«لولا انتفاضة الخيز ما كنت اليوم فى عداد البشر. هكذا عرفت من أمى، فالصدفة وحدها هى ما جمعت ضابط الجيش السكندرى الشاب، بابنة حقوق عين شمس اليسارية الجميلة، والصدفة هنا حدث جلل، جدير بخلط أوراق البشر وإعادة ترسيم مصائرهم». عبر هذا المقطع يمكننا الولوج إلى عالم رواية «نداء أخير للركاب» للكاتب أحمد القرماوى بما تتضمنه من أسئلة عديدة عن الماضي، والحاضر، والصدفة، ومصائر البشر، والحب، والثورة، والحرب، والرحلة. الرواية الصادرة عن مكتبة الدار العربية للكتاب تدور أحداثها فى الفترة الزمنية من سبعينيات القرن العشرين حتى اللحظة الحالية، وعبر جغرافيا ممتدة من مصر إلى الكويتوالنمسا والولايات المتحدةالأمريكية. فى الفصول الأول نتعرف على شخصية «هاني» بطل الرواية وأسرته عبر سؤال الذاكرة، ذلك الماضى الملغز، الحكايات التى لم ترو، والتفاصيل الغير مكتملة، طفولتنا ودورها فى تحديد مصائرنا. «مات أبى، تاركًا لى شعورين مبهمين يتناوبان الطرق على جدران قلبي؛ ارتياح، وقلق.. ارتحت لكونى قد تخلصت أخيرًا من ذلك الرابط المتوهم، الذى يساورنى ويقلق راحتي، حتى ليجعل شعورًا غامضًا بالذنب يتسلل إلى.. لكننى من جهة أخرى أصبت بقلق مزمن، مبعثه أنى لم أبذل جهدًا كافيًا للتعرف إلى الرجل، حتى إن ذاكرتى لا تحتفظ ولو بصورة مشوشة لقسماته». عقب وفاة والده يعود «هاني» إلى مصر فى لحظة إسثثنائية من حياته، يعانى فيها من أزمة منتصف العمر، ولديه بنت فى سن المراهقة غير قادر على التواصل معها، كما تسير علاقته بزوجته الإمريكية فى طريق مسدود، كل هذه الأزمات يضاف لها ماض مؤلم يستقيظ مع موت الأب مستدعيًا ذكريات طفولة بائسة قضى سنوتها الأولى فى دولة الكويت، قبل أن يعود وحيدًا مع أمه إلى مصر. «كانت جدتى ذات تاثير واضح على المحيطين بها؛ لا أستثنى نفسي. ربما تكون هى من زرعت بداخلى هذا القلق غير المفهوم إزاء الماضي. علمت لاحقًا بإنها حملت أمى على العودة النهائية لمصر، بعدما أصابنى داء الصمت، وأنها جمعت شكاوى أمى المتفرقة مع مصيبتى التى حلت أخيرًا فى موقف متماسك، أملته عليها فى عدة مكالمات دولية شارك فيها أفراد العائلة، حتى رضخ».
رغم رحيل الأب إلا أن سيرته وحياته تطغى على الأحداث بصورة يبدو معها كبطل رئيسى للرواية، بينما يتوارى «هاني» ليصبح رواى للأحداث، مرآة تعكس سيرة أب عاش حياة مليئة بالتناقضات، بدءًا من قراره بترك الخدمة العسكرية عقب توقيع إتفاقية كامب ديفيد مع العدو الصهويني، وبعدها لم يحتمل التغيرات المتسارعة وسيادة القيم الاستهلاكية وانتشار الفساد، فسافر إلى الخليج وهناك تم ترويضه ليصبح مدير أمن يشرف على رفاهية ومتعة اللصوص والقتلة. هكذا تبدو الصورة الخارجية لشخصية الأب لكن داخل هذه الصورة تفاصيل وحكايات كثيرة تحرر الأب من ثنائية الملائكة والشياطين، لتجعل منه بشرا من لحم ودم،، يخطى ويصب، ينجح ويفشل، لكنه يملك قلبًا حالمًا وروح شجاعة يظهر معدنها فى اللحظات الفارقة. يتعرف «هاني» على والده من جديد من خلال وصية الأب التى تطلب أن يطوف ثلاث بلدان، ليجمع شتات حكاية الأب، كشرط للحصول على ميراثه الكبير. «بينما اختار لى الله أيسر طرق الحصول على الميراث، بأن جعلنى ابنه الوحيد، تعمد أبى أن يجعلها الطريق الأكثر شقاءً من أى طريق قطعته، فوزع الميراث بين الكويتوالنمسا ومصر، ثم رهن حصولى عليه برحلة شقاء رسم خريطتها فى ذهنه المشوش بأوهام الاحتضار.. لولا حاجتى الماسة للمال، ورغبتى فى الصفح عن والد شقيت بسببه عمرًا بأسره (بعد الحصول على التعويض المناسب) ما كنت لأترك موطن هجرتي، وزوجتى التى تبدأ العراك مع شكوكها مع آخر قبلة وداع تنفخها نحوى فى مطار أورلاند الدولي، وانتى ساندي؛ نكبتى الصغيرة وعقوبتى العاجلة عن كل سبة سببتها فى خاطرى للوالد البعيد».
