إن الجمود في المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، الذي يعني ضمناً انهيار الالتزام السياسي الأمريكي بحل الدولتين كوسيلة لإنهاء الصراع المزمن بين الشعبين، بات جموداً شبه تام الآن. فإسرائيل تواجه في الوقت الراهن خيارات تعتبرها مستبعدة وغير مقبولة، بل حتي غير قابلة لمجرد التفكير فيها. والقوات الإسرائيلية دخلت إلي شمال غزة مجدداً يوم الثلاثاء بعد أن ادعت "حماس" بالفعل أنها قد حققت النصر في القطاع، تماماً مثلما فعل "حزب الله" في لبنان. وفي الوقت الذي يتواصل فيه إطلاق الصواريخ علي المدن الإسرائيلية الجنوبية من قطاع غزة، استغلت وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" فترة التوقف المؤقت في العمليات الحربية كي تلقي خطاباً في إسرائيل تدعو فيه إلي مواصلة جهود السلام، وذلك بعد أن أجبر الرأي العام الفلسطيني، رئيس السلطة محمود عباس، الذي تقتصر سلطته علي الضفة الغربية فقط، علي تعليق المفاوضات بينه وبين نظيره الإسرائيلي "إيهود أولمرت"، وعدم الاستمرار في التعاون معه من أجل تنفيذ مشروع "أنابوليس" الذي أعدته كونداليزا رايس للتوصل إلي اتفاق بشأن حل الدولتين هذا العام. كانت السياسة المتبعة من قبل أمريكا وإسرائيل تقوم علي معاقبة الفلسطينيين، لأنهم هم الذين ساعدوا "حماس" علي تحقيق الفوز في الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2006، في الوقت الذين أغدقت فيه الدولتان الثناء والهدايا علي عباس، من أجل إقناع الشعب الفلسطيني بأن الوقوف وراءه، هو السبيل الوحيد للحصول علي فلسطين شبه مستقلة، وهي السياسة التي كان مآلها الفشل. والعملية السرية التي نفذتها الولاياتالمتحدة العام الماضي لإنهاء سيطرة "حماس" علي غزة، والتي كشف "ديفيد روز" النقاب عن تفاصيلها في مجلة "فانيتي فير"، انتهت بالفشل، مما أتاح ل"حماس" إحكام سيطرتها الكاملة علي القطاع، كما أتاح لها أيضاً الفرصة للادعاء بأنها المجموعة الفلسطينية الوحيدة الملتزمة بخيار التحرير الوطني. وفي نفس الوقت، لم يتمكن عباس من تقديم أي منافع أو خدمات لفلسطينيي الضفة الغربية. فهو لم ينجح علي سبيل المثال في إقناع الإسرائيليين بإزالة حاجز واحد، منذ مؤتمر أنابوليس علي الرغم من الوعود التي قدموها له هناك. وفضلاً عن ذلك، لم يتم البدء في تنفيذ أي مشروع من مشاريع التطوير الموعودة، في الوقت الذي استمرت فيه عمليات توسيع المستوطنات الإسرائيلية المقامة علي أراضٍ فلسطينية، بما يتعارض مع اتفاقيات مؤتمر أنابوليس أيضاً، كما استمرت الصواريخ المطلقة من قطاع غزة ضد المدن الإسرائيلية. والقرار الوحيد الذي تمكنت حكومة أولمرت من التوصل إليه، هو ذلك المعتاد الخاص بتدمير أية مقاومة ضدها، وهو القرار الذي جربته مرتين في لبنان، وتجربه الآن في غزة، دون نتيجة. إن اليأس المطلق للقيادة الإسرائيلية بسبب الفخ الذي انزلقت إليه بإرادتها عندما قررت الاستيلاء علي الأراضي الفلسطينية، والاحتفاظ بها عام 1967، قد تبدي بشكل واضح في 29 فبراير الماضي، عندما حذر وزير الدفاع الإسرائيلي "ماتان فيلاني" من أن الصواريخ التي يتم إطلاقها من غزة يمكن أن تدفع إسرائيل إلي ارتكاب محرقة "شواه" ضد الفلسطينيين علي سبيل الانتقام. وفي الوقت الراهن يشعر الكثير من الفلسطينيين باليأس من إمكانية الحصول علي دولة مستقلة، تحظي بأي قدر من السيادة.