نعم.. سقطت صنعاء تحت سيطرة جماعة الحوثى التى قامت من الأساس برؤية ودعم وتدريب وتسليح إيرانى كامل. ويؤكد البعد الطائفى والايديولوجى للحوثيين على أن لهم حقًا خاصًا فى الاتباع الدينى والقيادة السياسية، ونحن الآن أمام نسخة خاصة من الإسلام السياسى الشيعى تجمع كل مساوئ الإسلام السياسى وتضيف إليها الطائفية والسلاح، وادعاء الحق فى قيادة الشعب دينيًا وسياسيًا. تعقيدات كبرى لا شك أن التعقيدات فى اليمن كبيرة، فعلى المستوى الطائفى ظل اليمن يراوح بين السنة الشافعية والزيدية، وبعد تحول الحوثيين للاثنى عشرية أصبح حلمهم حكم اليمن واستعادة الإمامة فيه للسادة الحوثيين. أيضًا التعقيدات القبلية بين قبائل «حاشد» و«بكيل» والقبائل المتفرعة عن كل منهما، وهى قبائل متعددة الاتجاهات وتنتشر بينهما صراعات وخلافات، وهناك الأحزاب السياسية كحزب المؤتمر وحزب الإصلاح والحزب الاشتراكى وغيرها.. وهناك الحراك الجنوبى كما أن هناك وجود قوى لتنظيم «القاعدة». وبعد حصار صنعاء، ثم سقوطها عمد المتمردون الحوثيون إلى خلع رئيس الوزراء واعتقلوا وزير الدفاع واحتلوا محطة التليفزيون الحكومية والبنك المركزى. وكان مسلحو الجماعة قد استولوا بعد سيطرتهم على مواقع للجيش فى صنعاء على مئات الآليات الثقيلة بما فيها الدبابات والمدافع وناقلات الجنود، إلى جانب كميات من الأسلحة والذخائر وشوهدوا وهم ينقلونها إلى معاقلهم فى عمران وصعدة. وقبل أسبوعين وقع الرئيس اليمنى عبد ربه منصور هادى اتفاقية أملاها عليه الحوثيون، وأشرف على توقيعها مبعوث الأممالمتحدة تدعو إلى تعيين رئيس وزراء جديد، وتخفيض أسعار الوقود التى تمثل المطلب الأساسى الذى تذرع به الحوثيون من أجل إضفاء الشرعية على تمردهم. تجاهل دولى ما الذى جعل اليمن أن تصل إلى هذه النقطة؟ بعد عزل على عبد الله صالح اعترفت الحكومة الجديدة بالمظالم السابقة وسوء المعاملة التى كان يلقاها الحوثيون، وأصدرت اعتذارا رسميا عن الحروب الستة التى خاضها صالح ضدهم بين عامى 2004 و2010. ويعتقد العديد من اليمنيين أن الحوثيين يتحركون بصفتهم عملاء لإيران التى تدعمهم، وحتى يضفوا على تمردهم طابعا شرعيا شاركوا فى الاحتجاجات الشعبية التى اندلعت ضد رفع أسعار الوقود وسوء أداء الحكومة، وبعد سقوط صنعاء كان من المفترض أن يسارع المجتمع الدولى لدعم اليمن حتى يضمن نجاح المرحلة الانتقالية وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، لكنه تغافل بشكل شبه كامل ما يحدث فى اليمن الذى كان يغرق فى الفقر والفوضى والتطرف. وكانت الولاياتالمتحدة تركز جهودها على استمرار الضربات الجوية بالطائرات بدون طيار ضد مقاتلى تنظيم القاعدة، وحتى الآن ليس من المحتمل أن تقوم الولاياتالمتحدة بعمل ما لإنقاذ اليمن بعدما احتل قتال «داعش» الأولوية فى اهتماماتها وجعلها تتغافل حتى عن التحديات الإيرانية الخطيرة فى المنطقة. فقد أعطى الحوثيون إيران ميزة استراتيجية فى شبه الجزيرة العربية، وعلى الغرب أن يتهيأ للتفاوض مع إيران الأكثر قوة بعد هذا الذى حدث فى اليمن، عندما تنطلق الجولة القادمة من مفاوضات الملف النووى الإيرانى. اختبار خليجى سقوط صنعاء وضع مجلس التعاون الخليجى أمام خيارين، إما الخضوع للأمر الواقع وترك الحوثيين ومن خلفهم إيران يفعلون ما يريدون باليمن ويقررون مصيره بطريقتهم او التصدى لما يحدث بقوة وبجميع الطرق الممكنة. إن اليمن الآن يشكل اختبارا حقيقيا للإرادة العربية الخليجية أمام التحديات التى تضعها إيران أمامهم، فاليمن الآن هو المنفذ الجديد للتمرد المذهبى الشيعى فى الجزيرة العربية، واليمن هو ملاذ تنظيم القاعدة. صحيح أن أجزاء مهمة من مبادرة دول مجلس التعاون قد تم تحقيقها على الصعيدين السياسى والدبلوماسى، لكن تلك الجوانب لم تكن كافية، لأن اليمن كان فى حاجة حقيقية للدعم العسكرى فالمعارك العسكرية هى التى يتم من خلالها الحسم الحقيقى للأمور فى بلد مدجج بالسلاح كاليمن، فالمبادرات الدبلوماسية والسياسية لن تحقق أهدافها ما لم تكن مؤيدة بقوة عسكرية على الأرض. الصورة فى اليمن الآن قائمة، فاليمنيون الشرفاء فقدوا ثقتهم فى الحوار الوطنى ويعانون الفقر والبطالة وانعدام الأمن الاجتماعى، وسلطة الدولة أصبحت فى خبر كان، وحتى اللحظة مازال مسلحو الحوثيين ينتشرون فى شوارع صنعاء، وقاموا بمداهمة عدد من مساجد العاصمة وفرضوا خطباء موالين لهم بالقوة، وسيطروا على معظم المساجد فيها وكانوا يهتفون أثناء تواجدهم لأداء الصلاة بشعارهم المعروف.. الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل، لكن واقع الأمر يقول إن اليمن هو الذى يموت.. فمن ينقذ اليمن السعيد.. الغرب أم العرب.. أم لا أحد؟!