أعد السفير الإسرائيلى السابق بالأردن «عوديد عيران» دراسة على موقع معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى حول توقيع اتفاقية السلام المبرمة بين الأردن وإسرائيل بمناسبة مرور عشرين عاما على توقيع اتفاق السلام، قائلا إنه يمكن النظر للاتفاقية مع الأردن وأيضا لاتفاق السلام المبرم مع مصر على أنهما «خيبة أمل» نظرا لعدم وجود دفء فى العلاقات بين إسرائيل والبلدين، وأن معظم الاتفاقيات المصاحبة لها حول التعاون فى مختلف المجالات بقيت على ورق دون أى تطبيق، ولا يكاد يكون هناك مذكرة تعاون على مستوى المجتمع المدنى. ومن ناحية أخرى فإن اتفاقيات السلام مع الأردن ومصر توفر الإطار الرسمى ،مما يسهل التعاون الذى يلبى المصالح الحيوية لكل من إسرائيل والدولتين الجارتين، وأنه يجب على إسرائيل أن تكون أكثر حساسية نحو الضغوط الداخلية التى تواجهها تلك الأنظمة فى البلدين، إلى جانب الاستفادة من العملية السياسية مع الفلسطينيين. وتقول الدراسة إنه قد مر عشرون عاما منذ توقيع اتفاق السلام الذى أعطى شرعية رسمية وعلنية للمفاوضات السرية التى استمرت لعقود من الزمان ولكن ليس بشكل مستمر بين كل من إسرائيل والأردن، وأن الحوار بين البلدين جاء فيما يخص المصالح المتطابقة لكل منهما، الأمر الذى بقى ساريا منذ ذلك الحين فى التأثير والاحتواء على اللاعب المنافس لكليهما فى الشرق الأوسط وهم (الفلسطينيون) أثناء حرب التحرير عام 1948 التى غيرت بشكل كبير من الاعتبارات الخاصة لدى الملك «عبد الله» الأول الذى وجد نفسه يسيطر على الضفة الغربية من نهر الأردنوالقدسالشرقية، مما اضطره لمواجهة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين فر معظمهم إلى الشرق من النهر. وأضافت الدراسة أنه فى أعقاب احتلال الضفة الغربية من قبل الأردن وهروب الفلسطينيين إلى الضفة الشرقية ضم الملك عبد الله الضفة و القدس فى تناقض صارخ مع منطق المملكة الهاشمية الأردنية التى كانت تفضل الحفاظ على الأغلبية للأردنيين الشرقيين مع الحد من البعد الفلسطينى فى المملكة الهاشمية. وبعد مرور خمسة عشر عاما من حرب التحرير استأنف حفيد الملك عبد الله الملك حسين الحوار مع القيادة الإسرائيلية، لكن القدرة على المناورة من الملك الشاب لم تساعده فى درء الضغوط التى مارسها ضده الرئيس المصرى « جمال عبد الناصر» لضمه إلى الحرب ضد إسرائيل التى اندلعت فى يونيو عام 1967، مؤكدة أن مثل هذه الخطوة كانت ضد المنطق السياسى الإستراتيجى التى كانت تتبعه الأردن، ولكن بعد أن فقدت الأردن الضفة الغربية وقلص الجانب الفلسطينى بين سكان الدولة سمح لها هذا الوضع على مواجهة كونها أقلية فى الدولة ، وقد ساعدها أيضا فى ذلك الوقت اليقظة الوطنية الفلسطينية التى تمثلت فى إقامة منظمة التحرير فى عام 1964 المنظمات الفلسطينية التى نشطت ضد إسرائيل من داخل الضفة الغربية عندما كانت جزءا من المملكة واضطرت إلى نقل قواعدها إلى الأردن بسبب الضغط العسكرى من إسرائيل وهكذا ولدت المفارقة: إذ إن إسرائيل التى هوجمت من قبل الأردن قبل ذلك بثلاثة أعوام اضطرت فى عام 1970 للدفاع عن المملكة فى وجه سوريا عندما بدأت فى إرسال قوات إلى داخل أراضيها فى محاولة لدعم المنظمات الفلسطينية فى كفاحها ضد النظام الهاشمى وحمايته منهم فى وجه الجيش الأردنى. وتابعت الدراسة، أن هذا الحوار السرى والخفى استمر لمدة سنوات بين إسرائيل والملك حسين مما خلق مفارقة أخرى مع الزعامة الإسرائيلية التى انتمت لما يسمى فى الوقت الحاضر حركة العمال والتى رفضت جميع مقترحات الملك فى العودة إلى تسلم السيطرة تدريجيا على مناطق من الضفة، موضحة أن إخفاق هذه الخطوة التى باتت بين وزير الخارجية فى ذلك الوقت «شيمون بيريز» وبين الملك عبد الله عام 1987 بهدف إعطاء الأردن دورا فى حل النزاع الإسرائيلى الفلسطينى دفع الملك للإعلان عن فك الارتباط الرسمى فى الضفة الغربية. الأمر الذى أعقبه تغيير فى نظرة منظمة التحرير إلى إسرائيل واعتبرته تمهيدا للطريق نحو اتفاقية أسلو التى وقعت فى عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. كما أن طابع مفاوضات فك الارتباط أعطى الشرعية للمفاوضات