منذ وصول حكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج سقطت ليبيا فى غياهب الفوضى، وتحت وطأة الميليشيات ساد الفساد والنهب لصالح قادة الميليشيات، والتقت أطماع الجماعات المسلحة ومخاوف حكومة الوفاق من عمليات تحرير طرابلس مع أحلام الرئيس التركى رجب طيب أردوغان التوسعية. وبسبب سيطرة القوات الموالية للمشير خليفة حفتر على الأجواء منذ بضعة أسابيع، فتحت حكومة الوفاق الليبية الباب أمام الأطماع التركية بموافقتها على تفعيل مذكرة التفاهم للتعاون الأمنى والعسكرى مع تركيا. وتزعم قوات حكومة الوفاق التى تتخذ من طرابلس مقرًا بمنع قوات حفتر من الدخول إلى وسط العاصمة، إلا أن الجيش الليبى أكد مرات متتالية أن قواته تمكنت من تحرير مناطق عدة فى طرابلس من الميليشيات. وبالرغم من ضعف احتمالات إرسال تركيا جنودًا إلى الميدان الليبى كما حصل فى الشمال السوري، أو حتى إرسال مقاتلات عسكرية، إلا أن الأممالمتحدة تحذر من حصول تصعيد ومن سيناريو شبيه بالسيناريو السورى الذى شهد تدخل عدة قوى إقليمية، وذلك فى حال تورط دول أجنبية أكثر فى ليبيا. «مصاب بجنون العظمة».. هذا ما قاله الناطق باسم الجيش الليبي، أحمد المسماري، عن محاولات الرئيس التركى أردوغان غزو ليبيا، وإرسال قوات لمساندة حكومة الوفاق. وكشف المواقع التى من المتوقع أن تشهد عمليات الإنزال للجنود الأتراك على الأراضى الليبية، وذلك بعد الاتفاقيتين اللتين أبرمهما رئيس حكومة طرابلس فايز السرّاج مع الرئيس التركى رجب طيب أردوغان. وقال المسماري، فى مؤتمر صحفي: «إن الأتراك قاموا فى السابق بنقل مجموعات كبيرة من مسلحى جبهة النصرة وإرهابيى داعش إلى ليبيا، وفشل ذلك، كما فشلت عملية نقل مرتزقة من إفريقيا».. وتابع: «آن الأوان لتركيا أن تدخل مباشرة المعركة بجنودها وضباطها، والمناطق المرتقبة لإنزال الأتراك. يحاولون جعل مصراتة منطقة هبوط وإبحار رئيسية، واستغلال ميناء الخمس البحرى المدنى لاستقبال السفن التركية والقوات التركية، وتحويل مطار معيتيقة وميناء طرابلس لاستقبال القوات التركية، ومطار زوارة وبعض مرافئ الصيد غرب طرابلس». وتوعد المسمارى بردّ قوي، وقال: «قواتنا الجوية تقوم بالاستطلاع المسلح فى كامل المنطقة. تم تدمير مجموعة من المجموعات المسلحة فى منطقة ماجر، وقمنا بشن ضربات فى مصراتة، وهذا الموقف الجوى بالكامل يهدف لتدمير قدرات المجموعات المسلحة ومحاولاتهم للمناورة والتحرك، ومنعهم من استقبال قوات تركية».
عملية ابتزاز
من جانبه، قال رئيس مجلس النواب المنتخب فى ليبيا عقيلة صالح: إن «الاتفاق الموقع بين فائز السراج وأردوغان مجرد عملية ابتزاز، فالأخير لا يستطيع إرسال قوات إلى ليبيا كى لا يحدث أى احتكاك مع دول المتوسط، وأن الليبيين أيضا يقفون صفا واحدا رفضا لإرسال قوات تركية». وأضاف صالح أن المدة القانونية لحكومة الوفاق انتهت منذ سنوات، فهى لم تؤد اليمين الدستورية ولم تنل الثقة بل رفضت من البرلمان مرتين، وأشار إلى أن ملحق الترتيبات الأمنية الوارد فى اتفاق الصخيرات، ينص على ضرورة إخراج الميليشيات من طرابلس، لكن السراج بدلا من إخراجهم يستعين بهم وباتوا يسيطرون على القرار بالعاصمة.. وناشد صالح المجتمع الدولى بضرورة رفع الغطاء عن حكومة الوفاق بعد انتهاكها للاتفاق السياسى الموقع فى الصخيرات بشكل واضح وفاضح، وأشاد بدور الإمارات والسعودية ومصر فى الوقوف بجانب الشعب الليبى ودعم الشرعية فى البلاد منذ فترة طويلة.
