إذا كنا في معرض حديث عن مستقبل أمة، فإن الأهداف العملية الواضحة هي التي تؤسس القاعدة الرئيسة التي تحدد اتجاهات التنافس السياسي، وليست الشعارات الأيديولوجية التي تستخدم عبارات عامة غامضة في تحد فكري سألت وأسأل بعضا من المفكرين والمثقفين سؤالا أحسب أنه من الممكن أن يكون موضوعا المناقشات واسعة النطاق: لماذا يعتبر الكثيرون أن حركة الإخوان المسلمين حركة تدعو إلي تسييس الدين، بينما الإسلام دين مرتبط بالحياة في كل أبعاده بما فيها من نظام سياسي؟ تجيء أهمية هذا السؤال لأن من يهاجمون الإخوان المسلمين قد يكونون محقين إذا ما كان الهجوم موجها إلي جماعة سياسية محددة لها تكتيكها السياسي واستخدامها للإسلام غطاء لتصل إلي قيادة المجتمع، وهو رؤية تؤكدها وسائل الإعلام في محاولة واضحة لمحاربة الثقل السياسي الذي تنعم به هذه الجماعة في المجتمع المصري. ولقد انطلقت مداخلاتي مع هذه الحركة في مقالات عديدة سابقة إنطلاقا من مسلمة أيديولوجية خطيرة، ولم أتعرض للمحتوي الفكري الذي يطرحونه. إن هذه المسلمة التي وجدت أنها ستقود بالضرورة إلي نسق فكري مغلق، هي أنهم يتصورون أنهم القوم الذين يمثلون الرسالة الإسلامية تمثيلا مطابقا لما جاء به الرسول (صلعم)، وأن الاختلاف معهم يعني الخروج عن صحيح الإسلام. وأحسب أن أي خطاب ينطلق من هذه المسلمة يخلق صراعا بدلا من حوار، وحربا بدلا من سلام. لأنه إذا تعددت القراءات للنصوص المقدسة، وادعي كل منها أنه يعبر عن "صحيح الرسالة الإسلامية"، لابد أنه سيتهم غيره بالهرطقة والانحراف. إذا تركنا هذا جانبا ورجعنا إلي السؤال الأصلي أليس الإسلام دين حياة؟ وأليس هذا ما يدعو إليه الإخوان المسلمون؟ أردت أن يكون هذا السؤال محكا للتفكير التحليلي الموضوعي، وليس الحكم الجزافي المتحيز. لابد أن نتفهم أن حركة الإخوان المسلمين هي احدي هذه الحركات التي ظهرت في مواجهة ورد فعل لموجة الحداثة التي تبناها مفكرو مصر في بدايات القرن العشرين. والحداثة كما هو معروف هي تلك التغيرات الثقافية والفكرية التي صاحبت بزوغ المنهج العلمي والتغير البنائي المصاحب للمجتمعات الغربية بعد الثورة الصناعية، لقد ركزت هذه الموجة الحداثية علي إعمال العقل وفقا لأسلوب علمي بإعتباره الوسيلة التنويرية القادرة علي القضاء علي الخرافات، واعتبرت أن النهضة العلمية التي صاحبها نهضة في العلوم الاجتماعية، وتطور هذه العلوم لتؤسس مجموعة متكاملة لدراسة مختلف الانشظة البشرية من سياسة واقتصاد، هي سابقة تاريخية. واعتبر المنظرون الأوائل أن الحضارة الغربية بما وصلت إليه من تقدم تقع في قمة هذا التطور، وأن تأثير الفكر الديني سيضعف مع التطور العلمي. وأثبت التاريخ أن البعد الديني ليس مجرد بعد معرفي، بل إن الحاجة إلي إدراك معني للحياة يفوق الغايات المباشرة ضرورة إنسانية، وبهذا أثبتت تلك النظريات حدودها المعرفية بحركة التاريخ. كان الغرب في هذه المرحلة أسيرا لفكرة التفوق الحضاري، وهي