عرف نعوم تشوميسكي ذات يوم المثقف بأنه من يملك قوة الحقيقة في وجه حقيقة القوة وقد أطلق عليه لقب اليهودي المتمرد نظرا لأنه تعامل مع حقائق الأمور بعين عادلة بعيدة كل البعد عن العنصرية البغيضة ولم تكن يهوديته يوما سدا أو حدا أمام دوره في إماطة اللثام عن الحقائق وفضح الأكاذيب وتعرية الخدع والمؤامرات التي لا ينفك قوم أن يلصقوها بكل من وما هو عربي أو مسلم. في الأيام الماضية شن الكاتب والمفكر الأمريكي المعروف نعوم تشوميسكي عالم اللسانيات الأشهر في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا هجوما علي السياسة الخارجية الأمريكية في سياق تعليقه علي أحداث العام المنصرم وحمل علي الاحتلال الأمريكي للعراق قائلا "إنه كان متوقعا من قبل أن غزو العراق سيزيد من تهديدات الانتشار النووي وتهديدات الإرهاب، وقد حدث الأمران في الواقع." وعند تشوميسكي: "أن الغزو كان درسا تعلمه الفرقاء، وهو أن عليك أن تطور سلاح ردع نووي، وألا ستهاجمك الولاياتالمتحدة وبريطانيا إذا اعتقدت أنك لا تستطيع الدفاع عن نفسك. وهو درس تعلمته الدول." وعن مسوغات تبرير الحرب علي العراق، والتي تغيرت عما كان يقال قبل الحرب، يقول تشوميسكي:" ذهب بوش وبلير إلي الحرب علي أساس ما وصفوه مرارا بالسؤال الوحيد، وهو هل سيتخلي صدام عن أسلحة الدمار الشامل لديه؟ وجاءت الإجابة علي السؤال في غضون أشهر، بأنه لا توجد أسلحة دمار شامل. وفجأة تغيرت الصورة وتغيرت الحجة، ولم تعد أسلحة الدمار الشامل. ويقرر تشوميسكي قائلا "لقد دخلنا العراق بسبب ما تسميه الصحافة مهمة بوش الإلهية لجلب الديمقراطية للعراق والشرق الأوسط. وهكذا أصبح ذلك هو الشعار في الغرب، لكنه في الغرب وحده." ولمن لا يتذكر فإننا نذكر بأنه في مارس من عام 2003 وتحت عنوان "قلق عميق" دوي صوت تشوميسكي بأعلي قدر من ضجيج الآلة العسكرية الأمريكية الجهنمية التي ذهبت لتدمر لا لتعمر تحت حجج واهية وكاذبة في العراق . قائلا " في هذه اللحظة المروعة لن يكون بإمكاننا القيام بأي شيء لإيقاف هذا الغزو ولكن هذا لا يعني نهاية مهمة الناس الذين يحملون عبء العدالة والحرية وحقوق الإنسان وبعيدا عن هذا فان المهمة ستكون ملحة أكثر من أي وقت مضي مهما كانت نتيجة هذا الهجوم التي لا يعلم احد أي شئ بشأنها لا البنتاجون ولا السي آي إيه ولا أي جهة أخري . وقبل أن يتعرض العراق لرحلة " درب الآلام " التي عاشها ولا يزال يكتب تشوميسكي مضيفا " تتباين الاحتمالات بين تشاؤم من كوراث إنسانية مريعة والتي كانت منظمات الإغاثة تحذر منها باستمرار وبين أمل بنتائج اقل أثرا وألطف وقعا ولكن حتي لو أن الأذي لم يطل شعره علي رأس أي احد فان هذا لن يبرر جرم أولئك الذين يضعون الأنفس البشرية البريئة في موضع بهذه الخطورة من اجل تحقيق مصالحهم المشينة .