إذا ما استبعدنا السياسة الأمريكية الخارجية المتعلقة بالعالم الإسلامي وحزمة السياسات الأمريكية المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط لكثرة وسهولة ما يكتب عنها في مختلف وسائل الإعلام العربية، فإن حصاد السياسة الخارجية الأمريكية في العام 2005 يمكن أن يوصف كالتالي: المزيد من الخسائر في أمريكا اللاتينية، ونجاح استخباراتي في أوربا الشرقية، وإقامة علاقات متوازنة مع الصين في ظل التنافس الاقتصادي بينهما. كذلك عدم وجود جديد في مفاوضات كوريا الشمالية، وشراكة نووية وتكنولوجية مع الهند، وأفريقيا لا تعني سوي الأمن في الحرب علي الإرهاب. واستمرار الاختلافات بين واشنطن والمنظمات الدولية. يتفق معظم المراقبين علي أن عام 2005 هو عام خسارة الولاياتالمتحدة لنفوذها التقليدي في أمريكا اللاتينية. فقد طرح بيتر هاكيم في دورية Foreign Affairs في نهاية العام السؤال التالي: هل واشنطن تخسر أمريكا اللاتينية؟ وكتب اندريس أوبنهايمر في 25 ديسمبر 2005 في صحيفة ميامي هيرالد أن المؤرخين عندما يرجعون في المستقبل ليصفوا عام 2005 فإنهم سيعتبرونه العام الذي فقدت فيه الولاياتالمتحدة نفوذها في أمريكا اللاتينية. فعلي المستوي السياسي لم تكن سنة 2005 سنة جيدة لعلاقات الولاياتالمتحدة بأمريكا اللاتينية، حيث فشلت إدارة بوش في الحصول علي الأغلبية بين دول مجموعة الأمريكتين أل 34 لاثنين من المرشحين للذين حظيا بتأييد واشنطن لرئاسة المجموعة. كما أثارت حفيظة المكسيك بتأييدها لمشروع قرار مقدم إلي الكونجرس لبناء جدار فصل علي طول الحدود الأمريكيةالمكسيكية يبلغ طوله 700 ميل لمواجهة الهجرة غير الشرعية. وبينما استطاعت واشنطن أن توقع اتفاقية للتجارة الحرة مع دول أمريكا الوسطي وجمهورية الدومنيكان وخططت لإقناع 29 دولة من مجموع 34 دولة هم أعضاء مجموعة الأمريكتين بمواصلة مفاوضات الانضمام لاتفاقية التجارة الحرة وذلك أثناء انعقاد قمة ماردل بلاتا بالأرجنتين، واجه الرئيس بوش انتقادات لاذعة من الرئيس الأرجنتيني نيسترو كيرنشر والرئيس الفنزويلي هوجو شافيز في كلمات بثت علي الهواء اعتبرا فيها أن سياسات واشنطن هي المسئولة عن أمراض المنطقة. مثل صعود اليسار في أمريكا اللاتينية باستقرار نظام شافيز في فنزويلا وانتخاب بوليفيا افوموراليس الاشتراكي الرفيق والحليف القوي لشافيز وفيدل كاسترو ضربات موجعة للسياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، خاصة في ظل توقعات بحدوث نفس السيناريو في انتخابات مقبلة في دول مجاورة مثل بيرو واكوادور. وكان الاستقبال غير المرحب ببوش والوفد الأمريكي علي المستوي الشعبي وعلي مستوي بعض الوفود الرسمية أثناء انعقاد قمة دول الأمريكتين في الأرجنتين في نوفمبر الفائت وفشل الولاياتالمتحدة في إقناع القمة بالموافقة علي اتفاقية التجارة الحرة دليلا علي ما آلت إليه علاقات الولاياتالمتحدة بدول المنطقة ولهذا أسباب عدة. خرجت دول أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة من دائرة اهتمام السياسة الخارجية الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة وظهور ملامح الشيخوخة علي نظام كاسترو في كوبا وفي ظل انشغالها بالحرب علي الإرهاب منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وقد عبر ديفيد آدمز مراسل التايمز Times لشئون أمريكا اللاتينية عندما كتب في الثامن من يونيه 2005 قائلا إن أمريكا اللاتينية لم تعد في دائرة اهتمامات واشنطن المشغولة بملفات الإرهاب والعلاقات الاقتصادية التنافسية مع الصين، حتي أن الرئيس بوش أثناء مشاركته في المنتدي السياسي للأمريكتين الذي انعقد في واشنطن في أوائل يونيه السابق قد بدا متعجلا بصورة لافتة للنظر أثناء إلقاء كلمته أمام المنتدي والتي لم تستغرق سوي 13 دقيقة وكأن لسان حاله يقول ليس لدي وقت لأمريكا اللاتينية. التشدد مع شافيز وتجنب الصدام مع يسار الوسط واصلت إدارة الرئيس بوش خلال عام 2005 تدخلها السياسي والعسكري في الصراع الدائر في كولومبيا بين الحكومة والمتمردين اليساريين، كذاك أيدت كولومبيا في نزاعها مع فنزويلا بسبب قيام السلطات الكولومبية باختطاف معارض كولومبي من قلب العاصمة الفنزويلية في شهر يناير. كما واصلت واشنطن سياستها المتشددة تجاه كوبا، فضلا عن ازدياد التوتر بين واشنطن والرئيس الفنزويلي هوجو شافيز. أعربت الولاياتالمتحدة عن قلقها من القمة التي عقدت في مارس بين رئيس الحكومة الاسبانية لويس ثاباتيروا وقادة دول البرازيل وفنزويلا