بين إسرائيل والأردن والتوصل إلى اتفاق السلام بين الدولتين والذى تم توقيعه بعد ثلاثة عشر شهرا فقط من التوقيع على اتفاق أسلو. مضيفة أن الملك حسين لم ينتظر ليرى ما إذا كانت إسرائيل والفلسطينيون سيتوصلون إلى اتفاق الوضع النهائى والكامل مع الفلسطينيين. وبالتالى واصل المفاوضات مع إسرائيل وأزال بذلك شبكة التمويه عن العلاقات بين البلدين التى ظلت حتى ذلك الوقت بمثابة سر مكشوف. ورأت الدراسة أن اعتقاد ملك الأردن بأن المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين لم يسفر فقط خلال خمسة أعوام عن اتفاق دائم وشامل إنما تشكلت فى إسرائيل حكومة اعتقدت اتفاق أوسلو جريمة لا تغتفر، منذ 1996 ، هناك حكومات إسرائيلية بتركيباتها المختلفة الكثيرون الذين يعتبرون الأردن الوطن البديل للفلسطينيين، هذه الفكرة تقض مضاجع قادت النظام الهاشمى وهو فى الحقيقة ركيزة السياسة الشاملة للأردن القائم على مثلث الصراع الأردنى الإسرائيلى الفلسطينى. وأضافت أن الانتقادات الحادة التى يرددها الملك عبد الله الثانى حول التطرف فى إسرائيل بالنسبة للقضايا المتعلقة بالنزاع مع الفلسطينيين، وخاصة النشاط الاستيطانى الإسرائيلى فى الضفة الغربية نابع من الخوف من أن تؤدى إلى اندلاع انتفاضة ثالثة قد تؤدى إلى موجة ثالثة من هرب الفلسطينيين إلى الأردن، الأمر الذى قد يؤدى إلى وضع حد ونهاية للنظام الهاشمى فى المملكة. ويعترف اتفاق السلام مع إسرائيل بالمكانة الخاصة للأردن فيما يتعلق بالأماكن المقدسة للمسلمين فى القدس. وتحرص إسرائيل من جانبها على إشراف الأردن فيما يتعلق بهذه الأماكن شرقى القدس، إلا أن الحكومة الأردنية والاعتبارات السياسية الداخلية والإقليمية تفضل مواصلة توجيه الانتقادات حول ما يحدث فى القدس. حتى وإن لم تقع أحداث تمس بشكل مباشر بالمناطق المقدسة لدى المسلمين، وعلى الرغم من ذلك فإن الانتقادات مهما كانت حادة لم تترجم حتى الآن إلى عمل حقيقى حتى ولو كانت الأردن عضوا فى مجلس الأمن خلال عام 2014 و 2015 كان ذلك سيؤدى إلى مشاكل وأضرار تلحق بإسرائيل فى الساحة الدولية. وشددت الدراسة الإسرائيلية أن الاعتراف الأردنى بنفوذ إسرائيل فى الكونجرس الأمريكى يلعب دورا مهماً فى تخفيف حدة ردود فعل الأردن لما يعتبره استفزازات إسرائيلية من حيث البناء فى الضفة الغربية وفى شرقى القدس، وسعى الأردن دائما إلى ضبط النفس هذا يعكس نظرة واسعة لمنظومة المصالح الشاملة للمملكة وعلى الأخص على خلفية التقلبات التى حدثت فى الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع الأخيرة «سنوات الربيع العربى». ورأت الدراسة أن اتفاق السلام يسمح على سبيل المثال تزويد الأردن بالمياه من إسرائيل، إذ إن المملكة الهاشمية تعانى من نقص دائم فى المياه وقد تفاقمت هذه المشكلة فى السنوات الأخيرة بسبب وصول 2 مليون من اللاجئين العراقيين والسوريين إلى الأراضى الأردنية، مؤكدة أن إسرائيل تعتبر هى المزود الوحيد فى هذه المرحلة للمياه للأردن وهى تقوم بواجباتها فى هذا المجال على أكمل وجه، مؤكدة أن وقف إمدادات الغاز الطبيعى من مصر إلى الأردن بسبب الإرهاب فى شبه جزيرة سيناء ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد الأردنى. وأوضحت الدراسة أن فى هذه المرحلة أصبح توفير الغاز فى الأردن ممكن فقط من إسرائيل، إذ إن الصادرات الأردنية عن طريق الموانئ السورية توقفت تماما بسبب الحرب الأهلية التى تدور فى هذه الدولة وانتقال الشاحنات من الأردن إلى ميناء حيفا باعتباره البديل فى الآونة الأخيرة، وقارن الملك عبدالله بين التطرف السياسى فى إسرائيل وبين التطرف الملاحظ فى العالم العربى. واختتمت الدراسة أن المقارنة المثيرة أسفرت عن تزايد القلق فى الأردن من نشاط تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام «داعش» حيث إن هناك أجنحة إسلامية مماثلة داخل الأردن، مؤكدة أن هناك محاكمات أجريت للموالين لداعش فى الأردن وكذلك مظاهرات مؤيدة للتنظيم جرت فى مدينة معان فى الجنوب تشير إلى تأييد للحركات الإسلامية المتطرفة داخل المملكة فى هذه الظروف، وأن التعاون الأمنى بين الأردن وإسرائيل يكتسب أهمية ثانوية.