في حزب الاتحاد والترقي في العام 1908 ؟ ولماذا لم تعرف ما الذي فعله الائتلافيون كرد فعل ضد الاتحاديين؟ لماذا لا تعرف متي تطورت الفكرة التورانية في الدولة العثمانية؟ لماذا لم تعرف متي اتبعت الدولة العثمانية سياسة التتريك؟ لتشكّل تلك السياسة ردود فعل عنيفة في حياة الملل والأقليات في الدولة العثمانية؟ لماذا لم تقرأ ما كتبه مؤرخون متخصصون عربًا واتراكًا وغيرهم من أوروبيين حول تطور ذلك وعلاقة مصر والعالم العربي؟ ولابد أن تدرك أن القومية العربية قد ظهرت علي أيدي المثقفين النهضويين العرب من العراق وبلاد الشام .
أي كلام استراتيجي يا هيكل؟
وتستمر المهزلة وكل هذا الاهتراء الفكري ونحن نحرق زمننا ليستمع العرب أو يقرءوا هذيانًا غارقًا في تشويه الحقيقة.. كي يصبح الشاعر الذي تغرقه عواطفه وتملؤه تناقضاته صاحب كلام استراتيجي.. يقول هيكل: "وإنه يعني أنا بافتكر باستمرار وبلاقي إنه الأدب والثقافة بتُعبر عنStrategy) ) في الدول المتخلفة أكثر من الفكر، لما جت.. لما جاء الخلافة العثمانية بتقع والخلافة.. الدولة هزمت الدولة العلية هزمت، أنا قارئ طبعا مش فاكر ما كنتش موجود يعني لكن قارئ لوعة أحمد شوقي مثلا علي سبيل المثال لما بدأ كمال أتاتورك يظهر أبص ألاقي قدامي أقرأ حاجة ألاقي شوقي بيكلم كمال أتاتورك وبيقول:
الله أكبر كم في الفتح من عجبي يا خالد الترك جدد خالد العربي " (انتهي النص) إنني أسأل: بالله عليكم هل هذا كلام عقلاء؟ هل إن الأدب والثقافة تُعبر عن Strategy) ) في الدول المتخلفة أكثر من الفكر كما يقول هيكل بالنص؟ هذا منطق أبله لمن يريد توزيع العواطف بين الناس.. فالنخب المفكّرة تعيش دوما شقاء الوعي نتيجة ما تصادفه في المجتمعات المتخلفة من قهر وشظف ومشقات.. ليس من قبل الناس الطيبين العاديين الذين يستمعون ولا يدرون أين وجه الحقيقة، ولكن كل المعاناة والشقاء يأتي من أناس يعتبرون أنفسهم مثقفين وأدباء وشعراء وإعلاميين يبيعون كلامهم لهذا أو مديحهم لذاك.. ويغيرون اتجاههم من عهد لآخر.. وهم فنانون في تشويه الحقائق والتنكر للعلم والمعرفة.. فكم ظهر من مفكر عملاق في بيئاتنا المتخلفة وسحقه المأجورون والسفهاء من شعراء وكتاب وصحفيين لأنه يخالفهم ليس في طريقتهم ومنهجهم فحسب، بل في صلب القيم التي يحملها والمبادئ التي يؤمن بها .
