لأن كل جهة فى مصر أصبحت «تفتى» فيما ليس لها به علم، وتصدر أرقاما وإحصائيات ما أنزل الله بها من سلطان، والناس تتلقف هذه الأرقام وتصدقها وتتداولها دون دراية حتى بمصدرها.. فقد كان من الضرورى أن نلتقى بالرجل الأول المسئول عن الأرقام فى مصر.. وهو اللواء أبو بكر الجندى- رئيس الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، والذى فتح لنا قلبه ليكشف عن أسرار فوضى الأرقام فى مصر. وأكد الجندى أن أكثر رقم يقلقه هو نسبة الأمية التى تقترب من 30%. وكشف كذلك عن أسباب التوقف عن إحصاء عدد الأقباط فى مصر منذ 26 عاما، وحقيقة معدلات البطالة، والأرقام الدقيقة لمعدل التضخم. وفى ثنايا الحوار.. كثير من التفاصيل والأسرار والأرقام. *أنت أحد المسئولين عن صناعة الرقم فى مصر، ألا تتفق معنا أن هناك فوضى رقمية، بمعنى أن هناك أكثر من جهة تعطى لنفسها الحق فى أن تعلن أرقامًا ما أنزل الله بها من سلطان؟ **لا أتفق معكم فى هذا الكلام، لأن الجهاز هو الجهة الوحيدة التى تصدر إحصائيات وأرقامًا دقيقة، ولكن المشكلة أن بعض الجهات تستخدم بياناتنا دون الإشارة لمصدرها، وكذلك تقوم بعض الجهات باستخدام بياناتنا لإجراء تحليلات قد تخرج بنتائج متضاربة. *ولكن يرى البعض أن الأرقام التى يعلنها الجهاز تكون غير منطقية، مثل إعلانكم انخفاض معدل التضخم رغم زيادة أسعار بعض السلع؟ **فيما يتعلق تحديدا بمعدل التضخم، فنحن الجهة التى تقوم بقياس معدل التضخم شهريا من خلال 10800 مصدر فى 27 محافظة ل960 سلعة وخدمة، مع العلم بأن ثلث هذه السلع نجمعه أسبوعيا مثل الخضراوات والفاكهة واللحوم والأسماك. وعندما نعلن أن معدل التضخم انخفض من 12% إلى 9% فهذا ليس معناه انخفاض الأسعار، ولكن ما نعنيه أن معدل التضخم لايزال مرتفعا، ولكنه انخفض من 12% إلى 9%. *وما أحدث الأرقام التى أعلنها الجهاز فيما يتعلق بمعدل التضخم؟ **معدل التضخم وصل إلى 8,6% سنويا، ولكنه انخفض هذا الشهر بنسبة 1% عن الشهر السابق عليه. *وماذا عن أحدث معدلات البطالة فى مصر؟ **يجب أن نشير بداية إلى أن الجهاز يصدر تقريره الخاص بمعدل البطالة بشكل ربع سنوى، وفى أحدث تقرير أصدره الجهاز وصل معدل البطالة إلى 12.6%، بمعنى أن هناك 3 ملايين و300 ألف عاطل، وبالمقارنة بالسنوات السابقة نجد أن معدل البطالة كان يدور فى محور 9% قد يقل أو ينقص بنسبة بسيطة، ولكن بعد الثورة ارتفعت النسبة من 9% إلى 11.9%، ثم 12% حتى وصلت ل 12.6%، وأصبحت هناك 30% زيادة فى عدد العاطلين، ولكن هذه الزيادة فى قوة العمل، وليست فى عدد السكان، ونقصد بقوة العمل المواطنين من سن 15 إلى 64، ونستثنى منهم بعض الفئات مثل الطلاب، كما أن 30% من المتعطلين سبق لهم العمل، فنطلق عليهم «متعطل حديث»، والسبب فى ذلك يعود للأوضاع الاقتصادية السيئة، وتراجع السياحة والصناعة. *حدثنا بشكل تفصيلى عن نوعية العاطلين؟ **حوالى 50% من المؤهلات المتوسطة، و30% من الجامعيين، أما الأميون فنسبتهم لا تتعدى 2%، والنسبة الباقية 18% فتشمل الكتلة التى تضم المؤهلات الأقل من المتوسطة. *ولكن أليس غريبا أن تكون نسبة البطالة بين الأميين 2% فقط؟ **لأن الأمين يمكن أن يقبلوا بالعمل فى أى مهنة، وهذا مالا يقبله كثير من المتعلمين. *تحدثنا عن معدل البطالة والتضخم، ماذا عن معدلات الفقر فى مصر؟ **لكى يتم حساب معدل الفقر فى مصر، لابد من إجراء بحث يسمى الدخل والإنفاق، وهذا أصعب بحث تجريه أجهزة الإحصاء فى العالم، لأن الباحث يجلس مع الأسرة حوالى 15 يوما، لكى يتعرف منهم على كل ما يتعلق بإنفاقهم سواء فى المأكل والمشرب والملبس والمواصلات والخدمات، وهذا البحث يتم على 48 ألف أسرة، ويستمر سنة كاملة فى الميدان، وكنا نقوم بهذا البحث مرة كل 5 سنوات، لأنه صعب ومكلف، ولكننا منذ عام 2008 أصبحنا نقوم به كل سنتين، ولهذا أصبحنا ضمن 5% فقط من أجهزة الإحصاء فى العالم التى تقوم بهذا البحث مرة أقل من خمس سنوات. وإذا تحدثنا بشكل تفصيلى عن معدلات الفقر فى مصر، نجد أنها فى ازدياد مستمر، ففى البحث الذى أجريناه فى 2001-2002 كانت نسبة الفقر حوالى 16.4%، ثم زادت فى 2004-2005 إلى 19.7%، وفى 2008-2009 وصلت ل21.2%، وفى البحث الأخير الذى أجريناه 2010-2011 وصل معدل الفقر إلى 25.2%. *هل معنى ذلك أن ربع الشعب المصرى يعيش تحت خط الفقر؟ **الفقراء فى مصر ينقسمون لثلاثة مستويات أو خطوط، هناك الفقير الذى لا يمتلك الدخل الذى يمكنه من أن ينفق على احتياجاته الأساسية، والاحتياجات الأساسية التى لا يستطيع الإنسان أن يستمر فى الحياة بدونها المأكل والمأوى والملبس، ونطلق عليها «تكلفة البقاء على قيد الحياة، وقد حسب المتخصصون الدخل الشهرى الذى يمكن من خلاله الوفاء بالاحتياجات الأساسية فقدروه ب 235 جنيهًا فى الشهر للفرد الواحد، فإذا قل دخل الفرد عن هذا المبلغ، فيدخل فى تلك النسبة 25%، ويطلق على هذا المستوى من الفقر «الحد الأدنى للفقر» lower poverty line، وهناك مستوى آخر يطلق عليه food poverty line ، ويشمل الفقير الذى لا يستطيع دخله أن يفى باحتياجاته الغذائية، وهؤلاء نسبتهم فى المجتمع 6%، وأخيرا المستوى الثالث من الفقر، والذى يضم الاحتياجات الأساسية، بالإضافة إلى الإنفاق على المواصلات والعلاج والتعليم، فالفقراء الذين لا يستطيع دخلهم الإنفاق على تلك الاحتياجات نسبتهم 40% من المجتمع. *لماذا لا يقوم الجهاز بعمل إحصاء عن عدد المسيحيين فى مصر؟ **كان الجهاز ينشر عدد السكان طبقا للديانة حتى عام 1986، ففى التعداد الذى أجريناه هذا العام كانت نسبة المسيحيين 5.7%، ولكن الأممالمتحدة طالبت أجهزة الإحصاء فى العالم بأن يكون السؤال عن الديانة اختياريا، خاصة أن ثلث العالم لا يؤمن بدين معين، والثلث فقط له ديانة يؤمن بها، ولذا فقد يكون السؤال محرجا له، لهذا السبب عندما قمنا بتعداد سنة 1996 كان سؤال الديانة اختياريا، فأجاب عنه البعض، ولم يجب عنه البعض الآخر، لذا لم نستطع أن نعلن أرقامًا محددة لعدد المسيحيين، ومع ذلك فإنه يمكن معرفة عدد المسيحيين فى مصر، لأن هناك سلسلة زمنية من التعدادات يمكن الرجوع إليها لمعرفة تطور نسبتهم من السكان، ففى التعداد الأول الذى أجراه البريطانيون عام 1882، كانت نسبة الأقباط 8,2% من السكان. وقد أجرى البريطانيون بعدها ثلاثة تعدادات عام 1907، و1917، و1927، تناقصت فيها النسبة إلى 7,9%، ثم 7,8%، ثم 7,7%، ووصلت إلى 7,5% فى التعداد التالى فى عام 1937. *من واقع قراءتك للأرقام، ما القطاعات التى تأثرت بعد الثورة؟ **هناك العديد من القطاعات التى تأثرت بعد الثورة، ولكن فى نفس الوقت يوجد قطاعات أخرى لم تتأثر، بل حققت زيادات ونجاحات، وبالنسبة للقطاعات التى لم تتأثر فهى تحويلات المصريين فى الخارج، فقد حققت زيادة فى 2011 أكثر من 25% على سنة 2010، ففى 2010 كانت تدور فى حوالى 9 مليارات دولار، أما فى 2011 فقد وصلت ل12 مليار دولار، والقطاع الثانى هو قناة السويس والتى حققت إيراداتها فى 2011 زيادة بنسبة 5% على 2010، كما زادت الصادرات رغم وجود مشكلات فى قطاع الصناعة، ولكن لعدم وجود استهلاك داخلى، فالمصنعون حاولوا إيجاد فرص لتسويق منتجاتهم فى الخارج، أما القطاعات التى تأثرت، فيأتى فى مقدمتها قطاع السياحة، حيث تراجع الدخل من السياحة من 