وكولومبيا والتي كان من نتائجها بيع اسبانيا أسلحة لفنزويلا بقيمة 3.1 مليار دولار رغم كون اسبانيا حليفا قريباً من واشنطن. وبدا واضحا أن الإدارة تتجنب الصدام مع حكومات تنتمي ليسار الوسط كما في الأرجنتين والبرازيل. وفي المقابل شهدت واشنطن مجموعة من الإخفاقات المتوالية في أمريكا الجنوبية، ولم تفلح جولة وزيرة الخارجية في شهر أبريل في البرازيل وكولومبيا وشيلي والسلفادور في عزل وتحجيم دور شافيز في المنطقة. توقيع اتفاق التجارة الحرة مع أمريكا الوسطي لم تستطع الدبلوماسية الأمريكية أن تحقق مكاسب في أمريكا اللاتينية خلال عام 2005 إلا توقيع اتفاق منطقة التجارة الحرة المعروفة اختصارا باسم "CAFT"، مع دول أمريكا الوسطي، والتي بموجبها يتم إلغاء حواجز تجارية بين الولاياتالمتحدة وست دول هي: كوستاريكا والسلفادور وجواتيمالا وهندوراس ونيكاراجوا وجمهورية الدومينيكان. فقد وقع الرئيس بوش في أغسطس 2005 الاتفاق معتبرا أنه يعزز من استقرار حكومات أمريكا الوسطي علي المستويين السياسي والاقتصادي، الأمر الذي من شأنه حماية أمن الولاياتالمتحدة وعمقها الاستراتيجي. فشل قمة الأمريكتين ذهب الرئيس بوش إلي القمة الرابعة لدول الأمريكتين التي انعقدت في مار ديل بلاتا بالأرجنتين في أوائل شهر نوفمبر رغم كل المصاعب التي تواجهها الولاياتالمتحدة في المنطقة بأجندة واحدة وهي إقناع دول القمة ال34 بالتوقيع علي اتفاقية التجارة الحرة المعروفة اختصارا باسم FTAAِ دون أن يحاول انتهاج دبلوماسية التهدئة والتفاهم. وقد واجه الاقتراح الأمريكي بإقامة منطقة التجارة الحرة معارضة شديدة من جانب عدد كبير من دول أمريكا اللاتينية التي رأت أن إقامة مثل هذه المنطقة سيؤدي إلي إلحاق اضرار بالغة باقتصاديات بلدانهم خاصة في ظل رفض وضع الولاياتالمتحدة عقبات أما دخول المنتجات الزراعية من أمريكا اللاتينية إلي أسواقها. ووصف شافيز علي طريقته الخطابية أن الاقتراح الأمريكي قد ولد ميتا ويجب أن يدفن في مار ديل بلاتا. وتضع واشنطن مشروع إقامة منطقة التجارة الحرة بين دول أمريكا الشمالية والجنوبية علي قمة أولويتها وحاولت أكثر من مرة إقناع دول أمريكا بالتوقيع علي الاتفاقية منذ أول قمة للأمريكتين في ميامي عام 1994. نتائج الانتخابات في بوليفيا عمقت نتائج انتخابات الرئاسة في بوليفيا من جراح الدبلوماسية الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية، بالنتائج التي أسفرت عنها انتخابات بوليفيا في 18 ديسمبر 2005 ، فقد فاز الزعيم الاشتراكي ايفو موراليس برئاسة بوليفيا بعد تغلبه علي منافسه بفارق كبير ومن الجولة الأولي للانتخابات لتصبح بوليفيا الدولة السابعة في أمريكا اللاتينية التي تحكمها حكومات يسارية. ولم تخف الإدارة الأمريكية مخاوفها وقلقها من وصول موراليس إلي السلطة لأسباب عدة في مقدمتها علاقات رئيس بوليفيا الجديد بهوجو شافيز والسياسات الاشتراكية التي يزمع موراليس تطبيقها مثل تأميم صناعة الغاز الطبيعي. واحتمالات قيام محور يساري في المستقبل القريب في أمريكا الجنوبية . ذلك فضلا عن خشية واشنطن رؤية الرئيس الجديد لزراعة نبات الكوكا ومواجهة تجارة المخدرات. وتعقيبا علي نتائج الانتخابات البوليفية، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية في لقاء مع شبكة أخبار CNN التليفزيونية بان الولاياتالمتحدة ستتعامل مع نتائج انتخابات الرئاسة البوليفية كما تتعامل مع أي نتائج انتخاب حكومة أو رئيس منتخب. وأضافت رايس أن الولاياتالمتحدة ستقرر الطريقة التي تتعامل بها مع بوليفيا بناء علي أداء الحكومة البوليفية. توقع استمرار الخسائر عام 2006 في ظل معطيات حصاد العام 2005 في أمريكا اللاتينية واستمرار تركيز اهتمام السياسة الأمريكية بالحرب علي الإرهاب وقضايا الشرق الأوسط وشرق آسيا، يتوقع المراقبون أن تزداد خسائر الولاياتالمتحدة ويتراجع نفوذها في أمريكا الجنوبية، فالسوق الاقتصادي الضخم في المنطقة للصادرات الأمريكية والذي يقدر حجمه ب150 مليار دولار سنويا يذهب ثلثاه إلي المكسيك وحدها. ولذا يتوقع زيادة النفوذ الاقتصادي للصين في البرازيل وبقية دول القارة الجنوبية. وأن يقوي التحالف الاقتصادي الإقليمي بين الدول اللاتينية خاصة التي تقف علي نفس الأرضية الفكرية السياسية. وعلي المستوي السياسي يتوقع أن تتجه أمريكا اللاتينية أكثر نحو اليسار والتشدد تجاه سياسات الولاياتالمتحدة. ولن يتغير هذا السيناريو كثيرا إلي أن تدرك واشنطن أن أمريكا اللاتينية أهم لها أكثر مما تعتقد.