كما كانت الكويت نقطة مركزية فى طفولة «هاني» تعرض فيها لاضطراب نفسى قاسى منعه من الكلام لمدة شهرين، فى ظل خلافات لا تنتهى بين والديه، تبدو الكويت أيضًا نقطة محورية فى رحلته مع آرث والده، عبر هذه الرحلة نتعرف على مرحلة مهمة من حياة الأب فى فترة غزو العراق للكويت، ودوره الكبير فى قيادة حركة لمقاومة الغزو، ثم مشاركته فى تأسيس جمعية لرعاية «الآسرى وضحايا الغزو». فى هذه الرحلة تتكشف لهانى الكثير من الحقائق عن حياة والده من خلال بحثه عن رجل هندى فقير يدعى «كريشنا» أوصى والده بتوفير بيتًا خاص له وفاءً لذكرى قديمة جمعتهما، كما يتعرف على وجه آخر للحياة فى أحياء شديدة الفقر يعيش فيها قطاع كبير من العمالة الوافدة حيث الاستغلال الجنسي، وتجارة البشر. «كان لابيك طريقة مذهلة فى نيل ما يريد ببساطة شديدة، مهما بدا لسواه صعبًا». لن تجدا كريشنا فى الأوراق الرسمية، هكذا قال الوزير، فقد عمل طول عمره بغير كفيل، لكنه اليوم، إذا ما كان حيًا لا يزال، كهل متقدم فى العمر، يعانى من أوجاعًا مزمنة، لابد أن يتلقى علاجًا ما فى مكان ما، وهناك من يمتلكون مفاتيح السراديب غير الرسمية التى تفضى لمستودعات الدواء فى وزارة الصحة». من الكويت يسافر هانى ليكمل إلى النمسا وهناك يتعرف على أخته غير الشقيقة وزوجة أبيه الثانية السيدة «لاريسا ماتيياس» إحدى ضحايا الغزو العراقى للكويت، المرآة الجميلة التى اعتبرها الجنود العراقيون من سبايا الحرب، وتناوبوا على اغتصابها ببشاعة على مدار أيام. «انفجر صراخها ذات مرة أعلى من المعتاد، شق سقف الفصل وأرجف ضوء النيون الكابي، ما أثار فضول المحيطين، وجدوه يزر بنطاله، فمضوا خلفه تاركين السيدة تتأمل بفزع بطنها المصبوغ بالدماء، كان الضابط قد حفر أسفل سرتها بسن الموسى لفظة «الله أكبر»، تتوسط ثلاث نجمات كما فى العلم العراقي». خلال أيام قليلة يقضيها هانى فى النمسا، يعيد ترتيب حسابته، تتوارى قليلًا سلطة المال والثروة وسعيه وراء الميراث، تصمم السيدة النمساوية كل منحه كل ما تركه أبيه، ترفض أن تأخذ أى مال، يكيفها محبة والده، وذكرى الآلم وقسوة الحرب خلال سنواتها فى الكويت. «صارت لاريسا لغزا معقدا ليس بإمكانى فك شفرته.هل هى قوية فوق العادة أم بائسة؟ سلمت دون مقاومة تذكر لفاجعة كبرى ضربت حياتها؟ بدت أكبر بمائة عام حين خرجت من القبو، ثم عادت بعد قليل فى كامل زهوها، تحمل إلينا إفطارا من الخبز والزبد ومربى التوت. لم أجد شهية للطعام، حتى تناولت بيديها شريحة خبز مسحتها بسكينة مسحتها بالزبد والمربى، وبحنان آسر قربتها مني.عشتار تجلس أمامي، بجلالها العابر للأزمان. حتحور، بعطائها المانح للحياة. قضمت الخبز، فيما تعلقت عيناى بابتسامتها الثابتة كالجبال».