إذا لم تكن يا هيكل موجودًا ولم تعش تلك الأحداث، فالتاريخ موجود ويمكنك أن تعيد قراءته حتي إن كنت قارئًا بليدًا.. فالشاعر أحمد شوقي وغيره من عمالقة الشعراء العرب لا يمكن التعويل علي قصائدهم في الشأن الاستراتيجي.. صحيح أن الشعر هو تعبير عن واقع، ولكن ما كتبه أحمد شوقي عن عزل السلطان عبدالحميد الثاني علي أيدي الاتحاديين هو غير ما كتبه عن الغازي مصطفي كمال أتاتورك في مرحلة متغيرة تماما، فعزل عبدالحميد كان في العام 1909 وإلغاء الدولة والسلطنة علي يد أتاتورك كان في العام 1923 والعام 1924.. وإذا كان الشاعر أحمد شوقي قد تعاطف مع سياسة عبدالحميد الثاني ومشروع الخلافة العثمانية، فإن الشاعر ولي الدين يكن، وهو مصري أيضًا، كان مناوئًا لسياسة عبدالحميد الثاني وتعّرض للنفي.. فلماذا لم يستشهد شوقي به أيضًا؟.. وإذا كان ولي الدين يكن سياسيا فإن شوقي لم يشتغل سياسة.. فلماذا لم تستشهد بكتاب "المعلوم والمجهول" لولي الدين يكن وبقصائده العنيفة في ديوانه؟
الخلافة ليست عروسًا دفنت في يوم زفافها!
ويستمر هيكل في فوضويته الفكرية وآرائه المقصرة.. دعنا نستمع لما يقول: "في هنا ده كلام مش بس شعر ولا أدب لكن ده كلام فيهStrategy) )، لكن جاء بعدها شوقي فوجئ بأنه شوقي وغيره يعني فوجئ بأنه كمال أتاتورك لغي الخلافة لأنه تركيا كانت بدأت تتوجه بالنظر إلي مجال جغرافي ثقافي جامع آخر وهو أوروبا فإذا بشوقي اللي تصور إنه.. وهنا برضه التعبير الاستراتيجي أكثر منه الأدبي والفني وهو ده اللي بيهمني فيه، تبص تلاقي شوقي بيعمل إيه فوجئ هو لقا قائد بيجدد شباب الخلافة وتصور أنه والله نحن علي باب عصر جديد، لكن فوجئ بكمال أتاتورك بيلغي الخلافة وهو لسه أول إمبارح مدحه وبيقول الله وأكبر كم في الفتح من عجبي طب يعمل إيه؟ فعمل قصيدته الهايلة وأنا بأعتقد أنها أيضاStrategy) ) أكثر منها أدب اللي هي بيقول فيها:
عادت أغاني العرس رجع نواح ونُعيت بين معالم الأفراح كُفنتٍ في صبح الزفاف بثوبه ودُفنت عند تبلج الإصباح كأنه الخلافة حلم الخلافة اللي راوده كان عروس هتُزف، فإذا بها تموت في ليلة الزفاف وإذا بها تُدفن قبل صبح الزفاف، " (انتهي النص) .
إنني اسأل كل المفكرين والمؤرخين المختصين العرب أن يتأملوا ولو قليلا في " النص" أعلاه، فهل هذا كلام عقلاء؟ هل يمكننا أن نعوّل علي أحمد شوقي الذي أكثر من مدائحه لهذا وذاك ولم يكن بمفكر ضليع ولا بمحلل بارع له تفكير استراتيجي لتلك المرحلة حتي نطلق عليه هذه "الصفة"، فكلامه شعر جميل فيه المديح والأمنيات والإطراء والوصف.. ولكن ما الذي يدعونا إليه هيكل؟ أو بالأحري: ما الذي يريده هيكل من هذا الغثاء؟ لماذا لم يقرأ أفكار عدد من الكتاب والمفكرين المصريين الذين عاشوا تلك المرحلة وكانت لهم أدوارهم التي لم تكن في يوم من الأيام استراتيجية؟.. فالاستراتيجية لا يصنعها الكتاب والصحفيون والشعراء ولا حتي المفكرون والمحللون.. ولكنها وبرفقتها التكتيكات (= التدابير) يصنعها القادة السياسيون وكبار الضباط العسكريين من صنف أركان حرب.. وصناع القرارات الإدارية والسياسية والعسكرية.
