بعد الحادي عشر من سبتمبر مباشرة 2001، بدأ "الجمهوريون" يقولون إن نهج "الديمقراطيين" في التعامل مع "الراديكالية الإسلامية" هو التكور داخل زجاجة والدعاء بأن يذهب هؤلاء الأشرار بعيداً عنهم. في الحقيقة أن هذا الوصف يمثل صورة كاريكاتيرية جامحة وخبيثة كانت تدفعنا دوماً للافتراض بأن ذلك كان عبارة عن حيلة خبيثة من جانب جناح "اليمين" في السياسة الأمريكية الغرض منه تضليل الجمهور. ولكن هناك إدراكاً مرعباً هبط علي مؤخراً مؤداه أن "الجمهوريين" وخاصة "المحافظين" منهم يؤمنون حقاً بهذا الهراء. وفي الحقيقة أن بذور هذا الإدراك كانت قد نثرت منذ سنوات قليلة، وذلك عندما كنتُ مدعواً للمشاركة في برنامج حواري، وقلت في نقطة معينة لمقدم البرنامج إن بوش قد أهمل، أو قام في بعض الحالات بكبح الجهود اللازمة لتعزيز الأمن الداخلي. وعندما قلت ذلك بدت المذيعة وكأنها تسمع هذا الرأي للمرة الأولي حيث ردَّت علي وقد ظهرت عليها علامات عدم التصديق: مَن؟ بوش؟ يتعامل مع الإرهاب بليونة؟ لابد أنك تقصد شخصاً آخر! كانت المذيعة تؤمن مثل غيرها بأن النقد الوحيد الذي يوجهه "الديمقراطيون" لنهج بوش في محاربته الإرهاب هو أنه قد تجاوز الحدود أو كان قاسياً أكثر من اللازم. وإذا ما اعتقد أحد أن ذلك قد تغير فإنه سيكون علي خطأ حيث قرأت منذ مدة قصيرة مقالة ل"جوشوا مورافيك" الباحث في معهد "أمريكان إنتربرايز" وصف فيها رد فعل "الليبراليين" في الحادي عشر من سبتمبر علي النحو التالي: إنهم سيظلون يتعاملون مع موضوع الإرهابيين باعتباره موضوعاً أمنياً بحتاً، وبدا البعض منهم وكأنه سيكتفي بمحاربة تنظيم "القاعدة" في أفغانستان، ثم يتوقف عند ذلك. وليس أعضاء الحزب "الجمهوري" هم فقط الذين يعتقدون أن البديل "الديمقراطي" لسياسة بوش في التعامل مع الإرهاب هو ببساطة عدم القيام بشيء، بل إننا نجد أن الأفراد العاديين من تيار "المحافظين"، وكما يظهر من الآراء التي يبديها المدوِّنون "البلوجرز" علي الإنترنت، تتفق مع ذلك. فقد كتب أحدهم مؤخراً يقول إنه "محافظ "، ولكن لو قام "الديمقراطيون" برسم سياسة متعددة الأوجه، وصلبة، من أجل كسب الحرب علي الإرهاب فإنه مستعد _هو والكثيرون من أمثاله لأن يعيد النظر في آرائه. وفي الحقيقة أن معظم البدائل التي يدعو هؤلاء المدوِّنون إليها مثل الترويج للديمقراطية في العراق دون استخدام للعنف، والاقتصاد في استهلاك الطاقة، وتعزيز الأمن الداخلي وما إلي ذلك، ضُمِّنت في خطة تمت صياغتها مؤخراً بواسطة أعضاء الكونجرس "الديمقراطيين". طالما أن الأمر علي هذا النحو، فما الذي يجعلني واثقاً من أن "المحافظين" يعتقدون حقاً أن الخطة "الديمقراطية" تقوم علي التعامل بليونة مع الإرهابيين. الذي يدفعني إلي ذلك هو إدراكي أن "الديمقراطيين" لا يقومون بالجهد اللازم لنشر المعلومات عن أنفسهم وعن خططهم أو الدفاع عن الاتهامات التي توجه إليهم مما يدفع الآخرين إلي تصديق أشياء وتهم عنهم. و"الديمقراطيون" إلي جانب ذلك لا تتوافر لهم المنابر التي يمكنهم من خلالها نشر أفكارهم. فهم يفتقرون إلي السيطرة علي أي فرع من أفرع الحكومة في واشنطن، مما يجعل وسائل الإعلام تتجاهل مقترحاتهم التي لا تتوافر لها غالباً فرصة للحصول علي موافقة الكونجرس. علاوة علي ذلك نجد أنهم لا يمتلكون خبراء "ديمقراطيين" للدعاية والترويج لنشر آرائهم، مما يجعل بعض مدعي المعرفة الكسالي يتوصلون ببساطة إلي خلاصة مؤداها أن "الديمقراطيين" ليست لديهم في الحقيقة أي أفكار.