صدمت جريمة اغتيال وزير الصناعة بيار الجميل اللبنانيين القلقين علي حاضرهم ومستقبلهم، في وقت كانوا يتابعون فيه المساعي والتحركات الناشطة لإيجاد مخرج سياسي للوضع المأزوم. وأشاع نبأ الجريمة جوّا من الوجوم والذهول، ورفع منسوب القلق عند المواطنين حول المستقبل والمصير الذي ينتظرهم، في ظل تعثر المبادرات، وارتفاع سقف الاتهامات من قبل غالبية القيادات السياسية. كيف كان المشهد السياسي قبل حصول الجريمة؟ باختصار، واستنادا الي مصادر ومرجعيات سياسية ودبلوماسية، كان السباق محموماً أمس بين الجهود الرامية الي إعادة فتح باب الحوار حول اقتراحات محددة تفضي الي تفاهم مبدئي علي تشكيل حكومة وحدة وطنية، وبين الاستعدادات الميدانية للخروج الي الشارع في بداية تحرك سلمي هدفه الضغط علي الحكومة بغية حملها علي الاستقالة وفتح الباب أمام تشكيل حكومة جديدة. علي الصعيد الدبلوماسي، كانت هناك جولة واسعة من الاتصالات المعلنة، وغير المعلنة، إن علي مستوي حركة السفراء محليا، أو علي مستوي كبار المسؤولين عربيا وإقليميا ودوليا. ولخص مصدر دبلوماسي ما يجري بالقول ان الحركة تمحورت حول هدفين: السعي الي لجم الشارع، وإعطاء المزيد من الفرص لإنجاح المساعي الناشطة، حيث تمكن الرئيس نبيه بري من دعوة الاطراف للعودة الي الطاولة لاستئناف التشاور والحوار حول قيام حكومة وحدة وطنية، والتفاهم علي سلّة من المواضيع التي تستحوذ علي أولويات لدي الاقطاب السياسيين من فريقي الاكثرية والمعارضة. والثاني: مواكبة ولادة المحكمة ذات الطابع الدولي في مجلس الامن بعد جلسة المشاورات التي عقدها أمس الاول، وأسفرت عن تأجيل تكتيكي لمدة 24 ساعة قبل أن تدرك المسار النهائي لها. ويقول المصدر ان كل المداخلات التي أدلي بها ممثلو الدول الاعضاء في المجلس أكدت علي ضرورة قيام هذه المحكمة، لكن بالمقابل تم تسجيل ملاحظتين: الاولي أنه لم يكن هناك مشروع قرار جاهز لعرضه علي المجلس، وبحثه، وإقراره تحت الفصل السابع، بل كان هناك مخرج نادرا ما يعتمد في مثل هكذا حالات، حيث كان هناك توافق من قبل الاعضاء علي أن يحرر رئيس المجلس، مندوب البيرو، رسالة الي الامين العام كوفي أنان، تحت عنوان "الخيار الصامت"، حتي إذا لم يظهر أي اعتراض علي مضمون هذه الرسالة، من قبل أي دولة عضو في مجلس الامن، في غضون 24 ساعة من تاريخ وضعها، تصبح الاخيرة بمثابة موافقة من قبل المجلس علي مشروع الاتفاقية الخاص بالمحكمة، وبالتالي يصبح الامين العام كوفي أنان مخولا باستئناف اتصالاته مع الحكومة اللبنانية لاستكمال الاجراءات الدستورية بشأن الاتفاقية. الثانية: إن مندوبي كل من قطر، وروسيا، والي حدّ ما الصين، قد شددوا في مداخلاتهم علي الآلية الدستورية التي يجب أن تواكب محليا مسار المحكمة، وميز كل من المندوبين القطري والروسي مداخلتيهما بالتشديد علي مسؤولية كل من رئيس الجمهورية، ومجلس الوزراء، ومجلس النواب في توفير الآلية الدستورية اللبنانية لهذه المحكمة، فيما شدد المندوب الصيني علي أهمية الوحدة الوطنية، علي ألا تترك المحكمة تداعيات علي الوحدة في الداخل. أما علي المسار السياسي، فقد سبقت جريمة الاغتيال حركة اتصالات واسعة شملت قيادات روحية وسياسية، وتمحورت حول أبعاد ثلاثة: نزع فتيل التوقيت في النزول الي الشارع، وحمل قيادات المعارضة علي إعطاء المزيد من الوقت للمعالجات الناشطة محليا، وإقليميا، ودوليا، لترتيب المخرج الذي يحظي بمباركة الجميع، وجاءت المؤتمرات الصحفية، خصوصا تلك التي عقدها رئيس فريق الاكثرية، رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري، ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة، حيث تركت الباب مفتوحا علي الحوار للوصول الي المخارج التي ترضي الجميع. البعد الثاني محاولة تعويم الاقتراح الذي كان قد تقدم به الرئيس السنيورة لجهة قيام حكومة وحدة وطنية تعطي للأكثرية أقل من الثلثين، والمعارضة أقل من الثلث علي أن يكون الصوت المرجح ملك وزيرين حياديين لا يحق لهما الاستقالة، مقابل ان تعطي المعارضة موافقة مبدئية للسير باتجاه انتخابات رئاسية مبكرة، مع الحرص علي استمرار التشاور في هذا الشأن مع بكركي، وذلك لوضع البلاد فعليا علي سكة الخروج من المأزق باتجاه الانقاذ. وكان لافتا علي هذا الصعيد، خروج المحكمة الدولية من دائرة التشاور المحلي أمس، باعتبار أن الفريق الاكثري كان قد أخذ بما يشبه الضمانات النهائية من مجلس الامن، علي أنها علي الطريق المؤدي الي إقرارها، ليحل مكانها الاهتمام بموضوع إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. أما البعد الثالث، فكان يرمي في زحمة المشاورات، الي إعادة وصل الاتصال بين السرايا الحكومية، والقصر الجمهوري انطلاقا من خلفيتين، الاولي إنقاذ رمزية المشهد الاستقلالي في قصر بعبدا، وتبديد الشائعات التي راجت من قبل، وكانت تتحدث عن احتمال مقاطعة الرئيس السنيورة الاستقبال الاستقلالي في القصر. والثانية: تجاوز الخطاب السياسي المتشنج بين الرئيسين، وتمهيد الاجواء لمواكبة كل المستجدات سواء تمثلت بتعديل الحكومة القائمة وإعادة تعويمها، أو بتأليف حكومة وحدة وطنية جديدة، أو بتوفير المخرج الدستوري التوافقي، لاتفاقية المحكمة الدولية. وفي اعتقاد بعض المتابعين أن الجهود التي سبقت جريمة الاغتيال، كادت أن ترجح كفّة احتمال العودة الي لغة التشاور والحوار علي كفة اللجوء الي الشارع، إلا ان القدر كان بالمرصاد، وحصل ما حصل، وأدي اغتيال الوزير الجميل الي وضع لبنان من جديد في مهب التطورات المفتوحة علي كل الخيارات.