وأقول: إن كانت مصر في يوم من الأيام قد اعتمدت علي هيكل لصناعة استراتيجيتها، فلا يستغربن أحدكم إن هزمت مصر وانتكست إن كان الرجل ليس باستطاعته أن يقول قولاً سليمًا أو أن يفكّر تفكيرًا عقلانياً! وإذا كان أحمد شوقي قد عشق الخلافة ووصفها بالعروس التي دفنت يوم عرسها، فهل معني ذلك أن شوقي غدا يتكلم استراتيجيا؟؟ والشيء بالشيء يذكر، إن كان الشاعر نزار قباني قد وصف الراحل جمال عبد الناصر بآخر الأنبياء، فهل معني ذلك أن نزار قد صنع استراتيجيا؟ لنكن عقلاء جدا ونحن نخاطب الملايين من البشر.. إن كنت تنشر مثل هذا " الغثاء " في كتبك السابقة التي لم يكن يقرؤها إلا حفنة من المعجبين بك، فإن بضاعتك الحقيقية نشرتها بنفسك علي شاشات التليفزيون وجلس الناس يستمعون إلي هيكل الذي طالما تداول اسمه في الأوساط العربية.. فوجدوه كما قال لي أحد المثقفين من الشباب اللبنانيين: طبلاً فارغًا!
المفاضلة بين المدن العربية
ينتقل هيكل في حديثه ليوزع أحكامه علي المدن العربية الأساسية مقارناً إياها بالقاهرة.. يقول: "طيب فين القاهرة في ده كله؟.. القاهرة في ده كله في اعتقادي كان بيحصل فيها حاجة غريبة قوي هنا ده فعل التاريخ، فعل التاريخ في الجغرافيا، فعل التاريخ في الاجتماع، فعل التاريخ في السياسة في الوقت اللي كان فيه الخلافة بتضعف علي نحو ما، هذا المجتمع اللي كان في دولة الخلافة، هذا المجتمع العربي الإسلامي الحضاري الثقافي الموجود في هذه المنطقة بدأ يدور عن شيء، بدأ يبحث عن مكان، بدأ يبحث عن جامع عن نوع من الرابط المشترك الذي يجمع، القاهرة قبل كده لو نفتكر.. " (نص هيكل) . إن الأمر لا يحتاج إلي هذا كله يا ناس.. كلنا يعرف ويدرك أن القاهرة قد انطلقت في مطلع القرن التاسع عشر انطلاقة لا يمكن لغيرها أن يضاهيها أبدًا خصوصا بعد حملة بونابرت علي مصر، ومن ثم تولّي محمد علي باشا مقاليد الأمور . إن الانطلاقة قد حدثت من خلال هذين العاملين التاريخيين الاثنين، فكل منهما ساهم بدرجة أو بأخري في القضاء علي بنية المماليك المصرية القديمة التي أوصلت مصر إبان القرنين السابع عشر والثامن عشر إلي الحضيض، فإذا كان بونابرت قد قضي علي بنيتهم العسكرية في معركة أبي قير، فإن محمد علي باشا استأصل نفوذهم السياسي تماما في مذبحة القلعة.. لقد خرجت القاهرة بثوب تاريخي جديد علمًا بأن مدنًا ومراكز وولايات عربية أخري كانت تعيش حياة اللامركزية الإدارية العثمانية، ولكن لم تنطلق انطلاقة القاهرة عند مطلع القرن التاسع عشر.
