كان من السهل علي أي أحد شاهد تلك المصافحات وإيماءات المودة التي تبادلها كل من محمود عباس وإيهود أولمرت في مؤتمر "أنابوليس" الأسبوع الماضي أن ينسي أن إسرائيل في حالة حرب مع المنظمة التي فازت بالانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة، وأن تلك المنظمة تطلق صواريخ تنفجر بشكل يكاد يكون يومياً في بعض المدن الإسرائيلية الجنوبية، وأن 1.5 مليون فلسطيني من مواطني الدولة الفلسطينية المستقبلية، يعيشون تحت ما يمكن اعتباره حصاراً إسرائيليا كاملاً. إن صُناع عملية السلام الأخيرة في الشرق الأوسط سيرُوق لهم بالتأكيد أن ينسوا كل شيء عن قطاع غزة علي الأقل خلال العام المقبل الذي يحاولون فيه التوصل إلي اتفاقيات بخصوص التسوية، ولكن الأمر غير المرجَّح هو أن تنساهم غزة. وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" التي فازت بانتخابات 2006 التشريعية، والتي أصبحت هي المسيطر الوحيد علي قطاع غزة في يونيو الماضي، أمضت أسبوع أنابوليس بهدوء، وانصرفت إلي ممارسة أشياء دأبت علي ممارستها عادة: تهريب متفجرات، وبنادق، وقواذف "آر.بي.جي"، وصواريخ كاتيوشا، عبر أنفاق تمتد إلي غزة. والمتفجرات التي يعتقد أنه يتم تهريبها عبر تلك الأنفاق هي التي تستخدم لصناعة صواريخ "القسام" البدائية، التي تستخدم في الغالب لقصف مدن إسرائيلية جنوبية كسديروت وعسقلان. أما صواريخ الكاتيوشا، وهي صواريخ جديدة علي غزة، فيتم علي ما يبدو إعدادها لخوض المعركة الشاملة المنتظرة التي يستعد كل من "حماس" والجيش الإسرائيلي بنشاط لخوضها. وتشن إسرائيل في الوقت الراهن غارات وضربات بشكل شبه يومي علي قطاع غزة، أدت إلي مصرع ما لا يقل عن 200 من مواطني القطاع خلال العام الحالي وحده، كما قلصت من كميات المياه والكهرباء والمحروقات التي كانت تزود بها القطاع، وذلك بغرض خلق نوع من المعاناة التي تقف علي تخوم الأزمة الإنسانية. في نفس الوقت كرر "إيهود باراك" وبشكل يكاد يكون يومياً تصريحه الذي يقول فيه "إن كل يوم يمر يقربنا من موعد القيام بعملية واسعة النطاق في غزة". نحن نعرف من خلال تاريخ وتجارب الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، أن صاروخَ "قسام" واحداً يطلق علي مدرسة أو مصفاة إسرائيلية، يمكن أن يخرج عملية أنابوليس للسلام عن مسارها، وهو ما ينطبق بالطبع علي العملية الواسعة النطاق التي يهدد بها "باراك" دائماً. والمسؤولون الإسرائيليون والفلسطينيون في المؤتمر الأخير، ناقشوا هذا الخطر، ولكنهم لم يحددوا الطريقة التي يمكن التعامل بها معه. وإدارة بوش بطبيعتها ستفضل سياسة مواصلة عزل القطاع بحيث يتم تجميد الوضع في غزة علي ما هو عليه في الوقت الراهن، مع العمل مع الرئيس عباس من أجل تحويل الضفة الغربية إلي نموذج ناجح خلال شهور قليلة -وحتي قبل أن يتم التوصل إلي اتفاقية سلام- ثم مطالبة سكان قطاع غزة من خلال استفتاء بأن يختاروا بين الاستمرار في حياة البؤس، أو القبول بسياسة عباس الرامية لإنشاء دولة. وهذا الوضع يمكن أن يستمر إذا لم تحاول "حماس" تجربة سلاح أكبر وأكثر فعالية. ولكن ماذا يحدث لو فعلت ذلك؟ ليس الأمر معروفاً بالضبط، وإن كنا قد علمنا أن كبار المسؤولين الأميركيين قد نصحوا أولمرت بأنه يجب عليه العمل علي إعداد الشعب الإسرائيلي لامتصاص قدر من العنف دون أن يتخلي عن المحادثات. أما الخيار الذي يبدو أنه لا يحظي بتفكير جاد في الوقت الراهن فهو ربما الخيار الوحيد الذي يمكن ل"حماس" أن تقبله وهو وقف لإطلاق النار مع إسرائيل بشكل ينهي الهجمات من الجانبين، ويفتح غزة أمام التجارة الطبيعية، ويسمح لمفاوضات السلام بأن تمضي قدماً دون تدخل. ومثل هذه الصفقة التي يحبذها اليسار الإسرائيلي الموجود حالياً خارج معادلة السلطة، لا تتلاءم مع رؤية إدارة بوش الخاصة بشرق أوسط مستقطب، يقف فيه أصدقاء امريكا في جانب وتقف فيه إيران وحلفاؤها في الجانب الآخر، بحيث لا يمكن التوفيق والمصالحة بين الجانبين. ربما تكون "حماس" عنيدة في معارضتها للسلام، ولكن إذا ما لم يتحقق وقف إطلاق النار معها، فعلينا إذن أن نستعد للحرب.