أما بالنسبة لنتائج الهجوم فان وقتا طويلا سيمضي قبل أن يتمكن احد من وضع حكم أولي لذا فان المهمة المباشرة الأولي لنا هي أن نعطي ما أمكننا من ثقل لجعل نتائج هذه الحرب اقل مأساوية وهذا يعني الاهتمام باحتياجات الضحايا ليس فقط المتعلقة بهذه الحرب مباشرة وإنما أيضا المتعلقة بالعقوبات التي فرضتها حكومة واشنطن القاسية والهدامة التي دمرت بنية المجتمع المدني وزادت من سطوة حاكمها والحقيقة أن تشوميسكي لم يكن جسرا بين العالم العربي والإسلامي والعوالم والعواصم الغربية فحسب بل احسبه كذلك كان معبرا بين الأوروبيين والأمريكيين وبين الأمريكيين أنفسهم عندما دق ناقوس الخطر من جراء "الطموح الإمبريالي الأمريكي" الذي كان العراق مقدمته . ومما لاشك فيه أن تشوميسكي يعد من اشد المدافعين عن القضايا العربية في الولاياتالمتحدة ومن اشد نقاد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ويري أن سياسات واشنطن ضالة ومضللة وأنها خادمة عند جماعات الضغط المختلفة "كاللوبي اليهودي وغيره" ويشير كثيرا إلي أن سياسات الكيل بمكيالين التي تمارسها علي الدوام قد تؤدي بالعالم إلي الدمار الكوني ولاسيما أن الشرق الأوسط من المناطق شديدة الالتهاب في العالم . ولا يكتفي تشوميسكي فقط بتحديد الداء ويضرب عن وصف الدواء لكنه من موقعه وموضعه كمفكر ينشد الحرية والعدالة يكتب وصفة للولايات المتحدة تتلخص في حتمية الالتزام بالشرعية الدولية والمعايير الإنسانية إن أرادت أن تكون طليعة الحرية في العالم وعضوا متحضرا من أعضاء المجتمع الدولي مع إظهار بعض الاحترام للنظام العالمي ومؤسساته . والوقت ذاته ينبه إلي الطريق الوعر الذي تسلكه واشنطن اليوم فعليا ولا يبدو أنها ستقلع عنه عما قريب وهو تبنيها للمزيد من وسائل التدمير المخيفة والمزيد من وسائل الهيمنة من اجل تدمير أي تحد محسوس وان كان بعيدا وسحقه مباشرة الأمر الذي سوف يخلق تحديات أعظم وأحدث وقد يؤدي إلي تعريض سكان الولاياتالمتحدة والعالم إلي مخاطر جدية وقد تؤدي أيضا وهذا ليس احتمالا هشا إلي انقراض هذا الجنس نهائيا فالعالم الذي تجنب حربا نووية في الستينيات يملك اليوم أسبابا جديدة وجدية تجعل ما يحدث في واشنطن عاملاً محفزاً لإطلاق الجني النووي من قمقمه . ويحمل تشوميسكي علي الدوام دعوة لمواطنيه الأمريكيين لكي يتحملوا المسؤولية الأخلاقية للتخفيف من المخاوف الدولية وفتح الطريق أمام المستقبل الإنساني الأكثر رحابة بقبول الآخر لا بنفيه بعيدا . لم يكتف تشوميسكي طوال العقود الماضية بكونه أكاديمياً وعالماً بارعاً بل قدم ذاته كمثال يحتذي للمثقف مهما كانت ديانته أو جنسيته علي الالتزام بقضايا العدل والحرية ووحدة الجنس البشري ولا يزال يفعل حتي الساعة . لذا فانه لم يكن من الغريب أو المفاجئ أن يحصل تشوميسكي علي لقب المفكر الأمريكي الأول والأكثر تأثيرا في المجتمع الأمريكي لعام 2005 وهو ما يعني أن الأمريكيين قد بدأوا في مراجعة أوراقهم مرة جديدة في عام جديد.