فكرة امتزج فيها الواقع بالعنصرية. إذ أن تطبيق المنهج العلمي هو إنجاز هام في تاريخ الإنسانية، ولكنه ليس إسهاما غربيا خالصا، فهو تطوير لما سبقه من إنجازات للحضارات الأخري، خاصة الحضارة الإسلامية التي أثرت في مفكري عصر النهضة الأوروبية، ثم اكتملت المسيرة في القرن التاسع عشر مرورا بعصر التنوير. وفي الفترة التي كان الغرب يحرز تقدمه الحضاري والعلمي، كان العالم الإسلامي قد بدأ يتقهقر فكريا أثناء الحكم العثماني، وانعزل فكريا وحضاريا عن حركة التقدم التي كانت تأخذ خطواتها في أوروبا، لم يكن تقهقهره ناتجا من تمسكه بالدين، ولكن نتاج تخليه عن إعمال العقل الذي دعا إليه الإسلام، وهو ما تنبه إليه الشيخ محمد عبده عندما قال ما معناه "أجد في الغرب مسلمين بدون أن يكون دينهم الإسلام، وأجد في بلادي مسلمين لا يطبقون ما دعا إليه الإسلام " ومع قيام الدولة الحديثة في مصر واستعادة التواصل مع الغرب عن طريق البعثات، فإن نهضة جديدة بدأت تظهر في الأفق المصري، وما كاد يبزغ القرن العشرون حتي ظهرت كوكبة من المثفقين والمفكرين التنويريين الذي قاوموا منابع الخرافات والتقاليد البالية التي اصطبغت بصبغة دينية، برز قاسم أمين في دعوته لتحرر المرأة من الجهل وتأكيد قدرتها علي التعلم والعمل في مختلف المجالات، واستخدم طه حسين منهجا علميا في التحقيق التاريخي، كما كتب علي عبد الرازق كتابا ما زال يعتبر ثورة فكرية فيما كان يظن أنه بديهيات دينية، إذ ناقش كيف أن الخلافة ليس أصلا من أصول الدين، ولكنها نظام سياسي تاريخي. وهكذا فإن مصر في بدايات القرن العشرين كانت تموج بحركات فكرية نقدية للخروج من الجمود الفكري إلي التفاعل الحي مع معطيات ذلك العصر، وتقضي علي هذا التلازم بين القيادة السياسية والإمامة الدينية، لتؤكد أن الدين الإسلامي لا يتعارض مع الحكم المدني، فليس هناك دولة دينية في الإسلام، وهو ما أصبح متفقا عليه بين كثير من المفكرين الإسلاميين. ولا شك أن إعلان تركيا أنها ستسير في ركب الحضارة الغربية، وستتخلي عن الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع، وتتجه إلي قانون وضعي قد أعطي انطباعا عاما أن مشروع الحداثة والتقدم لن يسيرا علي وفاق مع الأساسيات التي تنظم البناء التشريعي في العالم الإسلامي. ومن هنا ظهر هذا الاتجاه العلماني _ نسبة إلي العالم وليس إلي العلم _ والذي يري أن النظم السياسية يجب أن تسير وفقا لقواعد وضعية. ولقد انطلقت تلك الرؤية العلمانية من تحليل الواقع التاريخي الذي ثبت فيه أن الحكام في كثير من الأحيان يستخدمون الفقهاء ليسكتوا الأصوات المعارضة، ويطلبون من المحكومين الخضوع التام تحت مقولات دينية يستخدمونها في غير سياقها، مثل وجوب طاعة أولي الأمر، وعدم الخروج عن الإجماع، وغيرها. رأي العلمانيون أن يختصروا الطريق ويتجهوا إلي القوانين الوضعية، بدلا من الصراعات الدينية التي تجعل المسلمين يكفرون بعضهم بعضا. ولكن هذا الاختزال في الرؤية، يغلق أمام المجتمعات المسلمة منبعا هاما، خليق بأن يرشد الإنسان إلي ما ينفعه في هذه الحياة وفي الحياة الآخرة. وأصبحت القضية كيف يمكن التوفيق بين احترام مصادر الشريعة، وفي نفس الوقت قبول الاختلاف، والأخذ بما هو أنفع للناس من خلال دراسة التجربة الإنسانية؟ لقد كانت مصر في طليعة الدول التي أوجدت حلا لهذه المعادلة الصعبة، إذ الدساتير المتعاقبة منذ عام 1923 وحتي دستور 1971 المعدل في 1980 و 2005 نلاحظ أن المرونة في تطبيق مباديء الشريعة الإسلامية خاصية مصرية متميزة. سنجد إذن أنه علي مر العصور أن الدستور المصري لم يتجاهل الشريعة باعتبارها تراث حضاري هام في تاريخ الشعوب كما فعلت تركيا، ولا يقف مكتوف اليدين في متغيرات قد لا يجد مرجعية لها في الشريعة، أو قد لا تتواءم مع المصريين ممن يدينون بعقائد أخري. كان بزوغ حركة الإخوان المسلمين في عشرينيات القرن الماضي تأكيدا علي أهمية المشروع الحضاري الإسلامي، وهو ما يتواءم مع الثقافة المصرية التي تري في الإسلام ليس مجرد مجموعة من العبادات، ولكنه حضارة مشتركة بين المصريين، وهذا ما قاله نصا مكرم عبيد، ولهذا كان من القلائل الذين ودعوا حسن البنا في مرقده الأخير. ولهذا أيضا جذبت دعوة الجماعة مفكرين علي جانب كبير من الأهمية مثل الشيخ طنطاوي جوهري الذي كان شيخا مستنيرا، رشح لجائزة نوبل، ويجيء تعاون د. محمد البرادعي ذلك أنه قد يتفق معهم في الهدف، ولكنه اتفاق مرحلي لأنه سيختلف معهم في رؤيتهم أنهم الجماعة الوحيدة المسئولة عن تطبيق الشريعة. وهو بحكم نزعته الليبرالية، منفتح علي اختلاف الرأي والرؤية، فإذا كان يدعمهم إنطلاقا من منظوره الحقوقي الليبرالي، إلا أنهم لن يدعمونه في رؤيته أنه من حق الجميع بما فيهم الاشتراكيون والشيوعيون أن يعبروا عن أنفسهم. إذا كنا في معرض حديث عن مستقبل أمة، فإن الأهداف العملية الواضحة هي التي تؤسس القاعدة الرئيسة التي تحدد اتجاهات التنافس السياسي، وليست الشعارات الأيديولوجية التي تستخدم عبارات عامة غامضة، علينا أن نتساءل هل نريد أن نواجه الواقع بكل متغيراته ونحاول أن نبني مجتمعا أفضل من خلال دراسة هذا الواقع، أم أننا نريد أن نتجاهل كل المتغيرات ونفرض علي الواقع صورة نعتقد أنها "الحل المثالي". قد يكون الدين _ بل ويجب أن يكون _ ملهما لنا في وضع الأولويات التي نبدأ بها عملية الإصلاح، ولكن يجب ألا تستخدم جماعة من الناس "الدين" لبناء شعبيتها وسط العامة، إننا نتطلع إلي مجتمع يتسابق فيه الجميع للخيرات، أي للفهم والاجتهاد والقراءة في تعاليم الأديان، ويسترشدون بالرغبة في إقامة العدل، لا تحكمهم الحرفية، ولا يسجنون أنفسهم في الأطر الشكلية، ولا يتاجرون بالشعارات. التنوير هو هدف لكل الأديان لأنها قامت جميعها علي احترام العقل، وليس هناك أي تناقض بين الاستفادة من الخبرة الإنسانية في كل العالم، وبين استلهام مباديء الشريعة، علي شرط أن يكون الاجتهاد عملية متواصلة. والحوار مفتوح.