12 مليار دولار فى 2010 إلى 8 مليارات دولار فى 2011، وإن كان بدأ فى التعافى فى الشهور الأخيرة، والقطاع الثانى هو الصناعة، حيث انخفض الدخل من الصناعة حوالى 11% عن عام 2010، لكنه أيضا بدأ فى التحسن مؤخرا، أما المشكلة الأكبر فتتمثل فى الاستثمار الخارجى المباشر، ففى آخر ربع فى سنة 2010-2011 كان الدخل من الاستثمار 2626 مليون دولار، ولكن فى الربع الذى يماثله فى 2011-2012 تراجع إلى 99 مليون دولار، فلكم أن تتخيلوا الفجوة. *فى رأيك، ما أولويات الرئيس محمد مرسى ليقضى على تلك الأزمات؟ **يجب أن تكون أولى أولويات الرئيس عودة الأمن والاستقرار، لأن عودة الأمن ستعيد الاستثمار والسياحة فى أسرع وقت ممكن، خاصة أن فرص الاستثمار لدينا جيدة، ومصر سوق ممتازة تشجع أى مستثمر على الإنتاج والاستثمار، لذا فكل المستثمرين فى انتظار عودة الأمن لكى يبدأوا فى تنفيذ مشروعاتهم، ويطمئنوا على استثماراتهم، كما أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة هى الأمل فى الفترة القادمة، وميزة هذه المشروعات أنها قد تجعل المحافظات مناطق جذب للمشروعات والاستثمارات، فبدلا من أن يأتى مواطنو المحافظات للقاهرة، وبالتالى يزيد الازدحام والعشوائيات، نشجعهم على عمل مشروعات فى محافظاتهم، لذا، فإن الروشتة التى أقدمها للرئيس القادم هى أن يعمل بكل جهده لعودة الأمن والاستقرار، ومن ثم ستعود السياحة والصناعة والاستثمار بأسرع مما نتوقع. *ما الذى يطلبه الجهاز من الدولة الفترة القادمة؟ **عندما كنا نجتمع كأجهزة إحصاء فى نيويورك، كنا نشكو دائما من عدم الحصول على الدعم الكافى من أنظمتنا، على الرغم من أن مجال الإحصاء صعب، لذا قام «بان كى مون» الأمين العام للأمم المتحدة بمخاطبة رؤساء الدول والحكومات بضرورة تقديم الدعم الكافى لأجهزة الإحصاء فى بلادهم، ونحن نريد هذا الدعم للحفاظ على الكفاءات الموجودة داخل الجهاز، حتى لا يضطر أحد منهم لترك الجهاز، والعمل فى أماكن أخرى، كما أننا نهدف إلى تطوير مستوى العاملين لدينا بشكل أكبر، خاصة أننا نقوم باستمرار بإيفادهم للخارج لمتابعة كل جديد، ورغم ذلك فمرتبات العاملين بالجهاز هى نفس مرتبات باقى العاملين بأجهزة الدولة، لذا، أتمنى أن يكون الجهاز له نظام خاص يمكننا من الاستمرار فى أداء عملنا بنفس القدرة والكفاءة. *من واقع خبرتك الطويلة فى مجال الإحصاء، ما الرقم الذى يقلقك بشكل كبير؟ **أكثر رقم يقلقنى نسبة الأمية فى مصر، والتى تقترب من 30%، فأعتقد أن هذا الرقم يمثل وصمة لمصر، فلا يكون أن تكون مصر بريادتها وحضارتها لديها هذه النسبة الكبيرة من الأميين، لذا، أتمنى من المسئولين أن يبحثوا عن حلول سريعة لهذه المشكلة. *هل يتبع الجهاز المعايير الدولية للإحصاء وجمع البيانات؟ **يتبع الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء مجتمع الإحصاء الدولى، والمظلة التى تجمعنا هى اللجنة الإحصائية للمجلس الاجتماعى والاقتصادى التابع للأمم المتحدة، حيث يجتمع رؤساء أجهزة الإحصاء ووفود الأجهزة من كل أنحاء العالم سنويا لمناقشة كل ما يتعلق بالإحصاء وجمع البيانات، كما أن مصر مشتركة فى معيار فى صندوق النقد الدولى اسمه « معيار النشر الخاص بالبيانات» spcialDataDisseminationStandard ولا تستطيع أى دولة الالتحاق بهذا المعيار، ولكن فقط الدول التى تتسم إحصائياتها بالدقة والحداثة، ومصر التحقت بهذا المعيار عام 2005، وهناك 60 دولة فقط ملتحقة بهذا المعيار، مع التأكيد أنه ليس معنى أن تلتحق دولة ما بهذا المعيار الاستمرار فيه للأبد، فإذا قصر جهاز الإحصاء فى دولة ما، فقد يخرج من المعيار.