تأجيج الصراع لتحقيق أطماعه
وقد طلبت حكومة الوفاق الدعم من 4 دول غير تركيا، هى الولاياتالمتحدة وبريطانيا وإيطاليا والجزائر، ولم يلب نداءها لتأجيج الصراع وتحقيق أطماعه ونزعاته العثمانية سوى أردغان، الذى وعد السراج بتوفير معدات للدفاع الجوي، خصوصًا نظام تشويش يستهدف الطائرات من دون طيار، بالإضافة إلى مزيد من المستشارين وطائرات من دون طيار أكثر تطورًا.
لن يستطيع إرسال القوات
وتحدى وزير الدفاع اليونانى نيكوس باناجيوتوبولوس تركيا بتنفيذ مزاعمها بإرسال قوات تركية إلى ليبيا، مؤكدًا أن تركيا ستجد العديد من اللاعبين ضدها، ولن يكون الأمر بهذه البساطة، مشيرًا إلى اتجاه بلاده نحو تصعيد جديد تجاه أنقرة بعد تغاضيها عن الاستفزازات التركية فى الفترة الماضية. وأكد وزير الدفاع اليونانى ثقته فى قواته المسلحة، لافتًا إلى أنهم يملكون الكثير لردع أى انتهاك، وسيواصلون القيام بما هو ضرورى لضمان الحفاظ على كل قطعة أرض فى البلاد.
إدانات دولية واسعة
وأدانت العديد من الدول من بينها واشنطن وموسكو تصرفات السراج الديكتاتورية دون الالتزام بالقانون الدولي، ومنح نفسه الحق فى التوقيع على اتفاقيات مصيرية للدولة الليبية دون أى سند دستورى. كما أدان الاتحاد الأوروبى الاتفاق بين السراج وأردوغان، وتسعى اليونان إلى حشد أطراف دولية عدة لدعم مطلبها بسحب الاعتراف من حكومة السراج باعتباره تغولا على السلطات الممنوحة له (وفق اتفاق الصخيرات غير المفعل). وأعلنت وزيرة الدفاع الألمانية أنيجريت كرامب كارنبوير دعمها انتقادات قبرص لمذكرة أردوغان والسراج، داعية أنقرة احترام سيادة دول جوارها، مضيفة: «نقف مع اليونان ضد الاتفاق البحرى بين أردوغان والسراج» وفق ما تم نشره فى خبر عاجل بفضائية العربية. وقالت وزيرة الدفاع الألمانية: «نعمل مع الاتحاد الأوروبى على آلية لفرض عقوبات على تركيا، حيث زارت وزيرة الدفاع الألمانية قبرص»، داعية أنقرة احترام سيادة دول جوارها. أشار مسئول أمريكى فى وزارة الخارجية، إلى أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الرئيس التركى والسراج، «استفزازية» وتثير قلق واشنطن، وأوضح أن الولاياتالمتحدة تلتقى مع جميع الأطراف الفاعلة فى النزاع الليبي، فى إطار مساعيها لإيجاد حل للأزمة. وقبل أسبوعين، أبدى أردوغان موافقته على إرسال جنود إلى ليبيا، فى وقت أعلنت فيه القوات المسلحة العربية الليبية اقترابها من تحرير العاصمة طرابلس من الميليشيات المسلحة والعصابات الفاسدة التابعة للسراج. وقد أعلن البرلمان التركى موافقته على التدخل العسكرى فى ليبيا، بعد التصديق على مذكرة التفاهم الأمنية التى وقعها الرئيس التركى مع رئيس حكومة الوفاق فى 27 نوفمبر الماضي، ثم صدّق أيضا على مذكرة التفاهم المتعلقة بترسيم الحدود البحرية مع ليبيا فى 5 ديسمبر الحالي، وهو ما طردت اليونان على إثره سفير السراج من أثينا.