لا أدري لماذا بدا جميع المسئولين المصريين وكأنهم مبرمجون كلما حدثت كارثة في المؤسسات الاقتصادية العامة علي إنكار الخصخصة وكأنها رجس من عمل الشيطان أو أنها نوع من الخطيئة التي يعاقب عليها الإنسان لمجرد التفكير فيها. وكان ذلك هو ما حدث تماما عندما حدثت كارثة قليوب عندما اصطدم قطاران توفي علي إثرهما 58 مصريا غير عدد أكبر من الجرحي. ولم تمض ساعات علي حدوث الحادث حتي خرجت التصريحات تلو التصريحات بأنه لا توجد نية لخصخصة سكك حديد مصر رغم أن أحدا لم يكن قد طرح الفكرة بعد. ولا تستطيع أن تفهم لماذا كانت هذه التصريحات "الاستباقية" التي تدل أنه علي رأس الحكومة بطحة لا يعرف أحد ما هو سببها من الأصل، ولماذا كان الرفض المسبق لفكرة لم يتم دراستها بعناية ؟ ولم تكتف الحكومة بهذا النفي المتقدم، بل إنها فعلت ما كانت كل الحكومات المصرية السابقة سوف تفعله، وهو أن تصب أكبر قدر ممكن من رؤوس الأموال علي المشكلة لعلها تطفئ حريقها أو تخفف من مرارتها. وللصدفة البحتة كانت الحكومة قد وافقت علي الشبكة الثالثة للتليفون المحمول، فحولت خمسة مليارات من الصفقة لإصلاح السكك الحديدية، وفوقها وعدت بعدة مليارات أخري لكي يتم إصلاح القطاع المنهار. هذه السياسة خاطئة تماما من أولها إلي آخرها، وهي مخطئة أولا لأنها استبعدت خصخصة السكك الحديدية كواحدة من الخيارات المطروحة، وهي مخطئة ثانية لأنها لم تتعلم من نجاح سياستها في خصخصة قطاع التليفونات بل ومن نجاح القطاع الخاص في شد قاطرة التنمية في مصر خلال العامين الماضيين، وهي مخطئة ثالثا لأنها أخذت مبالغ هائلة حيث يوجد النجاح لكي تغرقها حيث يوجد الفشل، وهي مخطئة رابعا لأن كل أموال الحكومة لن تصلح هيئة السكك الحديدية، وهي مخطئة خامسا لأنها لم تستخدم أموال النجاح _ بيع الشبكة الثالثة _ في تشجيع الاستثمار وليس في إقالة استثمارات غارقة. وبالوسع أن نمد شبكة أخطاء الحكومة إلي نهاية التاريخ لأنها نجحت عندما شجعت القطاع الخاص، وها هي تعود مرة أخري إلي حيث كان الفشل التنموي المصري كله حيث جري الاعتماد علي قطاع عام بيروقراطي فاشل ولديه ميل طبيعي لمقاومة النجاح والمنافسة، والأخطر من ذلك أنه خلق آليات لاستنكار الخصخصة حتي قبل أن توجد أو يتم التفكير فيها من الأصل. والحقيقة أن ما جري في السكك الحديدية المصرية كان هو ما جري في كل المؤسسات العامة في العالم، ووفقا لكل الإحصاءات فإن شبكات القطارات العامة، وشركات الطيران العامة، هي الأكثر حوادث في العالم من الشركات الخاصة؟. وليس معني ذلك أن الشركات الخاصة لا تتعرض لكوارث، ولكن كوارث القطاع الخاص يوجد فيها من يتم محاسبته وفرض العقاب عليه، كما أنها دوما تكون قادرة علي دفع التأمينات الضرورية، وأخيرا فإن وضع المنافسة يفرض عليها أن تقدم أفضل الأسعار مع أعلي الخدمات. أما في القطاع العام حيث يوجد الاحتكار المطلق فلا يوجد من يتم محاسبته، وفي جميع الكوارث السابقة كانت البراءة من نصيب جميع المسئولين لأن المسألة ببساطة أنه لا يوجد هناك مسئول، وإنما شبكة هائلة ومعقدة من الأوامر والقواعد والمسئوليات التي تغرق بعدها أية مسئولية. وإذا كانت شركات القطاع العام غير قابلة أبدا للإفلاس فإنها لا تكون أبدا مسئولة، وسوف نجد دوما ورقة وضعها الموظف لكي يلقي المسئولية علي طرف آخر ساعة الكارثة. إن أقل القليل الذي يمكن أن تفعله الحكومة قبل أن تلقي بمبلغ خمسة مليارات جنيه _ وما هو أكثر _ إلي حفرة بلا قاع، هو أن تعيد التفكير في الموضوع مرة أخري، ومن ناحيتنا فإن خصخصة السكك الحديدية يمكن أن تتم وتفوق في تطورها ما جري في شبكات التليفون المختلفة. ومن الجائز تماما أن تجرب الحكومة أن تعطي القطاع الخاص امتياز استغلال خطوط جديدة تربط بين الوادي والبحر الأحمر والساحل الشمالي والواحات المختلفة وتوشكي وبالطبع سيناء. وكما هو معلوم أن الولاياتالمتحدة تم بناؤها علي أكتاف السكك الحديدية وبعد ذلك الطرق السريعة التي تتحول بعد ذلك إلي شرايين للاقتصاد وحركة البشر والبضائع. المهم في ذلك أن يتم بأموال تقدمها شركات كبري وليس من أموال الشعب المحدودة والتي ينبغي أن تنفق علي تنظيم العمل والاستثمار ووضع قواعده والحفاظ علي البيئة وحماية المستهلك. ولا يمكن تحقيق ذلك ما لم تكن الحكومة أكثر ثقة بنفسها وبسياستها، فهي لا توجد علي رأسها بطحة خصخصة لأن العالم لم يعد فيه بلد متقدم استنادا إلي القطاع العام وإنما استناد إلي القطاع الخاص والمبادرة الفردية. ولا يوجد لدي الحكومة بطحة تسرع في الخصخصة لأنها بعد عشرين عاما من الخصخصة لم تخصخص أكثر من نصف القطاع الصناعي، وهو ما لا يشكل أكثر من 18% من الاقتصاد العام في مصر. وبالمقارنة بكل دول العالم الساعية إلي التقدم فإن الاقتصاد المفتوح والحر في مصر لا يزال محدودا مقارنا بالاقتصاد الحكومي الذي تخصخصه البيروقراطية لصالحها. وربما آن الأوان للحكومة أن تكون أكثر شجاعة في مواجهة الناس، فهي ليست حكومة رجال الأعمال كما تحاول جماعة من السياسيين والصحفيين أن يضعوها موقف الدفاع، وإنما هي حكومة تحاول تنمية مصر وفق القواعد التي باتت التنمية ممكنة من خلالها مع مطلع القرن الواحد والعشرين!. [email protected]