أما أن تكون الخلافة بتضعف.. فهذا هراء لا أساس له من الصحة، فلم يكن هناك أي خلافة، بل يقصد السلطنة التي لم يكن لها أي تأثير علي متغيرات القاهرة . السؤال: هل يمكن لأحد أن ينكر بأن تغيير القاهرة لم يأت من خلال عاملين اثنين أولهما خارجي متمثل ببونابرت، والثاني داخلي متمثل بمحمد علي باشا وأسرته. إن المجتمع العربي الذي وصفه هيكل اليوم ب "الإسلامي الحضاري الثقافي" الموجود في هذه المنطقة بدا يبحث عن شيء، بدا يبحث عن مكان، بدا يبحث عن جامع عن نوع من الرابط المشترك الذي يجمع، القاهرة.. هذا المجتمع لم ينس القاهرة حتي يستعيد رابطته بها، وإنما جاء الوعي بمكانتها لاحقا خصوصا عند نهايات القرن التاسع عشر وليس عند بداياته يا هيكل . إنك بدأت تدرك قيمة محمد علي باشا مذ نبهتك إلي ذلك في "تفكيك هيكل"، بل استعدت رؤيتك لمكانة الأسرة العلوية في تاريخ مصر علي امتداد مائة وخمسين سنة بعد أن أقصيتها وهمشتها ونلت منها كثيرًا في كتبك ومقالاتك.. إنني أعجب منك اليوم لتأتي كي تعطي محمد علي باشا مكانته الحقيقية بعد أن غيّبته طويلا.. كنت أتمني لو اعترفت بتقصيرك هذا والذي انتقدت عليه انتقادًا مريرًا.. ولكنك لم تفعل ذلك مكابرة واختيالاً. لننظر ما تقول:
" محمد علي جاء الحقيقة عمل حاجة مهمة قوي لأنه أدي دور بدا فأدّي دور للقاهرة لازم نلاحظ قبلها أنه القاهرة شأنها شأن أي عاصمة عربية ليس فيها ما يميزها عن غيرها عشان نبقي واضحين وأنا لأنه في بعض إخوانا بيتصوروا أوهام، دمشق هي أقدم مدينة في العالم، بغداد كانت عاصمة عربية لا تقل أهميتها عن القاهرة، الرباط كانت في وقت من الأوقات، القاهرة كانت مهمة جدًا في فترات، لكن أهمية القاهرة بدت في القرن التاسع عشر، أهمية القاهرة الحديثة، بدأت في القرن التاسع عشر تأخذ وضعًا علينا أن ندرسه باهتمام ليه؟ لأنه في الوقت اللي الرباط الجامع فيه العثماني بينزل وبيتهاوي وبتخف قوته، بتضيع قوته وبتضيع سلامته.. قدرته علي حفظ سلامة هذا الجمع هذا المجتمع الموجود داخل هذا الرباط رباط الخلافة المشترك والقوي الأجنبية عمالة تنزل في الخليج وعمالة تنزل في البحر الأبيض علي.. " (نص هيكل) .
يا سيد هيكل إن لكل مدينة تاريخها وتراثها وجذورها.. والمدينة كالإنسان تحيا وتموت أو تبقي حية ترزق لتعمّر طويلا.. ولكن تبقي لكل مدينة من مدننا العربية استراتيجيتها في الزمان الذي تنضج فيه أو تحيا عليه.. ربما كانت دمشق أقدم مدينة في العالم، وربما كانت بابل أقدم منها وأن نينوي أقدم منها أيضًا.. ولكن ليس معني هذا أن أي مدينة تصلح لأن تعمّر عاصمة امبراطورية طويلاً.. فإن كنت تتكلم بلغة العواصم فهذا يختلف عن كيفية معالجتنا مسألة المدن . وإنني أعتقد أنه لا مفاضلة بين هذه العاصمة أو تلك إلا بالقدر الذي شاركت في صنع التاريخ . ولا أحد ينكر أبدًا ما تمتّعت به القاهرة من مكانة تاريخية ونهضوية في القرن التاسع عشر، ولكن ذلك لم يمنع أبدًا من الدور النهضوي الرائد الذي اضطلعت به بيروت ولما تكن عاصمة بعد.. أما منزلة الطلوع والنزول عند هيكل بناء علي ما يتخيله من رباط مشترك وخلافة في الوجود.. فهذا من قبيل إنشاء الكلمات، إذ لا وجود لمثل ما يقول أبدًا.. ذلك أن القاهرة تعرّضت هي الأخري للاحتلال البريطاني كما تعرّض غيرها أيضًا.. وعاشت تحت نير الإنجليز ردحًا طويلاً من الزمن، من دون أن يفقدها الاحتلال قوتها النهضوية أو طابعها الحضاري .
سنواصل معاً بقية الحلقات
الكاتب.. مفكر عربي عراقي مقيم في كندا
وأستاذ في جامعات عربية وأمريكية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.