بعد عشر سنوات علي شروع الولاياتالمتحدة ضخ مليارات الدولارات في برنامج عسكري ضخم في كولومبيا، باتت لدي القوات المسلحة لهذا البلد الأمريكي اللاتيني اليوم اليد الطولي في حربه ضد المتمردين "اليساريين" وحلفائهم الأقوياء من كارتيلات المخدرات. فهنا في نهر بوتومايو علي بعد 350 ميلا إلي الجنوب من بوجوتا تقع قاعدة بحرية تتوفر علي 40 مركبا خاصا بالدوريات النهرية وأكثر من 1000 جندي. والتغطية الجوية من مروحيات "بلاكهوك"، وقاذفات القنابل "سوبر توكانو" برازيلية الصنع، ومقاتلات "كفير" المصنوعة في إسرائيل متوفرة من قاعدة "تريس إيسكويناس" الجوية المجاورة. أما مهمتهم، فهي منع متمردي "فارك" وتجار الأسلحة والمخدرات من استعمال ممر علي الحدود الكولومبية مع بيرو والإكوادور. ويقول قائد القاعدة البحرية الجنرال رافاييل كولون: "إننا نقوم بتدمير القواعد المالية ل"فارك" وتوفير الأمن للتجارة الشرعية في النهر في الوقت ذاته"، مضيفا "إننا نسعي إلي جعل وجود الدولة محسوساً في مناطق لم تكن كذلك من قبل". في الذكري العاشرة للبرنامج المعروف ب"مخطط كولومبيا"، يبدو هذا البلد الأمريكي الجنوبي أكثر أمناً؛ وتشمل المساعدة الأمريكية أربع سفن عسكرية مدججة بالأسلحة يسميها الضباط هنا "وحوش بوتومايو"، وسفينة طولها 150 قدماً مزودة بالأسلحة تبدو كمركبة فضائية مخيفة من موقع تصوير سلسلة "حرب النجوم". كما قدمت واشنطن أيضاً تدريباً للقوات الخاصة، وحول جمع المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلي هدية عبارة عن 82 مروحية من طراز "بلاكهوك يو إش 60". ويستعمل الجيش الكولومبي هذه المساعدات العسكرية لدفع المتمردين إلي النزوح نحو مناطق نائية، لاسيما مع ارتفاع عدد الجنود المُسخرين لهذا الغرض بمعدل 60 في المائة حيث قفز إلي 447 ألف جندي وشرطي (يذكر هنا أن "مخطط كولومبيا" ينص علي ألا يتجاوز الوجود المادي الأمريكي 800 مدرب عسكري و600 متعاقد، يحظر عليهم جميعاً المشاركة في المعارك). وتقول الشرطة الوطنية الكولومبية اليوم إنها موجودة في كل المقاطعات ال1100، مقارنة مع 950 مقاطعة عام 2000. كما أن معدل الجرائم العنيفة انخفض إلي جزء صغير مما كان عليه في 2002، عندما كان المعدل هو 10 عمليات اختطاف في اليوم. غير أن التقدم في الحرب علي المخدرات متفاوت إذ يفيد تقرير الأممالمتحدة حول المخدرات في العالم لهذا العام بأن إنتاج الكوكا قد انخفض إلي 58 في المائة منذ أوج ارتفاعه قبل حوالي عشر سنوات. وهو ما يمثل تقدماً، ولكنه تقدم لا يرقي إلي ذلك الذي كان يأمله الكثيرون، بالنظر إلي أن الطيارين قاموا في إطار "مخطط كولومبيا" برش المبيدات السامة علي أكثر من مليون فدان من حقول الكوكا. كما يجادل المنتقدون بأن البرنامج المكثف لمحاربة الكوكا لم يؤد إلا إلي دفع إنتاج الكوكا إلي البلدان المجاورة، ولا سيما بيرو. غير أن الوضع بالنسبة للكولومبيين بات أفضل بكثير مقارنة مع أواخر التسعينيات عندما حذرت دراسة للبنتاجون الأمريكي من أن بلدهم يمكن أن يصبح دولة مخدرات في غضون خمس سنوات. فاليوم، بات الاقتصاد الكولومبي يتبوأ مكانة مشجعة كواحد من أكثر اقتصاديات أمريكا اللاتينية نشاطاً وحيوية، حسب البنك الدولي. كما أن الحكومة أفرجت هذا الشهر عن أرقام وإحصائيات تُظهر أن الاستثمارات والنقل الجوي، ومبيعات السيارات قد ارتفعت جميعها بمعدلات من رقمين. كانت قوة "فارك"، أو "القوات المسلحة الثورية لكولومبيا"، واضحة خلال رئاسة أندريس باسترانا، الذي وصل إلي السلطة في 1998 واعداً بالتوصل لتسوية سياسية عبر المفاوضات؛ وتخلي عن السيطرة علي "منطقة خالية" منزوعة السلاح كعربون حسن نية، ولكن المتمردين استعملوا المنطقة لحشد القوة والزخم. ثم خاض ألفارو أوريبي، الذي خلف باسترانا، حملةً انتخابية وعد فيها بهزم المتمردين. وفي يوم تنصيبه في 2002، حيت "فارك" أوريبي بهجمات بالقذائف وقذائف الهاون؛ ولكن معظم "مخطط كولومبيا" وتقدمه جاء خلال الثماني سنوات التي قضاها أوريبي في السلطة، والتي انتهت الشهر الماضي. غير أنه خلال السنوات الأخيرة، تحول تركيز "مخطط كولومبيا" بعض الشيء؛ ذلك أن المساعدة العسكرية التي كانت تشكل ذات يوم 80 في المائة من التمويل، باتت اليوم تناهز 60 في المائة، كما يقول آدم إيساكسون من مكتب أمريكا اللاتينية في واشنطن، وهو مركز بحوث يميل إلي اليسار. وفي هذا الإطار، يحذر أنصار "مخطط كولومبيا" من أن المكتسبات العسكرية تظل قابلة للانتكاس، علي اعتبار أنه مازالت ثمة عقول وقلوب ينبغي الفوز بها، وبخاصة في المناطق الريفية حيث لا يتوفر الشباب الفقير علي بدائل لزراعة الكوكا أو الانضمام إلي حركة تمرد أو عصابة لتجارة المخدرات. وفي هذا السياق، يقول الكابتن سيزار مارتينيز، ضابط العمليات في القاعدة البحرية في ليجويزامو: "إن حبة دواء واحدة لن تكفي، بل المطلوب هو علاج علي المدي الطويل". ونتيجة لتضييق الخناق عليها، باتت "فارك" اليوم تعتمد علي أسلوب الكر والفر أكثر منه علي الهجوم الجريء. وفي هذا الإطار، شن المتمردون هجمات هذا الشهر في مناطق نائية عبر البلاد أسفرت عن مقتل 37 شرطياً وجندياً. ولكن وخلافاً لما كان يحدث عادةً قبل نحو عشر سنوات، فإن القوات المسلحة الكولومبية ردت بهجوم مضاد وأعلنت عن مقتل 22 من المتمردين في ضربة جوية يوم الأحد، من بينهم قائد إقليمي كبير.