سارع ثلاثة وزراء خارجية من دول الاتحاد الاوروبي خلال الايام القليلة الماضية الي لبنان لاقناع الاغلبية البرلمانية التي يؤيدها الغرب والمعارضة اللبنانية التي تساندها سوريا وإيران بضرورة عقد انتخابات رئاسية في موعد لاحق لا يتجاوز نهاية هذا الشهر، وذلك من اجل تجنب اندلاع شرارة مواجهة مأساوية اخري في الشرق الاوسط. واضاف مجلس الامن الدولي صوته الي هذا التحرك بمطالبته الاطراف المعنية بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، كما اجتمع وزراء خارجية عرب وغربيون علي عجل في استنابول لبحث الوضع في لبنان وانتخابات الرئاسة. لكن، اذا كان علينا ان نجنب لبنان الكارثة يتعين عندئذ ان نضيف لفورة الدبلوماسية هذه دفعا آخر قويا من جانب طرفين مهمين جدا هما إيرانوالولاياتالمتحدة. فعلي الرغم من ان الامر يبدو غير عادي، يمكن القول ان هناك اكثر من سبب يدفع واشنطن وطهران للتعاون بدءا من الخلاف حول الازمة اللبنانية الراهنة علي الرغم من دعم كل منهما لفرقاء ومجموعات متنافسة. صحيح انهما يسعيان غريزيا كي يحقق حلفاؤهما النصر، الا ان مصالح أمريكا وإيران الاستراتيجية تقتضي ابقاء الجبهة اللبنانية هادئة نسبيا، والعمل من اجل التوصل لتسوية وسط بموضوع انتخابات الرئاسة. فمنذ اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري في بيروت عام 2005 ولبنان يعاني عدداً من المشكلات تمثلت في سلسلة من عمليات القتل التي قيل انها طالت شخصيات مناوئة لسوريا، وفي الحرب مع اسرائيل وفي المشاحنات السياسية الداخلية التي لا تهدأ. ومنذ اكثر من سنة تتعرض الحكومة اللبنانية، التي يقودها السُنة، للحصار من جانب معارضة قوية بقيادة حزب الله الذي يسعي لدور اكبر في عملية اتخاذ القرار. فبينما تعهدت الحكومة بألا تدع لبنان يسقط في ايدي من تصفه بالمحور السوري الإيراني، تعهدت المعارضة ايضا بمنع ان يصبح لبنان وكيلا آخر لأمريكا في المنطقة. نظريا، تمثل الانتخابات الرئاسية فرصة ثمينة للقوي المؤيدة للحكومة التي تدعمها أمريكا، اوروبا والمملكة العربية السعودية كي تستخدم اغلبيتها الضئيلة للتصويت علي رئيس صديق لها ليحل محل الرئيس اميل لحود المؤيد لسوريا وحليف المعارضة. والواقع ان لبنان اصبح بسبب افتقاره الي الوحدة بين ابنائه عالقا في ازمة اقليمية اوسع، وبات مسرحا لتصفية الخلافات بين الولاياتالمتحدة من جهة وسوريا وإيران من جهة اخري. علي أي حال، اذا كانت مشاعر عدم الثقة عميقة بين الاطراف اللبنانية مما يجعل التوصل لتسوية وسط ليس عملية سهلة، الا ان مثل هذه التسوية تبقي ممكنة، فكل ما علي مرشح الرئاسة الجديد عمله هو تلبية ولو ادني مطالب كل فريق وهذا يعني بالنسبة للحكومة التزام تشكيل محكمة دولية لمحاكمة قتلة الحريري، ويعني بالنسبة للمعارضة التعهد بمناقشة مستقبل حزب الله ومصير جناحه العسكري علي مستوي داخلي بعيدا عن الاملاءات الخارجية. صحيح ان هذا ليس حلا مثاليا، وهو ليس حلا دائما بالتأكيد لمشاكل لبنان، الا ان التسوية الوسط توفر للبنان علي الاقل بعض الوقت، وتحول دون انهيار الدولة التي تبدو ضعيفة جدا الآن.